علم الدين الدواداري سنجر الأمير الكبير العالم المحدث أبو موسى التركي البرلي الدواداري. ولد سنة نيف وعشرين وست مائة، وتوفي سنة تسع وتسعين وست مائة، وقدم من الترك في حدود الأربعين وست مائة، وكان مليح الشكل، مهيبا، كبير الوجه خفيف اللحية، صغير العين، ربعة من الرجال، حسن الخلق والخلق، فارسا، شجاعا، دينا، خيرا، عالما، فاضلا، مليح الخط، حافظا لكتاب الله. قرأ القرآن على الشيخ جبريل الدلاصي وغيره، وحفظ الإشارة في الفقه لسليم الرازي، وحصل له عناية بالحديث، وسماعه سنة بضع وخمسين، وسمع الكثير، وكتب بخطه، وحصل الأصول، وخرج له المزي جزءين عوالي، وخرج له البرزالي معجما في أربعة عشر جزءا، وخرج له ابن الظاهري قبل ذلك شيئا.
وحج ست مرات. وكان يعرف عند المكيين بالستوري لأنه أول من سار بكسوة البيت بعد أخذ بغداد من الديار المصرية، وقبل ذلك كانت تأتيها الأستار من الخليفة. وحج مرة هو واثنان من مصر على الهجن. وكان من الأمراء في أيام الظاهر، ثم أعطي أمرية بحلب، ثم قدم دمشق وولي الشد مدة، ثم كان من أصحاب سنقر الأشقر، ثم أمسك، ثم أعيد إلى رتبته وأكثر وأعطي خبزا وتقدمة على ألف، وتنقلت به الأحوال وعلت رتبته في دولة الملك المنصور حسام الدين لاجين، وقدمه على الجيش في غزوة سيس. وكان لطيفا مع أهل الصلاح والحديث يتواضع لهم ويحادثهم ويؤانسهم ويصلهم. وله معروف كبير وأوقات بالقدس ودمشق. وكان مجلسه عامرا بالعلماء والشعراء والأعيان، وسمع الكثير بمصر والشأم والحجاز، وروى عن الزكي عبد العظيم، والرشيد العطار، والكمال الضرير وابن عبد السلام، والشرف المرسي، وعبد الغني بن بنين، وإبراهيم بن بشارة، وأحمد بن حامد الأرتاحي، وإسماعيل بن عزون، وسعد الله بن أبي الفضل التنوخي، وعبد الله بن يوسف بن اللمط، وعبد الرحمن بن يوسف المنبجي، ولاحق الأرتاحي وأبي بكر بن مكارم، وفاطمة بنت الملثم بالقاهرة، وفاطمة بنت الحزام الحميرية بمكة، وابن عبد الدائم وطائفة بدمشق، وهبة الله بن زوين وأحمد بن النحاس بالإسكندرية، وعبد الله بن علي بن معزوز بمنية بني خصيب، وبأنطاكية وحلب وبعلبك والقدس وقوص والكرك وصفد وحماة وحمص وينبع وطيبة والفيوم وجدة، وقل من أنجب من الترك مثله. وسمع منه خلق بدمشق والقاهرة. وشهد الوقعة وهو ضعيف، ثم التجأ بأصحابه إلى حصن الأكراد، فتوفيذ به ليلة الجمعة ثالث شهر رجب سنة تأريخ تقدم -انتهى ما ترجم له به الشيخ شمس الدين. قلت: وكان الشيخ فتح الدين به خصيصا، ينام عنده ويسامره، فقال لي: كان الأمير علم الدين قد لبس بالفقيري وتجرد وجاور بمكة، وكتب الطباق بخطه، وكانت في وجهه أثار الضروب من الحروب، وكان إذا خرج إلى غزوة خرج طلبه وهو فيه، وإلى جانبه شخص يقرأ عليه جزءا فيه أحاديث الجهاد، وقال إن السلطان حسام الدين لاجين رتبه في شد عمارة جامع ابن طولون وفوض أمره إليه، فعمره وعمر وقوفه، وقرر فيه دروس الفقه والحديث والطب، وجعل من جملة ذلك وقفا يختص بالديكة التي تكون في سطح الجامع في مكان مخصوص بها، وزعم أن الديكة تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين في السحر، وضمن ذلك كتاب الوقف، فلما قرئ على السلطان أعجبه ما اعتمده في ذلك، فلما انتهى إلى ذكر الديكة