لاجين الملك المنصور
لاجين الملك المنصور
وكان شابا أشقر في لحيته طول يسير وخفة، وجهه رقيق معرق وعليه هيبة وهيئة تامة في قده رشاقة. خنق بين يدي الملك الأشرف خليل ثم خلي فإذا فيه روح. ورق له السلطان وأطلقه ورده إلى رتبته. ويقال إنه إنما قام على الأشرف لأنه تعرض لبيته بنت طقصو فعز ذلك عليه.
ولما قتل الأشرف هو وبيدرا اختفى، وتنقل في البيوت وقاسى الأهوال من الجوع والعطش والخوف، ثم أجاره كتبغا وأحسن إليه، ودخل به إلى السلطان الملك الناصر، وقرر معه أن يخلع عليه ويحسن إليه، ففعل به ذلك وأعطاه خبزا.
فلما ملك كتبغا جعله نائب السلطنة، فوثب عليه كما تقدم في ترجمة كتبغا وقتل غلاميه الأزرق وبتخاص، وتغافل عنه لما عليه من الأيادي.
وهرب كتبغا كما تقدم. وساق لاجين الخزائن والعساكر بين يديه من الغور وما دخل غزة إلا وهو سلطان، ولم يختلف عليه اثنان، وتملك أول صفر سنة ( ) وجلس على سرير الملك، وبعث قبجق نائبا بدمشق لأنه خوشداشه، وجعل قراسنقر نائبه بمصر إلى أن تمكن وقبض عليه، وأقام مكانه في النيابة مملوكه منكوتمر، فحسن له القبض على الأمراء، فأمسك البيسري وقراسنقر وأيبك الحموي وسقى جماعة، ولذلك هرب قبجق وبكتمر والكي وبزلار إلى التتار، ولم يخرج إلى الشام مدة ملكه.
ولما كان في يوم الخميس عاشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة، ركب في موكبه وهو صائم، وعمل عليه جماعة من الأشرفية: دخلوا عليه بعد العشاء الآخرة وهو مكب على اللعب بالشطرنج وما عنده إلا القاضي حسام الدين الحنفي وعبد الله الأمير وبريد البدوي، وإمامه محب الدين ابن العسال.
فأول من ضربه بالسيف كرجي مقدم البرجية. وتوجه طغجي وكرجي إلى دار منكوتمر ودقا عليه الباب وقالا: السلطان يطلبك فنكرهما وقال: قد قتلتماه، فقال كرجي: نعم يا مأبون بيتنا لنقتلك، فاستجار بطغجي فأجاره وحلف له، فخرج إليهما، فذهبا به إلى الجب وأنزلاه، فاغتنم كرجي الغفلة وحضر إلى الجب وأخرج منكوتمر من الجب وذبحه وقال: نحن ما قتلنا أستاذه إلا من أجله فما في بقائه فائدة.
ونهبوا دياره في الحال، واتفقوا على إعادة الملك الناصر محمد من الكرك إلى الملك، وأن يكون طغجي نائبا، وحلفوا له على ذلك.
وأرسلوا سلار لإحضاره وهو أمير صغير. وعمل طغجي النيابة أربعة أيام، فلما حضر أمير سلاح من غزوة الشام وقتل طغجي وكرجي عندما التقياه، وبقي يعلم على الكتب ثمانية أمراء: سلار والجاشنكير وبكتمر أمير جاندار وجمال الدين آقوش الأفرم والحسام أستاذ الدار وكزد وأيبك الحزندار والأمير عبد الله.
وقتل لاجين وهو في عشر الخمسين أو جاوزها بقليل وقيل: إن السلطان الملك المنصور قلاوون قال لولده الملك الأشرف خليل: إذا صار الأمر إليك فلا تعارض طرنطاي ولا تشوش عليه، فما يخونك. وأما لاجين فلا تكلمه وإن أمسكته فلا تبقه، فخالفه الأشرف في أمر المذكورين.
وكان حسام الدين لاجين من أعقل الناس وأنصفهم. وهو الذي خرج الخلفاء من الحبس وابطل الثلج الذي ينقل في البحر من الشام إلى مصر وقال: أنا كنت في الشام وأعلم ما يقاسي الناس في وسقه. وكان ذكيا نبيها.
حكى لي القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله قال: حكى لي والدي أنه وصل إليه بعض الأيام بريد من مصر، وعلى يده كتاب من طرنطاي ومما فيه بخطه أن الخروف نطح كبشه أقلبه، فقال لي: ما هذا يا محيي الدين؟ قلت: لا أعلم، فقال: هذا الكلام معناه أن بيدرا قد وثب على عمه الشجاعي، وكذا كان، فإن الشجاعي كان زوج أم بيدرا، فعمل عليه عند المنصور وأمسكه وعزله وصادره، وهذا في غاية الفهم من مثل هذه الإشارة.
وحكى لي الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر قال، قال لي حسام الدين: يا حسين رأيت البارحة في النوم أخاك مظفر الدين وهو يقول لي: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} فما كان بعد ذلك ثلاث ليال حتى قتل.
ولما قتل الأشرف هرب هو وقراسنقر، وجاءا إلى جامع ابن طولون وطلعا في المئذنة واستترا فيها، وقال لاجين: إن نجانا الله من هذه الشدة وصرت شيئا عمرت هذا الجامع، وكذا جرى، فإنه عمره وأوقف عليه أوقافا كثيرة، وعمل فيه وظائف من الحديث والتفسير والطب وغيره.
