ملك العرب سيف الدولة أبو الحسن صدقة ابن منصور بن دبيس الأسدي
قتل سنة 504 كما في تاج العروس وقال ابن الأثير قتل سنة 501 خطب له من الفرات إلى البحر ولقب بملك العرب.
كان جليل الشأن عظيم السلطان كريم الأخلاق كثير العطاء رأيت مدائحه في أربع مجلدات ورأيت سيرته من أجمل السير وأحسنها وهو باني مدينة الحلة في العراق سنة 495ه.
وهو أشهر بني مزيد, وفي بني مزيد يقول العماد الأصفهاني: ملوك العرب وأمراؤها بنو مزيد الأسديون النازلون بالحلة السفية على الفرات, كانوا ملجأ اللاجئين وثمال الراجعين وموئل المستضعفين, تشد إليهم رحال الآمال وتنفق عندهم فضائل الرجال, وأثرهم في الخيرات أثير, والحديث عن كرمهم كثير.
وكان صدقة يهتز للشعر اهتزاز الاعتزاز ويخص الشاعر من وجوده بالاختصاص والامتياز, ويؤمنه مدة عمره من طارق الإعواز, ويقبل على الشعراء ويمدهم, جميل الإصغاء وجزيل العطاء, ولا يخيب قصد قاصديه من ذوي القصائد, ويبلغ آمليه أغراضهم والمقاصد ’’اه’’.
وكان له شعراؤه ومنهم أبو البقاء هبة الله الذي ألف كتاب (المناقب المزيدية في أخبار الدولة الأسدية) , وفيه يقول: ملك يغترب من بحر جوده فقير العرب والغني ويعم فضله قريبهم والقصي.
كما عم فيها نوال ابن مزيد | وجادهم من سيبه المتداني |
تساوي الورى فيه فقير ذو غنى | وقاص بعيد في البلاد وداني |
ومن معدوديهم أبو عبد الله محمد بن خليفة السنبسي ومما يروى من مجالسه الأدبية أنه أتفق حضور مقدار ابن المختار المطاميري والسنبسي عنده في الحلة فأنشده السنبسي في عرض المحادثة لنفسه بقوله:
ومن ينس لا أنسى عشية بيننا | ونحن عجال بين غاد وراجع |
وقد سلمت بالطرف منها ولم يكن | من النطق إلا رجعنا بالأصابع |
فرحنا وقد روي السلام قلوبنا | ولم يجر منا في خروق المسامع |
ولم يعلم الواشون ما كان بيننا | من السر لولا ضمرة في المدامع |
فطرب لها سيف الدولة ولم يرضها مقدار. فقال له سيف الدولة: تلك يا مقدار, ما عندك في هذه الأبيات. فقال: أقول في هذه الساعة بديها أجود منها, ثم أنشد أرتجالا:
ولما تناجوا بالفراق غدية | رموا كل قلب مطمئن برائع |
وقفنا فمبد أنة | تقوم بالأنفاس عوج الأضالع |
مواقف تدمي كل عشواء ثرة | صدوف الكرى إنسانها غير هاجع |
أمنا بها الواشين ان يلهجوا بنا | فلم تتم إلا وشاة المدامع |
فازداد سيف الدولة استحسانا لهذه واستدناه وأكرمه وجعله من ندمائه. وكان صدقة يستزيد شعراء عصره ويكرمهم, ومن ذلك دعوته الأبيوردي. وقد حدث عبد الله بن علي التميمي عن القاضي أبي سعد محمد بن عبد الملك بن الحسن النديم: أن أفضل الدولة الأبيوردي لما قدم الحلة على سيف الدولة صدقة ممتدحا له ولم يكن قبلها قد أجتمع به قط – خرج سيف الدولة لتلقيه فقال: وكنت فيمن خرج فشاهدت الأبيوردي راكبا في جماعة كثيرة من أتباعه منهم من المماليك الترك ثلاثون غلاما ووراءه سيف مرفوع وبين يديه ثمان نجائب بالمراكب والسرفسارات الذهب وعددنا ثقله فكان على أحد وعشرين بغلا. وكان مهيبا محترما جليلا معظما لا يخاطب إلا بمولانا, فرحب به سيف الدولة وأظهر له من