المدني الماجن مزبد - بالزاي والباء ثانية الحروف مشددة، ودال مهملة - أبو إسحاق المدني. كان كثير المجون حلو النادرة، له أخبار كثيرة في البخل، فإنه كان مبخلا إلى الغاية.
قيل إنه صب عليه الماء يوما، فسألته امرأته عن ذلك فقال: جلدت عميرة. ثم إنه رآها بعد أيام تصب الماء على نفسها فسألها، فقالت: جاءت عميرة فجلدتني. وأحضره بعض ولاة المدينة وقد اتهمه بشرب الخمر، فاستنكهه فلم يجد له رائحة فقال: قيؤوه. فقال: ومن يضمن عشائي أصلحك الله؟ وادعى عليه رجل بشيء وقدمه إلى القاضي فأنكر، وسأله البينة فقال: ليس لي بينة. فقال: نستحلفه لك، قال: وما يمين مزبد؟ فقال مزبد: ابعث إلى ابن أبي ذئب فاستحلفه له.
وتناول رجل من لحيته شيئا فسكت عنه. وكان الرجل قبيح الوجه فقال له: ويحك، لم لا تدعوا لي؟ فقال: كرهت أن أقول: صرف الله عنك السوء فتبقى بلا وجه. وقيل له: هل لك بنا في الخروج إلى قباء والعقيق وأخذ ناحية قبور الشهداء، فإن يومنا كما ترى طيبا. قال: اليوم يوم الأربعاء، ولست أبرح من منزلي. قالوا وما تكره من يوم الأربعاء؟ وفيه ولد يونس بن متى؟ قال: بأبي أنتم وأمي، فقد {فالتقمه الحوت} قالوا: فهو اليوم الذي نصر فيه صلى الله عليه وسلم على الأحزاب، قال: أجل، ولكن بعد {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا}. وأردف مزبد رجلا خلفه على بغلة، فلما استوى الرجل قال: اللهم أنزلنا {منزلا مباركا وأنت خير المنزلين} فقال مزبد: اللهم قنعه خرية، يسأل ربه منزلا مباركا، وهو بين استي واست البغلة. وهبت يوما ريح شديدة، فصاح الناس: القيامة القيامة. فقال مزبد: هذه قيامة على الريق بلا دابة الأرض ولا الدجال ولا القائم. ونظر يوما إلى عبد أسود ينكح غلاما روميا فقال: كان أيره في استه كراع عنز في صحفة أرز. ومرض مرة فقال له رجل: احتم، فقال: يا هذا أنا ما أقدر على شيء إلا على الأماني أفأحتمي منها؟.
ورآه إنسان وهو بالرها وعليه جبة خز فقال: هب لي هذه الجبة، فقال: ما املك غيرها. فقال الرجل: فإن الله تعالى يقول: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} فقال: الله أرحم بعباده من أن ينزل هذه الآية بالرها في كانون وكانون، وإنما نزلت بالحجاز في حزيران وتموز. وقيل له يوما: لم لا تكون كفلان؟ يعنون رجلا موسرا - فقال: بأبي أنتم وأمي، كيف أتشبه بمن يضرط فيشمت، وأعطس فألطم. ونظر إلى رجل كثير شعر الوجه فقال له: يا هذا، خندق على وجهك لئلا يتحول رأسا. ونظر إليه رجل وقال له: من شجك ههنا - وأشار إلى استه؟ فقال: الذي شج أمك في موضعين. ونظر يوما إلى امرأته وهي تصعد في سلم فقال: أنت الطلاق إن صعدت، وأنت الطلاق إن وقفت، وأنت الطلاق إن نزلت. فرمت بنفسها من حيث بلغت، فقال لها: فداك أبي وأمي، إن مات مالك احتاج الناس إليك في المدينة لأحكامهم.
