أبو الربيع العبدري سليمان بن أحمد بن علي بن غالب العبدري الكاتب أبو الربيع. من أهل دانية، سكن مراكش بعدما جال في الأندلس، وكان جده علي وأبوه أحمد وأخواه محمد ويحيى شعراء ولبيتهم نباهة. وولي أبو العباس منهم قضاء مالقة وامتحن في قصة علي الجزيري الثائر حين اشتد الطلب عليه. وقيل إنه أطلق أخاه من السجن بمالقة بألف دينار رشوة فأسلم إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فهلك قبل استيفائها وأمر به فصلب بإزاء جذع الجزيري، وذلك في سنة ست وثمانين وخمس مائة. فقال ابنه أبو الربيع هذا يرثيه:
يا من رأى بدر لتمامه | عبثت به أيدي الزمان تصرفا |
ولقد نظرت إليه يوم أقله | كالرمح عرض من سنان أرهفا |
جهد التراب به ليستر شخصه | فإذا به قد كان منه ألطفا |
وكأنه رام اللحاق بعالم الـ | ـعلو الذي هو منهم فاستوقفا |
وشجاه نوح الباكيات لفقده | فثوى هنالك رقة وتعطفا |
لو لم تعذر عليه ميتة سبقت | ورامها كل أهل الأرض ما قدرا |
فاضت جفونك أن قاموا فأعظمه | وقد تطاير عنها اللحم وانتثرا |
وأوثقوه إلى جذع بموثقة | ينكس الطرف عنها كل من نظرا |
ضاقت به الأرض مما كان حملها | من الأيادي فمجت شلوه ضجرا |
وعز إذ ذاك أن يحظى به كفن | فما تسربل إلا الشمس والقمرا |
لم تضح أعظمه يوما ولا ظمئت | قلبي لهن ودمعي مزنة وترى |
وليلة من حظيات الزمان مضت | حالفت فيها الأسى والدمع والسهرا |
غنى بها الكبل إذ غنى فأسمعني | في رجل أحمد يحكي حية ذكرا |
يا أحمد بن علي هب من وسن | فما عهدتك تكرى قبلها سحرا |
تاق الدجى والمصل تحت غيبته | إلى تلاوتك الآيات والسورا |
قد كنت فيه سراجا نستضيء به | حتى إذا ما خبت أنوارك اعتكرا |
خليلي لو ترى في حمص دفني | أبي لهجرت طعمك والمناما |
أواريه بستر من ضريح | كأني مغمد منه حساما |
كأن محاجري ورثت يديه | عشية قمت أدفنه غماما |
طوى القمرين الترب عن أعين الورى | بميت على ماتت على إثره العرس |
فأصبحت الغبراء خضراء منهما بآية | ما قد حلها البدر والشمس |
وللألباب من خدي سليمى | دواع للجنون وللفتون |
وما الخيلان أبصر من رآها | ألا رد الحديث إلى يقين |
ولكن فوق صفحتها صقال | تمثل فيه أحداق الجفون |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 15- ص: 0
أبو الرَّبيع العبدري
أبو الرَّبيع سليمان بن أحمد بن عليّ بن أبي غالب العبدري الكاتب، من أهل دانية وسكن مرّاكش بعد تجوله ببلاد الأندلس، وكان جدّه عليّ وأبوه أحمد وأخواه محمد ويحيى شعراء ولبيتهم نباهة. وولي أبو العباس منهم قضاء مالقة وامتحن في قصّة عليّ الجزيري الثائر حين اشتدّ الطلب عليه وقد خيب من كان يجلس إليه، وقيل إنَّه أطلق أخاه من السجن بمالقة بألف دينار رشوةً فأُسلم إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فهلك قبل استيفائها، وأُمر به فصُلب بإزاء جذع الجزيري، وذلك في سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، فقال ابنه أبو الرَّبيع هذا يرثيه:
