التصنيفات

أبو حيان الفيلسوف أبو حيان التوحيدي الأخباري الفيلسوف، اسمه علي بن محمد بن العباس، يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف العين في مكانه.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 13- ص: 0

أبو حيان التوحيدي الشافعي علي بن محمد بن العباس، أبو حيان التوحيدي. شيرازي، وقيل نيسابوري، وقيل واسطي. صوفي السمت والهيئة. قال ياقوت: كان يتأله، والناس على ثقة من دينه. وقال محب الدين بن النجار: كان صحيح العقيدة. وكذا قال غيره، والمتأخرون حكموا بزندقته. قال الشيخ شمس الدين: كان سيئ الاعتقاد، نفاه الوزير المهلبي. قال ابن فارس في كتاب الخريدة والفريدة: كان كذابا قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل. ووقف الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يخفيه من ذلك، فطلبه لقتله، فهرب والتجأ إلى أعدائه، ونفق عليهم بزخرفة كذبه. ثم عثروا منه على ذلك، فطلبه الوزير المهلبي، فهرب منه، ومات في الاستتار.
وقال ابن الجوزي في تاريخه: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء المعري، وأشرهم على الإسلام أبو حيان، لأنهما صرحا، وهو جمجم. وهو من تلامذة الرماني.
قال الشيخ محيي الدين النووي في تهذيب الأسماء: أبو حيان التوحيدي من أصحابنا المصنفين. من غرائبه أنه قال في بعض رسائله: لا رباء في الزعفران. ووافقه عليه القاضي أبو حامد المروزي. والصحيح تحريم الربا فيه.
قال ياقوت: وصحب ابن عباد وابن العميد، فلم يحمدهما، وصنف في مثالبهما كتابا. وكان متفننا في جميع العلوم، من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام على رأي المعتزلة. وكان جاحظيا يسلك في تصانيفه مسلكه، ويشتهي أن ينتظم في سلكه، فهو شيخ الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء، وعمدة لبني ساسان، سخيف اللسان، قليل الرضا عند الإساءة إليه والإحسان، الذم شأنه، والثلب دكانه، وهو مع ذلك فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة ومكنة. كثير التحصيل للعلوم في كل فن، حفظة واسع الدراية والرواية. وكان مع ذلك محدودا محارفا، يتشكى صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه. انتهى.
ومن تصانيفه:: كتاب الصديق والصداقة، كتاب الرد على ابن جني في شعر المتنبي، كتاب الإمتاع والمؤانسة مجلدان، كتاب الإشارات الإلهية جزءان، كتاب الزلفة، كتاب المقابسة، كتاب رياض العارفين، كتاب تقريظ الجاحظ، كتاب ثلب الوزيرين، كتاب الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي، كتاب الرسالة في صلات الفقهاء في المناظرة، كتاب الرسالة البغداذية، كتاب الرسالة في أخبار الصوفية، كتاب الرسالة الصوفية أيضا، كتاب الرسالة في الحنين إلى الأوطان، كتاب البصائر والذخائر في عشر مجلدات وله فاتحة وخاتمة، كتاب المحاضرات والمناظرات.
وتوفي في حدود الثمانين والثلاث مائة، أو ما بعد الثمانين، والله أعلم. وقد طول ياقوت ترجمته، زائدا إلى الغاية. ومن شعره:

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 22- ص: 0

علي بن محمد بن العباس أبو حيان التوحيدي

شيرازي الأصل، وقيل نيسابوري، ووجدت بعض الفضلاء يقول له الواسطي، صوفي السمت والهيئة وكان يتأله والناس يقولون في دينه، قدم بغداد فأقام بها مدة، ومضى إلى الري وصحب الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد وقبله أبا الفضل ابن العميد فلم يحمدهما، وعمل في مثالبهما كتابا، وكان متفننا في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام على رأي المعتزلة، وكان جاحظيا يسلك في تصانيفه مسلكه ويشتهي أن ينتظم في سلكه، فهو شيخ في الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء، وعمدة لبني ساسان، سخيف اللسان، قليل الرضى عند الإساءة إليه والإحسان، الذم شانه والثلب دكانه، وهو مع ذلك فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة ومكنة، كثير التحصيل للعلوم في كل فن حفظه، واسع الدراية والرواية، وكان مع ذلك محدودا محارفا يتشكى صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه. ولم أر أحدا من أهل العلم ذكره في كتاب ولا دمجه في ضمن خطاب، وهذا من العجب العجاب، غير أن أبا حيان ذكر نفسه في «كتاب الصديق والصداقة» وهو كتاب حسن نفيس بما قال فيه: كان سبب إنشاء هذا الكتاب «الرسالة في الصديق والصداقة» أني ذكرت منها شيئا لزيد بن رفاعة أبي الخير، فنماه إلى ابن سعدان أبي عبد الله سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة قبل تحمله عبء الدولة وتدبيره أمر الوزارة، فقال لي ابن سعدان: قال لي عنك زيد كذا وكذا، قلت: قد كان ذاك، فقال لي: دون هذا الكلام وصله بصلاته مما يصح عندك لمن تقدم، فإن حديث الصديق حلو، ووصف الصاحب المساعد مطرب. فجمعت ما في هذه الرسالة وشغل عن رد القول فيها وبطؤت أنا عن تحريرها إلى أن كان من أمره ما كان، فلما كان هذا الوقت وهو رجب سنة أربعمائة عثرت على المسودة وبيضتها (وهذا دليل على بقائه إلى بعد الأربعمائة) .

