ابن الحاجبي المصري أحمد بن محمد شهاب الدين المعروف بالحاجبي. شاب جندي رأيته بالقاهرة في سوق الكتب سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأنشدني من لفظه لنفسه:
أقول شبه لنا جيد الرشا ترفا | يا معمل الفكر في نظم وإنشاء |
فظل يجهد أياما قريحته | وشبه الماء بعد الجهد بالماء |
مالوا بغير الراح أغصانا | والتفتوا يا صاح غزلانا |
واحتملوا في الخصر لما مشوا | في عقدات الرمل كثبانا |
غيد حلت أفنان أوصافهم | هذا الذي والله أفنانا |
في وجه كل منهم روضة | حوت من الأزهار ألوانا |
يقول لي لين تثنيهم | ضل الذي بالرمح حاكانا |
هب سنه يغزو كألحاظنا | فهل رأيت الرمح وسنانا |
أشكو إليهم تعبا من جفا | صيرني في الليل سهرانا |
قالوا أترجو راحة في الهوى | لم يزل العاشق تعبانا |
ولا تكن ذا طمع في الكرى | إنا فتحنا لك أجفانا |
قالت لأيري وهو فيها ضائع | كالحبل وسط البئر إذ تلقيه |
قد عشت في كس كبير قلت ما | كذبت لأن الكاف للتشبيه |
رب صغير حين ولفته | أيقنت لا يدخل إلا اليسير |
ألفيته كالبئر في وسعه | حتى عجبنا من صغير كبير |
يا طيب نشر هب لي من أرضكم | فأثار كامن لوعتي وتهتكي |
أدى تحيتكم وأشبه لطفكم | وحكى شذاكم إن ذا نشر ذكي |
لا تبعثوا غير الصبا بتحية | ما طاب في سمعي حديث سواها |
حفظت أحاديث الهوى وتضوعت | نشرا فيا لله ما أذكاها |
وصفت خصره الذي | أخفاه ردف راجح |
قالوا وصف جبينه | فقلت: ذاك واضح |
لم أنس أيام الصبا والهوى | لله أيام النجا والنجاح |
ذاك زمان مر حلو الجنى | ظفرت فيه بحبيب وراح |
يميس على حقف هو الردف عطفه | فلله مهتز بقد القنا يهزو |
رشا عاجز من ردفه عن نهوضه | فإن قام ذاك العطف أقعده العجز |
يا ناصحا أتعبه لوم ذي | عقل سليب وفؤاد لسيب |
لا ذقت ما يشكوه من شادن | بعيد وصل ورقيب قريب |
تقول وقد تجاذبنا للثم | ورحت لسلكها ونثرت حبه |
أحبا تدعي وفرطت عقدي | فقلت وذاك من فرط المحبه |
قعدت أصطاد بنيل مصر | يوم وفاه وهو محمر الصفا |
فشلت منه راية قلت له | ذي الراية البيضا عليه بالوفا |
ولقد نثرت مدامعي ودمي معا | يوم الرحيل وخاطري مكسور |
لا تعجبوا لتلون في أدمعي | لا غرو أن يتلون المنثور |
ألا رب بستان نزلت فناءه | أنيسا وفيه جدول يتدفق |
تفتح فيه النور إذ باشر الندى | وقد ضاع منه نشره وهو مغلق |
رب خياط كخوط بانة | لن يكف الهجر عن مظلومه |
إن يكن يرضيه كتمان الهوى | ليس لي طوق على مكتومه |
عدلت عن عشق رشا جائر | يروم عمدا بالجفا قتلي |
فالحمد لله على سلوة | قابلت فيها الجور بالعدل |
لما أتينا نحو روض غدا | لكل من يرجو الهنا مطلبا |
والغيم يبكيه ونواره | مقطب هبت علينا الصبا |
فقطعت أثواب سحب الحيا | وفتقت أكمام زهرالربى |
كل الظبا نعرفها | قاطعة إذا انجلت |
وذا سيوف لحظه | إذا تصدت قتلت |
وحديقة خطر الحبيب بها ضحى | وعلى الغصون من الغمام نثار |
فجرت تقبل تربه أنهارها | وتبسمت في وجهه الأزهار |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 8- ص: 0