يا من رأى بَدْرَ الدُّجى لِتمامهِ | عَبَثتْ بهِ أيْدي الزَّمان تصَرُّفا |
ولَقدْ نظرتُ إليهِ يومَ أقلَّهُ | كالرمْحِ عُرِّضَ من سنانٍ أُرْهَفا |
جَهِدَ الترابُ به ليستُرَ شخصَهُ | فإذا به قد كان منهُ ألْطَفا |
وكأنَّه رام اللِّحاق بعالم ال | عُلْوِ الَّذي هو منهمُ فاستوقِفا |
وشجاه نَوحُ الباكياتِ لِفَقْده | فثوى هنالك رقَّةً وتعطُّفا |
جهلاً لمثلك أن يبكي لما قدرا | أو أن يقول أسًى يا ليته قبرا |
لو لمْ تُقدَّرْ عليه ميتَةٌ سَبقتْ | ورامها كلُّ أهْلِ الأرضِ ما قدرا |
فاضَتْ جُفونُك أن قاموا بأعظُمهِ | وقد تطايرَ عنها اللَّحْمُ وانْتَثرا |
وأوْثَقوه إلى جِذْعٍ بِموثقَةٍ | يُنكِّسُ الطَّرْفَ عنها كلُّ من نظرا |
ضاقتْ به الأرضُ ممَّا كانَ حمَّلها | من الأيادي فمجَّتْ شِلْوَهُ ضَجرا |
وعَزَّ إذ ذاك أنْ يَحْظى بهِ كَفنٌ | فما تَسَرْبلَ إلاَّ الشَّمسَ والقمرا |
لم تَضْحَ أعْظُمهُ يوماً ولا ظَمِئتْ | قلبي لهُنَّ ودمْعي مُزْنَةٌ وثَرى |
وليلةٍ من خطيئاتِ الزَّمان مَضتْ | حالفْتُ فيها الأسى والدَّمعَ والسَّهَرا |
غنَّى بها الكَبْلُ إذ عنَّى فأسْمَعَني | في رِجْل أحمدَ يحكي حيَّةً ذَكرا |
يا أحمدَ بنَ عليٍّ هُبَّ من وَسنٍ | فما عَهِدْتُك تَكْرى قبْلها سَحرا |
تاقَ الدُّجى والمُصلَّى تحت غَيْهَبهِ | إلى تِلاوتك الآياتِ والسُّوَرا |
قدْ كنتَ فيه سِراجاً نستَضيءُ بهِ | حتَّى إذا ما خَبَتْ أنوارُك اعْتَكرا |
خليلي لو ترى في حمصَ دَفْني | أبي لَهَجرْتَ طُعْمَك والمناما |
أُواريه بسَتْرٍ من ضريحٍ | كأنِّي مُغمدٌ منهُ حُساما |
كأنَّ مَحاجري ودَقَتْ لديهِ | عشيّةَ قُمْتُ أدْفِنُه غَماما |
طوى القَمرينِ التُّربُ عن أعين الورى | بميْتِ عُلاً ماتت على إثْرِه العِرسُ |
فأصْبَحتِ الغَبْراءُ خضراءَ منهُما | بآيةِ ما قد حلَّها البدرُ والشَّمسُ |
ولِلألبابِ من خَدَّيْ سُليْمى | دواعٍ للجنونِ ولِلْفُتونِ |
وما الخيلانُ أبْصرَ من رآها | ألا رُدَّ الحديثَ إلى يقينِ |
ولكنْ فوق صفحتِها صقالٌ | تمثَّلُ فيه أحْداقُ الجُفونِ |
أخي عوفيتَ والبلوى ضروبٌ | تعمُّ وتارة تأتي اختصاصا |
تعالَ فخذْ بحظِّك من همومي | ودعْ أطلال هندٍ والعِراصا |
وباكِ أخاك دنيا قد تولَّتْ | ودهراً ينهكُ العمرَ انتقاصا |
وما أنهيتُ نفسي في المعالي | ولا أدركتُ في ثأرٍ قصاصا |
فليت العيشَ إذ لم يُقْضَ محضاً | رُزِقْتُ إذا انقضى منه الخلاصا |
ولقد نعمتُ بنارِ فحمٍ أصبحتْ | تختالُ بين معصفرٍ ومورّدِ |
إلاَّ بقايا كالدُّجى مسودةً | أو مثلِ أصداغ الجواري الخرَّدِ |
فكأنما يبدو لعيني منهما | حبرٌ أُريقَ على سبائكِ عسجدِ |
دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 186