وفي «كتاب الهفوات» لابن الصابئ: وحكى أبو حيان قال: حضرت مائدة الصاحب ابن عباد فقدمت مضيرة فأمعنت فيها، فقال لي: يا أبا حيان إنها تضر بالمشايخ، فقلت: إن رأى الصاحب أن يدع التطبب على طعامه فعل، فكأني ألقمته حجرا وخجل واستحيا ولم ينطق إلى أن فرغنا.

ولأبي حيان تصانيف كثيرة منها: كتاب رسالة الصديق والصداقة. كتاب الرد على ابن جني في شعر المتنبي. كتاب الامتاع والمؤانسة جزءان. كتاب الاشارات الآلهية جزءان. كتاب الزلفة جزء. كتاب المقابسة. كتاب رياض العارفين. كتاب تقريظ الجاحظ. كتاب ذم الوزيرين. كتاب الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي. كتاب الرسالة في صلات الفقهاء في المناظرة. كتاب الرسالة البغدادية.

كتاب الرسالة في أخبار الصوفية. كتاب الرسالة الصوفية أيضا. كتاب الرسالة في الحنين إلى الأوطان. كتاب البصائر وهو عشر مجلدات كل مجلد له فاتحة وخاتمة.

كتاب المحاضرات والمناظرات .

قال أبو حيان في «كتاب المحاضرات»: كنت بحضرة أبي سعيد السيرافي فوجدت بخطه على ظهر «كتاب اللمع في شواذ التفسير» وكان بين يديه فأخذته ونظرت قال: ذم أعرابي رجلا فقال: ليس له أول يحمل عليه ولا آخر يرجع إليه ولا عقل يزكو به عاقل لديه، وأنشد:

فقال لي: يا أبا حيان ما الذي كنت تكتب؟ قلت: الحكاية التي على ظهر هذا الكتاب، فأخذها وتأملها وقال: تأبى إلا الاشتغال بالقدح والذم وثلب الناس، فقلت: أدام الله الامتاع به شغل كل إنسان بما هو مبتلى به مدفوع إليه.

قال أبو حيان: وقصدت مع أبي زيد المروزي دار أبي الفتح ذي الكفايتين فمنعنا من الدخول عليه أشد منع، وذكر حاجبه أنه يأكل الخبز، فرجعنا بعد أن قال أبو زيد للحاجب: أجلسنا في الدهليز إلى أن يفرغ من الأكل، فلم يفعل، فلما انصرفنا خزايا أنشأ يقول متمثلا:

قال أبو حيان وأنشدنا أبو بكر القومسي الفيلسوف، وكان بحرا عجاجا وسراجا وهاجا، وكان من الضر والفاقة ومقاساة الشدة والاضاقة بمنزلة عظيمة، عظيم القدر عند ذوي الأخطار منحوس الحظ منهم، متهما في دينه عند العوام مقصودا من جهتهم، فقال لي يوما: ما ظننت أن الدنيا ونكدها تبلغ من إنسان ما بلغ مني، إن قصدت دجلة لأغتسل منها نضب ماؤها، وإن خرجت إلى القفار لأتيمم بالصعيد عاد صلدا أملس، وكأن العطوي ما أراد بقصيدته غيري وما عني بها سواي. ثم أنشدنا للعطوي:

وقلت له يوما: لو قصدت ابن العميد وابن عباد عسى تكون من جملة من ينفق عليهما ويحظى لديهما، فأجابني بكلام منه: معاناة الضر والبؤس أولى من مقاساة الجهال والتيوس، والصبر على الوخم الوبيل أولى من النظر إلى محيا كل ثقيل، ثم أنشأ يقول:

