البتي
البتي
ولم أدر من ألقى عليه رداءه | سوى أنه قد سل عن ماجد محض |
وخرج إليه خادم في يوم الأضحى على العادة في مثل ذلك فقال له: رسم أن تحصي أسقاط الأضاحي، فقال لغلامه: خذ الدواة فإن القوم يريدون كيرعانيا ولا يريدون كاتبا، وانصرف بهذا المزح من الخدمة. وكان بينه وبين الرضي قد جرى كلام أوجب الإعراض، فاتفق أن اجتاز بالقرب من دار الرضي فقال لغلامه: مل بنا عن تلك الدار فإني أكره المرور بها. والتفت فوقعت عينه على عين الرضي فقال متمما لكلامه، من غير أن يقطعه: فإنني لا وجه لي في لقائه لطول جفائه، فاستحسن منه هذا ودخل دار الرضي واصطلحا.
ورأى معلما يعرف بنفاط الجن قبيح الوجه وقد انكشفت سوءته فقال له: يا هذا استر عورتك السفلى فإنك قد أدليت ولكن بغير حجة.
واستقبل أبا عبد الله بن الدراع وهو متكئ على يد غلام أسود فقال أبو عبد الله: هذا الأسود يصلح لخدمة سيدنا، فقال البتي: أي الخدم؟ فقال: خدمة الفراش، فقال: اللهم غفرا أرمى بالبغاء وليس في منزلي خنفساء ويعرى منه سيدنا وفي داره جميع بني حام.
وكان يرمى بالبغاء والأبنة والبخر فوقع بينه وبين أبي القاسم ابن فهد ملاحاة ومنابذة ثم أصلح فخر الملك بينهما فقال في ذلك:
وكل شرط للصلح أقبله | إن أنت أعفيتني من القبل |
وأتاه غلامه في مجلس حفل وقال: إن ابنك وقع من ثلاث درج، فقال: ويلك من ثلاث بقين أو خلون؟ فلم يفهم عنه فقال: إن كان خلون فسهل، وإن كان بقين فيحتاج إلى نائحة.
ودخل الرقي العلوي على فخر الملك فقال: أطال الله بقاء مولانا وأسعده بهذا اليوم، فقال له: وأي يوم هذا؟ فقال: أيلون، فقال البتي: بالنون! فقال: ما قرأت النحو، فقال البتي: أنت إذا معذور فإنك ثلاث أرباع رقيع ولم يكن أحد يسلم من لسانه وثلبه، وإذا اتفق أن يسمعه من يقول ذلك فيه التفت إليه معتذرا وقال: مولاي ها هنا؟ ما علمت بحضوره. وكأنه يباح له ثلبه غائبا. وكان مع ذكائه وتوقده أشد الناس غباوة في الأمور الجدية وأبعدهم من تصورها. وكان له معرفة بالغناء وصنعته لا تكاد المغنية تغني بصوت إلا ذكر صنعته وشاعره وجميع ما قال في معناه.
وقال البتي يصف كوز الفقاع:
يا رب ثدي مصصته بكرا | وقد عراني خمار مغبوق |
له هدير إذا شربت به | مثل هدير الفحول في النوق |
كأن ترجيعه إذا رشف الرا | شف فيه صياح مخنوق |
ما احمرت العين من دمع أضر بها | في عرصتي طلل أو إثر مرتحل |
لكن رآها الذي تهوى وقد نظرت | في وجه آخر فاحمرت من الخجل |
على أي باب أطلب الإذن بعدما | حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه |
ما للهموم كأنها | نار على قلبي تشب |
والدمع لا يرقا له | غرب كأن للعين غرب |
ما كنت أحسب أنني | جلد على الأرزاء صعب |
ما أخطأتك النائبا | ت إذا أصابت من تحب |
يا أحمد بن علي والردى عرض | يزور بالرغم منا كل زوار |
وقد بلوتك في سخط وعند رضى | وبين طي لإنباء وإظهار |
علقت منك بحبل غير منتكث | عند الحفاظ وعود غير خوار |
فلم تفدني إلا ما أضن به | ولم تزدني إلا طيب أخبار |
لا عار فيما شربت اليوم غصته | من المنون وهل بالموت من عار |
ولم ينلك سوى ما نال كل فتى | عالي المكان ولاقى كل جبار |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 7- ص: 0
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 10- ص: 0