التصنيفات

سكرة الطبيب سكرة الحلبي. قال ابن أبي أصيبعة: كان شيخا فاضلا قصد العامة من يهود حلب، له دربة بالعلاج وتصرف في المداواة. كان العادل نور الدين الشهيد بحلب وله بالقلعة حظية فمرضت مرضا صعبا وتوجه العادل إلى دمشق وقلبه عنده فتطاول مرضها وكان يعالجها جماعة من أفاضل الأطباء. فأحضر إليها سكرة فوجدها قليلة الأكل متغيرة المزاج لم تزل جنبها على الأرض فتردد إليها فأذنت له وحده، فقال: يا ست أنا أعالجك بعلاج تبرئين به في أسرع وقت! فقالت: افعل! فقال: مهما سألتك عنه أخبريني به ولا تخفيني شيئا! قالت: نعم! فأخذ منها أمانا فقال: عرفيني ما جنسك؟ فقالت: علانية، فقال: عرفيني أيش كان أكلك؟ قالت: لحم البقر! فقال: ما كنت تشربين؟ قالت: الخمر، فقال: أبشري بالعافية! ومضى فاشترى عجلا وطبخ منه وجاء بزبدية منه فيها قطه لحم مسلوقة وقد جعلها في لبن وثوم وفوقها خبز، فأحضره بين يديها وقال: يا ست كلي! فصارت تجعل اللحم في اللبن والثوم وتأكل حتى شبعت ثم إنه أخرج من بعد ذلك من كمه برنية صغيرة وقال: يا ست هذا شراب ينفعك! فتناولته وطلبت النوم وغطيت فعرقت عرقا كثيرا وأصبحت في عافية، وصار يأتيها بذلك الغذاء وذلك الشراب يومين آخرين فتكاملت عافيتها فأعطته صينية مملوءة حليا، فقال: أريد أن تكتبي إلى السلطان بما قد جرى، فكتبت تقول: إني كنت من الهالكين لولا فلان، فاستقدمه وقال له: تمن! فقال: يا مولانا تطلق لي عشرة أفدنة؛ خمسة في قرية صمع وخمسة في قرية عندان؛ فقال: نطلقها لك بيعا وشراء حتى تبقى مؤبدة لك بيدك! فكتب له بذلك وعاد إلى حلب ولم يزل بها في نعمة طائلة وأولاده بعده.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 15- ص: 0