أبو القاسم بن بابك عبد الصمد بن منصور بن بابك، أبو القاسم الشاعر المشهور، بغداذي محسن مجيد القول له ديوان كبير. طوف البلاد ومدح الكبار، وتوفي سنة عشر وأربع مائة، ومدح عضد الدولة والصاحب بن عباد وغيرهما، وملكت ديوانه وهو في مجلدة واحدة بخط ضياء الدين أبي الحسن علي بن خروف النحوي المغربي.
ومن شعره قوله:
أحببته أسرد العينين والشعره | في عينه عدة للوصل منتظره |
لدن المقلد مخطوف الحشا ثملا | رخص العظام أشم الأنف والقصره |
للظبي لفتته والغصن قتلته | والروض ما بثه والرمل ما ستره |
تكاد عيني إذا خاضت محاسنه | إليه تشربه من رقة البشره |
حتى إذا قلت قد أمللتها شرهت | شوقا إليه وفي عين المحب شره |
أدنى إلي فما أعطاه ريقته | طير يفيض على أعطافه جبره |
مزنر لم تنصره شمامسة | ولا ارجحنت إلى أنصابه الكفره |
فاءت علي غصون من ذؤابته | كما تفيء على غزلانها السمره |
نبهته وسنان الفجر معترض | والليل كالبحر يخفي لجه درزه |
فقام يكسر من أجفانه وسنا | ودمعة الدل من عينيه معتصره |
نشوان يسرق لين البان خطرته | مبلبل الخطو والأعطاف والبشره |
في كفه خمرة تترو فواقعها | كما تدوم فوق الجمرة الشرره |
ما زال يسحرني لحظا وأسحره | لفظا فيسبق سيلي في الهوى مطره |
وفي الصبابة لاح والسلو أخ | والشعر يلقف ما تأتي به السحره |
ثم اكتحلنا بأوشال الدموع كما | تقرطت برذاذ المزنة الشجره |
يجني ويغضب والإقرار من شيمي | وللمحب ذنوب غير مغتفره |
كذا الزمان ولكني أماثله | ذنبا بذنب ولي من دونه الخيره |
سحر العراق ونعرة الندمان | حبسا على خلع العذار عناني |
يا حبذا ضعف النسيم إذا ونى | وتحرش الأغصان بالأغصان |
أرج تخنث حين حمشه الندى | فاختال في عذب من الريحان |
أيام تذكرني القدود وفتلها | ري تردد في غصون البان |
في شاطئي واد تطرف رملة | خضراء يفحصها الرباب الداني |
فالريح تعثر في برود رياضها | والماء يمشي مشية السكران |
سيل يبرح بالشعاب أتيه | ويكب سدر القاع للأذقان |
واد ترفعه الجنوب إذا جرت | عنقا ويخضع للنسيم الواني |
هذا الصباح وكفي في يد الساقي | تجلى وقد قامت الدنيا على ساق |
فمن جني على زير يخاطبه | ومن رشوف لريق الناي ذواق |
ومن مكب كأن البدر في يده | يجلوه ما بين إرعاد وإبراق |
نملي عليه مزامير اللحون يد | تمشي أناملها في رق وراق |
كأنهم والصبا تستن فوقهم | حمائم السدر لم توسم بأطواق |
وراقصا ينثني تيها فتحسبه | غصنا من البان لم يستر بأوراق |
كأن أعضاءه والرقص يزعجها | تصفيق ريش جناح الطائر الراقي |
ومن ندامى إذا اشتدت مدامتهم | شجت بماء من النونين رقراق |
كأنما هامهم والسكر يسندها | إلى المناكب لم تدعم بأعناق |
لم يبق منهم زجاج الراح دائرة | إلا حشاشة أنفاس وأرماق |
ونعسة كلما زارت أخا شجن | جاءت بطيف من الحسناء طراق |
هذا مراحي وشيب الرأس مشتغل | والمستهام لسيغ ماله راق |
بدت بالجزع ذي الضاله | فغال القلب ما عاله |
وهز المشي منها با | نة خضراء مياله |
مشت فوشت بها ريح | على الأحباب دلاله |
كأن بجيبها قمرا | له من ثغرها هاله |
على غصن يجاذب رمـ | ـلة عرفاء منهاله |
وفي أمثال ذات الخا | ل يعصي الصب عذاله |
تراءت لي وقد قطعت | كثيب الرمل مختاله |
فلما عرجت هاجت | لضيف الشوق بلباله |
وكانت نبعة الرامي | وإن لم تك قتاله |
وأعرض دونها دمع | تخوض العين أوشاله |
أغيضه مسارقة | ويأبى الوجد إمهاله |
فتؤت بثقل ما وزرت | ونفس الصب حماله |
وقام بذنبها عذري | فنال الوصل من ناله |
تراح علي خرطوم | كعين الديك سلساله |
ونم الفجر بالصبح | فزم الليل أجماله |
زمر الغروب وأصوات النواعير | والشرب في ظل أكواخ المناظير |
أشهى إلي من البيداء أعسفها | ومن طلوع الثنايا الشهب والقور |