وسكر يوما فقالت له امرأته: أسأل الله أن يبغض إليك النبيذ، فقال: وأن يبغض إليك الفتيت. ونظروا إليه يوما وبين يديه نبيذ أسود، فقال: أما ترون ظلمة الحلال فيه؟! واشترى مرة جارية، فسئل عنها فقال: فيها خلتان من خلال الجنة، البر والسعة، وقيل له: ما بال حمارك يتبلد إذا رجع إلى منزله، وحمر الناس تسرع إذا عادت؟ فقال: لأنه يعرف سوء المنقلب. وسمع يوما قينة تغني: (عاد قلبي من الصبابة عاد) وإنما هو: عيد، فقال: وثمود، فإن الله لم يفرق بينهما. وقيل له: أيولد لابن ثمانين سنة ولد؟ فقال: نعم، إذا كان له جار ابن ثلاثين سنة. واتهمه إنسان بشيء فقال: إن كنت فعلت هذا فمسخني الله كلبا أنهش عراقيب الملائكة في الموقف. ونظرت إليه يوما امرأته وهي حبلى فقالت له: الويل لي إن كان الذي في بطني يشبهك. فقال لها: الويل لي إن كان الذي بطنك ما يشبهني. وسمع رجلا يقول: عن ابن عباس، من نوى حجة فعاقه عنها عائق كتبت له. فقال له مزبد: ما خرج العام كرى أرخص من هذا. وقيل له: ما ورثت أختك من زوجها؟ فقال: أربعة أشهر وعشرا. ونظر إلى قوم مكتفين يذهب بهم إلى السجن فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا: خير. فقال: إن كان كذلك فاكتفوني معهم. وطلب منه بعض جيرانه ملعقة فقال: ليت لنا ما نأكله بالأصابع. وخاصم امرأته وأراد أن يطلقها فقالت له: اذكر طول صحبتي معك. فقال: والله مالك عندي ذنب غير ذلك. وقال لامراته يوما: اتخذي لي قريصا فقد اشتهيته. قالت: فأين حوائجه؟ قال: قد حضر البرد لعقده، حتى ننظر في باقي الحوائج. وهبت بالمدينة ريح صفراء أنكرها الناس وفزعوا. فجعل مزبد يدق أبواب جيرانه ويقول لهم: لا تعجلوا بالتوبة، فإنما هي وحياتكم زوبعة وسوف تنكشف الساعة. وكان مرة نائما بالمسجد، فخل إنسان فصلى. فلما فرغ قال: يا رب، أنا أصلي وهذا نائم؟ فقال له: يا ابن أم، سل حاجتك ولا تحرشه علينا. وكانت ليلة الفطر مرة، فعلا مزبد منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نادى ألا سمع سامع أنا قد شردنا رمضان، فمن آواه فقد برئت منه الذمة. فضربه الوالي مائة سوط. فقال مزبد: ما أبالي، ما كنت لأدع لذتها. وجاء يوما فوجد امرأته قد وضعت المنخل في فراشه. فلما حاء ورآه، تعلق بوتد كان في داره. فقالت له امرأته: ما هذا؟ فقال: وجدت المنخل في موضعي فصرت في موضعه. وقالت امرأة مزبد لجارة لها: يا أختي، كيف صار الرجل يتزوج بأربعة ويملك من الإماء ما شاء، والمرأة لا تتزوج إلا واحدا ولا تستبد بمملوك؟ فقالت لها: يا حبيبتي، قوم الأنبياء منهم والخلفاء منهم والشرط منهم تحكموا فينا كيف شاؤوا، وحكموا لأنفسهم بما أرادوا. وكان بينه وبين غلامه أمارة إذا بعثه في حاجة وجاء سأله إن كانت خيرا قال: قمحا، وإن كانت شرا قال: شعيرا، فجاء مرة فقال له: قمح، وإلا شعير. فقال: خرا. قال: وكيف؟ قال: لأنهم ما قضوا الحاجة وضربوني وشتموك. وصلى يوما، فلما فرغ دعا. فقالت امرأته: اللهم أشركني في دعائه، فسمعها، فقال: اللهم اصلبني. وحلف مرة على امرأته فقال: لا أجتمع أنا وأنت على مخدة. فلما طال ذلك قال: نقتنع باجتماع الأرجل إلى حلول الأجل. وغضب عليه بعض الولاة، فأمر بحلق لحيته، فقال له الحجام: انفخ شدقك حتى أحلق، فقال: الوالي أمرك بأن تحلق لحيتي أو أن تعلمني الزمر. وسئل يوما عن عدد أولاده فقال: عهد الله عليه إن كانت امرأتي ما تلد أكثر مما أنيكها. وقيل له: كيف حبك لأبي بكر وعمر؟ فقال: ما ترك الطعام في قلبي حبا لأحد. ودخل يوما إلى بعض العلوية، فجعل يعبث به ويؤذيه، فتنفس الصعداء وقال: صلوات الله على المسيح، أصحابه معه في راحة لم يخلف عليهم من يؤذيهم. وباع جارية على أنها تحسن تطبخ، فلم تحسن شيئا، فردت. وطلب إلى القاضي، وطولب بأن يحلف على أنها تحسن الطبيخ، فاندفع وحلف أيمانا مغلظة أنه دفع إليها مرة جرادة فعملت منها خمسة ألوان طعام، وفضل منها شريحتان للقديد سوى الجنب، فإنها شوته. فضحك من حضر ويئس خصومه من الوصول إلى شيء منه فخلوا سبيله. وجمع مرة في بيته بين متعاشقين فتعاتبا ساعة، ثم إن العشيق مد يده إليها فقالت: دع هذا ليس هذا موضعه. فسمعها مزبد فقال: يا زانية، فأين موضعه بين الركن والمقام، بين القبر والمنبر، والله ما بنيت هذه الدار إلا للقحاب والقوادين، ولا اشترى خشبها إلا من دراهم القمار، فأي موضع أحق بالزنا منها. وشكا إليه رجل من امرأته، وأنها لها خلق سوء، فقال له: بخرها بمثلثة، يعني بالطلاق الثلاث. ونوادر مزبد كثيرة.