الزواق عبد الواحد بن فتوح الزواق؛ وبعض الناس يقول فيه المنبز. وهو كتامي نشأ بتونس وبها تأدب.
قال ابن رشيق في الأنموذج: هو شاعر مفلق قوي أساس الشعر، كأنه أعرابي بدوي، يتكلف بعض التكلف، وفي قصائده طول. عريان الظاهر من حلية الأدب لغفلة في طبعه وثقل في سمعه، ضمني وإياه مجلس مذاكرة ومعه غلام من ولد عبد الله بن عنجة الكاتب وكان مفتونا به، فجفا علي بعض كلام الغلام ورابه ذلك مني، فقال الزواق بعد ذلك ما تراه يصنع، فقال له:
إن يكن خيرا فأنت له | أو يكن شرا فدعه لنا |
نتقي عنك السهام ولا | بد منها أن تلم بنا |
أيهذا المدعي لسنا | كف من غربي أنا وأنا |
أرأيت الضغن كيف بدا | ورأيت الشر كيف رنا |
بعتني وكسا بلا ثمن | كيف لو أعطيت بي ثمنا؟! |
لا ترد شتمي ومنقصتي | إنما المغبون من غبنا |
وهب للأطيار ذو خبرة | عنه بما يعرب عن خبرها |
فنص جيدا ورقا منبرا | دار الذي عود من خدرها |
واستفتح الصوت بتصفيقه | استفتاح ذات الطارفي شعرها |
فبلبل البلبل في غصنه | وأرق الورقاء في وكرها |
كأنما توج ياقوتة | فاتخذ الشنفين من شطرها |
كأنما يخطر في حلة | من عدني الوشي لم يشرها |
مخلولق الصهوة مثل المدوك | يعدو معديه بلا تحرك |
كأنه فوق مهاد متك | يضحك للعين ولما يضحك |
ذو مقلة في محلولك | كأنها فلذة قلب المشرك |
يجتاب أودية السحاب بخافق | كالبرق أومض في السحاب فأبرقا |
لو سابق الريح الجنوب لغاية | يوما لجاءك مثلها أو أسبقا |
يستقرب الأرض البسيطة مذهبا | والأفق ذا السقف الرفيعة مرتقى |
ويظل مسترق السماع مخافة | في الجو يحسبه الشهاب المحرقا |
قسه بأعتق كل حامل ريشة | مما يطير تجده منه أعتقا |
يبدو فيعجب من يراه لحسنه | وتكاد آية عتقه أن تنطقا |
مترقرقا من حيث درت كأنما | لبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا |
حر المروة والأبوة سيد | ينمى لأشرف سادة أخيار |
القاطعين نياط كل مبالغ | في المدح تحت دقائق الأفكار |
كانوا إذا بخل السحاب بمائه | وهبوا سحائب فضة ونضار |
يا صيرفي بني الزمان أما ترى | عز الفلوس وذلة الدينار |
قد كنت أحسب في عليين منزلتي | في ودكم وإذا بي أسفل الدرك |
يا حسن ودي لو أني نعمت به | فيكم وفزت بحظ غير مشترك |
يا روضة شانها في عين زائرها | وقد تنزه ما فيها من الحسك |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 19- ص: 0