أنكر ذلك وقال: أبطلوا هذا، لا يضحك الناس علينا! وكان سبب اختصاص فتح الدين به أنه سأل الشيخ شرف الدين الدمياطي عن وفاة البخاري، فما استحضر تأريخها، ثم إنه سأل فتح الدين عن ذلك فأجابه فحظي عنده وقربه، فقيل له: إن هذا تلميذ الشيخ شرف الدين، فقال: وليكن، وغالب رؤساء دمشق وكبارها وعلمائها نشؤه، وجمع الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني مدائحه في مجلدتين أو واحدة، وكتب ذلك بخطه، وكتب إليه علاء الدين الوداعي يعزيه بولد توفي اسمه عمر، ومن خطه نقلت:
قل للأمير وعزه في نجله | عمر الذي أجرى الدموع أجاجا |
حاشاك يظلم ربع صبرك بعد من | أمسى لسكان الجنان سراجا |
علم الدين لم يزل في طلاب الـ | ـعلم والزهد سائحا رحالا |
فترى الناس بين راو وراء | عنده الأربعين والأبدالا |
لدويرة الشيخ الشميشاطي من | دون البقاع فضيلة لا تجهل |
هي موطن للأولياء ونزهة | في الدين والدنيا لمن يتأمل |
كملت معاني فضلها مذ حلها الـ | ـعلم الفريد القانت المتبتل |
إني لأنشد كلما شاهدتها | ما مثل منزلة الدويرة منزل |
سلوا عن موقفي يوم الخميس | وعن كرات خيلي في الخميس |
شريت دم العدى فرويت منه | فشربي منه لا خمر الكؤوس |
وجاورت الحجاز وساكنيه | وكان البيت في ليلي أنيسي |
وأتقنت الحديث بكل قطر | سماعا عاليا ملء الطروس |
أباحث في الوسيط لكل حبر | وألقى القوم في حر الوطيس |
فكم لي من جلاد في الأعادي | وكم لي من جدال في الدروس |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 15- ص: 0
سنجر بن عبد الله بن البرلي التركي الصالحي النجمي الأمير الكبير علم الدين أبو موسى الدواداري من أمراء الألوف، دين فاضل عالم له مشاركة في الفقه والحديث، سمع الأثر، وحصل الأصول، وكتب الطباق بخط مليح، وكان أعيان الفضلاء يحضرون مجلسه ويذاكرهم ويكرمهم، وقف مدرسة ورباطا وغير ذلك، وقل من أنجب من الترك مثله، وقد حج ست حجج مر منها هو ورجلان على الهجن، وكان يعرف بمكة بالستوري، لأنه أول من كسى الكعبة، شرفها الله بعد الخلفاء، استعمل
كسوتها وسار بها من مصر.
وسمع الحديث بالحرمين، والقدس، ومصر، ودمشق، والكرك، وحمص، وحلب، وقوص، وخرج له معجم في أربعة عشر جزءا.
وانتقى له شيخنا ابن الظاهري.
سمع من الزكي المنذري، والرشيد العطار، وابن عبد السلام، إبراهيم بن نجيب، والشرف المرسي، وعبد الغني بن منين.
وقد جمعت مدائحه في مجلدين.
وقرأ القرآن على الشيخ جبريل الدلاصي وغيره.
توفي بحصن الأكراد، فإنه حضر وقعة وادي الخزندار عليلا ثم تحيز بطلبه إلى الحصن، ومات في ثالث رجب سنة تسع وتسعين وست مائة وهو في عشر الثمانين
أخبرنا أبو موسى سنجر بن عبد الله التركي، أنا أبو بكر بن علي، وعبد الله بن عبد الواحد، وإسماعيل بن عبد القوي، قالوا: أنا أبو القاسم البوصيري، أنا مرشد بن يحيى، أنا محمد بن الحسين الطفال، أنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري، نا أحمد بن شعيب الحافظ، سنة أربع وتسعين ومائتين، أنا قتيبة، نا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأ بهما.
مسلم، وأبو داود، والترمذي، عن قتيبة
مكتبة الصديق، الطائف - المملكة العربية السعودية-ط 1( 1988) , ج: 1- ص: 273