وحكى لي عنه الشيخ علاء الدين ابن غانم رحمه الله مكارم كثيرة ولطفا زايدا وإحسانا جما ومودة يرعاها لمن يعرفه، وكذلك حكى لي عنه الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس لما دخل إليه لم يدعه يبوس الأرض، وقال: أهل العلم ينزهون عن هذا. وأجلسه عنده أظنه على المقعد، ورتبه موقعا فباشر ذلك أياما ثم استعفى فأعفاه، وجعل المعلوم له راتبا فتناوله إلى أن مات.
وكان القاضي شهاب الدين محمود يوما بين يديه يكتب، فوقع شيء من الحبر على ثيابه فأعلمه السلطان بذلك، قال لي: فنظمت في الحال بين يديه:
ثياب مملوكك يا سيدي | قد بيضت خالي بتسويدها |
ما وقع الحبر عليها بلى | وقع لي منك بتجديدها |
وأنشدني إجازة قصيدة بها وهي:
أطاعك الدهر فأمر فهو ممتثل | واحكم فأنت الذي تزهى به الدول |
واشرف فلو ملكت شمس النهار علا | ملكتها لم يزد في سعدها الحمل |
وانهض بعزمك فهو الجيش يقدمه | من بأسك المنذران الرعب والوجل |
وسر به وحده لا بالجيوش وإن | لم يحوها الأرحبان السهل والجبل |
تلقى الفتوح وقد جاءتك وافدة | يحثها المزعجان الشوق والأمل |
قد أرهف الملك المنصور منك على | جيش الأعادي حساما حده الأجل |
تهوى أسنته بيض النحور فمن | آثارها الحمر في أجيادها قبل |
تدمى سطاه وتندى كفه كرما | كالغيث يهمي وفيه البرق يشتعل |
سل يوم حمص جيوش المغل عنه وقد | ضاق الفضاء بهم واستدت السبل |
والهام تسجد والأجسام راكعة | والموت يقبل والأرواح ترتحل |
والبيض تغمد في الأبطال عارية | وتنثني وعليها منهم حلل |
والخيل تحفى وتخفى في العجاج فإن | بدت غدت وهي بالهامات تنتعل |
يخبرك جمعهم والفضل ما شهدت | به العدى أنه ليث الشرى البطل |
وأنه خاض في هيجائها وجلا | غمارها واصطلاها وهي تشتعل |
وصدهم وهم كالبحر إذ صدموا | ببأسه وحمى الإسلام إذ حملوا |
فمزقتهم سطاه ذا يسير وذا | عان أسير وذا في الترب منجدل |
كأن أسهمه والموت يبعثها | بين المنايا وأرواح العدى رسل |
كأن هاربهم والخوف يطلبه | يبدو لديه مثال منه أو مثل |
فإن تنبه يوما راعه وإذا | أغفى جلته عليه في الكرى المقل |
وعاد والنصر معقود برايته | والمغل ما بين أيدي خيله خول |
قد جمع الله فيه كل مفترق | في غيره فهو دون الناس مكتمل |
فعن ندى يده حدث ولا حرج | اليم تم وعم العارض الهطل |
أستغفر الله أين الغيث منفصلا | من بره وهو طول الدهر متصل |
عطاء من ليس يثني فيض راحته | عن الندى سأم يوما ولا ملل |
من حاتم عد عنه واطرح فيه | في الجود لا بسواه يضرب المثل |
أين الذي بره الآلاف يتبعها | كرائم الخيل ممن بره الإبل |
لو مثل الجود مسرحا قال حاتمهم | لا ناقة لي في هذا ولا جمل |
أحاط بالناس سور من كفالته | ظل لهم وعلى أعدائه ظلل |
أضحوا به في مهاد الأرض يكلأهم | من رأفة بهم يقظان إن غفلوا |
يحنو عليهم ويعفو عن مسيئهم | حلما ويصفح عنهم إن هم جهلوا |
وأعدل الناس أياما فلا شطط | في الحكم منه ولا حيف ولا ملل |
أطاع خالقه في ما تقلده | فما عن الدين بالدنيا له شغل |
إن رام صيدا فما الكندي مفتخرا | بالخيل في الصيد إلا مطرق خجل |
بكل طرف يفوت الطرف منظره | لا يأخذ الصيد إلا وهو منفتل |
في فتية من حماة الترك ليس لهم | إلا التعلم من إقدامه أمل |
إن يقتلوا الصيد في أيدي الجوارح بل | جوارح اللحظ إن يرموا بها قتلوا |
عزا وصونا لمن دان الأنام له | حتى السهام إلى أغراضه ذلل |
أو حاول اللعب المعهود بالكرة الـ | ـتي بها تستعين البيض والأسل |
حيث السوابق تجري في أعنتها | طوعا وتعطف أحيانا فتمتثل |
كأنه وهي والبردي في يده | على الجواد وكل نحوها عجل |
شمس على البرق حاز البدر يرفعه | عن الهلال فتعلو ثم تستفل |
لا زال بالملك المنصور منتصرا | ما مال بالدوح غصن البانة الثمل |
يا أيها العالم بشراكم | بدولة المنصور رب الفخار |
فالله قد بارك فيها لكم | فأمطر الليل وأضحى النهار |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 24- ص: 0