ابن حديدة أحمد بن القاسم بن أبي الليث المعروف بابن حديدة. قال ابن رشيق: شاعر فكه الشعر رائق التشبيه مولع به قليل التكلف قوي المنهج والظرف ورفض المدح والهجاء، ويخبر التصنيع خبرا جيدا ولا يركبه إلا في الأماكن التي تصلح له كما شرط حذاق المتقدمين. قال: أنشدته في ساق:
وشربتها من راحتيـ | ـه كأنها من وجنتيه |
وكأنها في فعلها | تحكي الذي في ناظريه |
وشممت وردة خده | نظرا ونرجس مقلتيه |
يا رب متأقة تنوء بثقلها | تسقي البلاد بوابل غيداق |
مرت فويق الأرض تسحب ذيلها | واللوح يحملها على الأعناق |
ودنت فكاد الأرض تنهض نحوها | كنهوض مشتاق إلى مشتاق |
فكأنما جاءت تقبل تربها | أو حاولت منها لذيذ عناق |
سحابة قد تدلت | إلى الثرى باشتياق |
لو أن للأرض عقلا | تلازما للعناق |
انظر إلى السحب التي ذيلها | مرخى وثغر الأرض ما قبله |
مثل رئيس زاد في لطفه | أتى إلى نذل فما اهتز له |
هن البدور النيرات سوافر | تهتز في كثب بهن غصون |
البرء ما أهدت لهن مباسم | والسقم ما بعثت لهن عيون |
ولقد حمى عن مقلتي كراهما | ورق لهن على الأراك حنين |
في ليلة لبس الحداد هواؤها | فكأنما هو راهب محزون |
قد رصعت زهر النجوم سماءها | فكأنما هي لؤلؤ موضون |
وكأنها خلل الظلام روانيا | أحداق روم ما لهن جفون |
وكأنما الفلك المدار على الدجى | بحر أحاط بها وهن سفين |
والليل ملقى كالأسير الموثق | نجومه وسط السماء ترتقي |
يا رب أغيد ساجي الطرف ساحره | أحوى سقتني عقار السحر عيناه |
كالورد وجنته والبدر طلعته | والغصن قامته والمسك رياه |
يا رب ليل جبته | ورداؤه لم يدرج |
تبدو نجوم سمائه | مثل الذبال المسرج |
تحكي قلائد لؤلؤ | نثرت على فيروزج |
وبدا المجر كجدول | في وسط روض بنفسج |
هذي المجرة والنجوم كأنها | نهر تدفق في حديقة نرجس |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 7- ص: 0