التصنيفات

سيف الدولة صدقة بن مزيد صاحب الحلة

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 16- ص: 0

سيف الدولة صاحب الحلة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد، أبو الحسن الأسدي سيف الدولة بن أبي كامل بن نور الدولة أبي الأغر بن سند الدولة أبي الحسن؛ وكان أول من لقب بالإمرة منهم، وكان ملك العرب، ودار مملكته بالحلة على شاطئ الفرات، وكان يخطب له من الفرات إلى البحر، وكانت فيه أخلاق كريمة وشيم حسنة، منها صدق الحديث، فإنه إذا قال الشيء فهو كما قال، والوفاء بالعهد، فإنه عاهد زوجته مباركة بنت بدران بن دبيس بن علي - وكانت ابنة عمه - أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى، فلم يخس بعهده مع مقدرته، ولقد عرض عليه السلطان ملكشاه جارية أهداها له وهو بسمرقند، فامتنع من قبولها، وذكر عهد زوجته وأنه لا ينقضه؛ وكان سليم الصدر مستقيم السريرة باذلا جواره للناس كافة، من لجأ إليه فهو في حصن حصين ولو بقي إلى آخر الدهر، لا يوصل إليه حتى يوصل إلى نفسه، وكان عنده في متسع من المكان وإدرار من الإمكان؛ وكانت رعاياه في ظل عدله آمنين، لم يعرف عنه أنه صادر أحدا ولا تعقبه بإساءة، وكان أصحابه ومن يختص به يودعون أموالهم وذخائرهم في خزانته ويتباهون بكثرتها، ولم يقل عنه أحد إنه واخذ أحدا بقديم إساءة حقدا؛ وكان أصحابه يكثرون إدلالهم عليه أكثر من أولاده وأهله، وكان محببا إلى رعيته، فيحكى أن السلطان ملكشاه اجتاز مرة بقنطرة الهاسي حين قصد الكوفة، فلم يكلمه أحد من العامة، فقال لمن حوله: ما من بلد دخلته إلا ويتظلم إلي أهله من أميرهم إلا هؤلاء، ولا شك أنه أسكتهم عدله. وكان إذا جالس ندماءه لا يتميز عليهم، وكان عفيفا نزها صائنا عن الفواحش كلها، فيحكى أنه لحقه أسر البول فقال: اللهم إن كنت عصيتك بفرج فلا تعاقبني وإن كنت لم أعصك بفرج قط فعافني، فشفي. ويقال إنه ما فاه قط بكلمة تسقط المروءة في حال صحوه ولا في حال سكره، وكان كرمه فائضا وعطاؤه واسعا ولقاؤه جميلا وكلامه معسولا، وكان أديبا راوية للشعر حفظة للحكايات والنوادر، مليح النكت حاد الخاطر؛ يحكى أنه غنته بعض مطرباته يوما:

فقال لها: أنا عبد نغمتك - بالغين المعجمة -؛ ويقال إنه استقبلته مرة هرة وثبت إلى أعطافه وطاشت إلى وجهه وخدشت عرنينه، فأنشد:
ولما خرج سرخاب بن كيخسرو الديلمي من طاعة السلطان محمد بن ملكشاه وفارقه بساوة ولجأ إلى سيف الدولة صدقة، فأجاره، وكتب إلى السلطان عن لسان سرخاب يستعطفه بهذه الأبيات:
فلم يؤثر ذلك عند السلطان لكبير جرمه، وكاتب سيف الدولة بإرساله، وسيف الدولة يعتذر بذمامه؛ ولم يزل الأمر بينهما إلى أن أغلظ له السلطان وتوعده وهو مقيم على الوفاء بذمامه، فقصده السلطان في عساكره، وخرج سيف الدولة في خيله ورجله، وحامته وأهله، ولم يزل في الذب عن سرخاب إلى أن أتاه حينه وأزف بينه، وانكشفت الحرب عنه مقتولا، وانتهب حريمه، وكان ذلك يوم الجمعة تاسع عشر شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة بزرفيمياء على دجلة بعد صلاة الجمعة، ومدة إمارته اثنتان وعشرون سنة وثلاثة أشهر غير ثلاثة أيام، وحمل رأسه إلى بغداد وطيف به على رمح، ودفنت جثته؛ والحلة اختطها صدقة سنة خمس وتسعين وأربعمائة وسكنها الناس، وتفرق أولاده في البلاد. قال ولده بدران يرثيه:
ولما جدد سيف الدولة صدقة داره بالجامعين قال الأمير أبو الذواد المفرج ابن الأمير أبي الفتح حسن بن آبي حصينة الشاعر في ذلك:

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 16- ص: 0