وصرعة بين إبريق وباطية | ونعرة بين مزمار وطنبور |
يا رب يوم على القاطول جاذبني | صبح الزجاجة فيه فضلة النور |
صدعت طرته والشمس قاصرة | في يلمق من ضباب الدجن مزرور |
كأن ما انحل من هداب مزنته | دمع تساقط من أجفان مهجور |
فمن رشاش على الريحان مقتحم | ومن رذاذ على المنشور منثور |
أجلت سحابته عن فتية درجوا | في ملعب من جناب العيش معمور |
ناموا فنبههم قول السقاة لهم | هبوا فقد صفرت فصح الزرازير |
فهب كل كسير الطرف منخزل | يطوي معاطفه طي الطوامير |
يسعى إليه بها هيف القنا هضم | عض المآزر من خور المقاصير |
مزنرات على لف معاقدها | تكاد تنبت من تحت الزنانير |
فمن قدود كأطراف القنا قصف | ومن خصور كأوساط الزنانير |
ففي المروط غصون في نقا دمث | وفي الجيوب وجوه كالدنانير |
تجميشنا مثل حسو الطير مختلـ | ـس خوفا وتقبيلنا نقر العصافير |
تحكي أباريقنا طيرا على خلج | عوجا حلا قيمها حمر المناقير |
فلو رأيت كؤوس الراح دائرة | في كف كل طليق البشر مسرور |
صهباء يرعشها طورا وترعشه | كأنها قبس في كف مقرور |
ولو تهزجت الأوتار باغمة | لقلت للأرض من طيب الغنا سيري |
شفق يحف به الظلام فشمسه | كالخد سال عليه خط عذار |
والليل في بدد الرذاذ كأنه | كحل يكاثر صوب دمع جار |
حتى تجاذبت الصبا هدابه | وذكا ذبال الكوكب الغرار |
وافتر عن فجر كأن نجومه | شرر يطيش على لسان النار |
وكأن حوذان الأنيعم سحرة | نشز أناف عليه سرب صوار |
وهات الكأس أرعشها مزاجا | إذا دارت وترعشني خمارا |
إذا انعطفت يد الساقي عليها | حسبت عليه من ورس صدارا |
إذا ابتسمت أرتك هلال فطر | تضاءل طوقه ثم استدارا |
له في حمرة الشفق التواء | كما ألقيت في النار السوارا |
كأن سقاتها أبناء وتر | أصابوا من عقول الشرب ثارا |
جماجم أعضاؤهم ألسن | لكنها معقولة بالخرس |
تجمعت تكتم أسرارها | ففرقتها مدية كالقبس |
فصلها القطع فمن حزه | كحاجب الشمس بعيد الغلس |
وحزة كالنون ممشوقة | كأنها موطئ نعل الفرس |
يجري لعاب النحل في نحرها | وظاهر الجلدة قاع يبس |
وأطلال خواشع شاخصات | كأن رسومهن نصول نقش |
وجاثمة من الأنصاب ورق | كأن ثلثهن حمام عش |
ونؤي كالقلادة أو كممشى | شجاع الرمل ساور ضب حرش |
على واد كأن رياح نجد | خلعن عليه أبدان الدروع |
إذا ريح اقشعر كما استطارت | لمس الخوف أحشاء المروع |
تنصب فيه أغصان الخزامى | كما انتصبت أنابيب الشموع |
إذا رق النسيم بشاطئيه | وأصغى العود إصغاء السميع |
تنفض لؤلؤ الأنداء فيه | كما لجت أساريع الدموع |
يدير النرجس المبهوت فيه | عيونا لم تذق طعم الهجوع |
يكفر للنسيم إذا ثناه | كما هم المصلي بالركوع |
وغدير ماء أفعمت أطرافه | كالدمع لما ضاق عنه مجال |
قمر الرياض إذا الغصون تعدلت | وإذا الغصون تهدلت فهلال |
وافى الشتاء فبز النور بهجته | فعل المشيب بشعر اللمة الرجل |
ورد تفتح ثم ارتد مجتمعا | كما تجمعت الأفواه للقبل |
سبقت إليك من الحديقة وردة | وأتتك قبل أوانها تطفيلا |
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعت | فمها إليك كطالب تقبيلا |
وتغير في جذب الزمام لقلبها | فمها إليك كطالب تقبيلا |
ولقد أتيت إليك تحمل بزتي | حرف يسكن طيشها الذألان |
ينفي الزفير خطامها فكأنه | غار يحاول نقبه ثعبان |
تجاذب منها في الصباح أعنة | كأن على الأعناق منها أفاعيا |
طعن تكلل بالضراب كأنه | زج الحواجب فوق نجل الأعين |
خرقنا بأطراف القنا في ظهورهم | عيونا لها وقع السيوف حواجب |
قواطع من ماء الحديد كأنها | بقايا سيول أسلمتها المقاصل |
تعطب في نضح الدماء شفارها | كما اعتنقت تحت الشقيق الجداول |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 18- ص: 0