البر والإكرام ما لم يعهد مثله في تلقي أحد ممن كان يتلقاه وأمر بإنزاله وإكرامه والتوافر على القيام بمهامه, وحمل إليه خمسمائة دينار وثلاثة حصن وثلاثة أعبد, وكان الأبيوردي قد عزم إنشاد سيف الدولة قصيدة في مدحه في يوم عينه, ولم يكن سيف الدولة أعد له يحسب ما كان في نفسه أن يلقاه به ويجيزه على شهره واعتذر إليه ووعده يوما غير ذلك اليوم ليعد ما يليق بمثله إجازته مما يحسن به بين الناس ذكره, ويبقى على ممر الأيام إثره فأعتقد أفضل الدولة أب سيف الدولة قد دافعه عن سماعه منه استكبارا لما يريد أب يله به ثانيا, فأمر الأبيوردي أصحابه أن يعبروا ثقله الفرات متفرقا في دفعات. وخرج من غير أن يعلم به أحد سوى ولد أبي طالب بن حبش, فإنه سمعه ينشد على شاطئ الفرات حين عبوره:
أبابل لا واديك بالخير مفعم | لراج ولا ناديك بالرفد آهل |
لئن ضقت عني فالبلاد فسيحة | وحسبك عارا أنني عنك راحل |
فإن كنت بالسحر الحرام مدلة | فعندي من السحر الحلال دلائل |
قوام تعير الأعين النجل سحرها | وكل مكان خيمت فيه بابل |
فبادر ولد أبي طالب إلى سيف الدولة فقال له: رأيت على شاطئ الفرات فارسيا يريد العبور إلى الشرق وهو ينشد هذه الأبيات. فقال سيف الدول: وأبيك ما هو إلا الأبيوردي فركب لوقته في قل من عسكره, فلحقه فاعتزر إليه, وسأله الرجوع وعرفه عذره في امتناعه من سماع شعره, وأمر بإنزاله في داره معه, وحمل إليه ألف دينار ومن الخيل والثياب ما يزيد على ذلك قيمة.
ومن الشعراء من كان يؤلف الأشعار ويرسلها إلى صدقة آملا في جائزته, ومن ذلك ما فعله ابن الهبارية إذ أرسل (الصادح والباغم) مع ولده, فأجزل سيف الدولة عطيته وأسنى جائزته.
وكان أحد الشعراء يقصد منصورا كل عام ليتسلم مائتي دينار وثيابا حريرا وعمامة وحصانا. ولما مات منصور قصد الشاعر ولده صدقة فضاعف له رسمه ونصحه أن يعود إلى دياره ليرعى أسرته التي تنتظره.
ولدبيس بن صدقة أخبار تقرب من أخبار والده في إكرام الشعراء وإيفاء ما عودهم والده من عطاء.
وقال في النجوم الزاهرة ج5 ص196 في حوادث سنة 501 قتل صدقة بن منصور بن دبيس صاحب الحلة. كان كريما عفيفا عن الفواحش, وكانت داره ببغداد حرما للخائفين. لم يتزوج غير امرأة واحدة في عمره ولا تسرى قط. قتل في واقعة كانت بينه وبين عساكر السلطان محمد شاه, وكانت سيرته مشكورة وخصاله محمودة وما سلم من مذهب أهل الحلة فإن أباه كان من كبار الرافضة!!... (على عادة صاحب الكتاب يوسف بن تغري بردي الأتابكي في نبز الشيعة).
وقال ابن الأثير: سنة 495 بني سيف الدولة صدقة ابن مزيد بلده الحلة بالجامعين ’’اه’’. وقال الشيخ رضي الدين علي أخو العلامة في كتاب العلل القوية: وقد كان وضع سور الحلة السفلية في 21 رمضان سنة 500 وسنة إحدى وخمسمائة نزل سيف الدولة صدقة بن منصور بن علي ابن دبيس الحلة وسنة 493 عمر أرض الحلة وهي آجام ووضع أساس الدار والأبواب سنة 495 وحفر الخندق حول الحلة سنة 498 ووضع الكشك ولده دبيس بعد وفاته وتولى بعده ولده علي وانقرض ملكهم على يد علي ولهذا يقولون إن أول ملوك بني دبيس علي وآخرهم علي.