وقلت له: هل تعرف في معنى قصيدة العطوي أخرى؟ قال: نعم قصيدة الحراني صاحب المأمون، فقلت: لو تفضلت بانشادها، فقال: خذ في حديث من أقبلت عليه دنياه وتمكن فيها من مناه، ودع حديث الحرف والعسر والشؤم والخسر تطيرا إن لم ترفضه تأدبا، فقلت له: ما أعرف لك شريكا فيما أنت عليه وتتقلب فيه وتقاسيه سواي، ولقد استولى علي الحرف وتمكن مني نكد الزمان إلى الحد الذي لا أسترزق مع صحة نقلي وتقييد خطي وتزويق نسخي وسلامته من التصحيف والتحريف بمثل ما يسترزق البليد الذي يمسخ النسخ ويفسخ الأصل والفرع. وقصدت ابن عباد بأمل فسيح وصدر رحيب، فقدم إلي رسائله في ثلاثين مجلدة على أن أنسخها له، فقلت: نسخ مثله يأتي على العمر والبصر، والوراقة كانت موجودة ببغداد، فأخذ في نفسه علي من ذلك، وما فزت بطائل من جهته. فقال: بلغني ذلك، فقلت له: ولو كان شيئا يرتفع من اليد بمدة قريبة لكنت لا أتعطل وأتوفر عليه، ولو قرر معي أجرة مثله لكنت أصبر عليه، فليس لمن وقع في شر الشباك وعين الهلاك إلا الصبر.

قال أبو حيان: ودخلت على الدلجي بشيراز وكنت قد تأخرت عنه أياما، وهذا الكتاب يعني «كتاب المحاضرات» جمعته له بعد ذلك ولأجله أتعبت نفسي، فقال لي: يا أبا حيان من أين؟ فقلت:

وهذا لملال ظهر لي منه وقليل إعراض، أعرض عني في يوم، فقال لي: ما هذا البيت إلا بيت جيد يعرفه الخاص والعام، وهو موافق لما يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: زر غبا تزدد حبا، فلو كان لهذا البيت أخوات كان أحسن من أن يكون فردا، قلت: فله أخوات، قال: فأنشدني، قلت: لا أحفظها، قال: فأخرجها، قلت: لا أهتدي إليها، قال: فمن أين عرفتها؟ قلت: مرت بي في جملة تعليقات، قال: فاطلبها لأقدم رسمك، قلت: فقدمه الآن على شريطة أنه إذا جاء الوقت المعتاد إطلاقه فيه كل سنة أطلقته أيضا، قال: أفعل، قلت: فخدها الآن: سمعت العروضي أبا محمد يقول: دخل بعض الشعراء على عيسى بن موسى الرافقي وبين يديه جارية يقال لها خلوب، فقال لها: اقترحي عليه، فقالت:

أجزه بأبيات تليق به فأنشد:

فأنجز لي ما وعد، ووفى بما شرط، وكان ينفق عليه سوق العلم، مع جنون كان يعتريه ويتخبط في أكثر أوقاته فيه، وليت مع هذه الحالة خلف لنفسه شكلا أو نرى له في وقتنا هذا مثلا، بارت البضائع وثارت البدائع، وكسد سوق العلم، وخمد ذكر الكرم، وصار الناس عبيد الدرهم بعد الدرهم.

وكان أبو حيان قد أحرق كتبه في آخر عمره لقلة جدواها وضنا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته، فكتب إليه القاضي أبو سهل على بن محمد يعذله على صنيعه، ويعرفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه، فكتب إليه أبو حيان يعتذر من ذلك:

«حرسك الله أيها الشيخ من سوء ظني بمودتك وطول جفائك، وأعاذني من مكافأتك على ذلك، وأجارنا جميعا مما يسود وجه عهد إن رعيناه كنا مستأنسين به، وإن أهملناه كنا مستوحشين من أجله، فأدام الله نعمته عندك وجعلني على الحالات كلها فداك. وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقع، على ظماء برح مني إليه، وشكرت الله تعالى على النعمة به علي، وسألته المزيد من أمثاله الذي وصفت فيه بعد ذكر الشوق إلي والصبابة نحوي وما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الذي نمي إليك فيما كان مني من إحراق كتبي النفيسة بالنار وغسلها بالماء، فعجبت من انزواء وجه العذر عنك في ذلك، كأنك لم تسمع قارئا يقرأ قوله جل وعز: {كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} وكأنك لم تأبه لقوله تعالى: {كل من عليها فان} وكأنك لم تعلم أنه لا ثبات لشيء من الدنيا وإن كان شريف الجوهر كريم العنصر ما دام مقلبا بيد الليل والنهار، معروضا على أحداث الدهر وتعاور الأيام، ثم إني أقول: إن كان- أيدك الله- قد نقب خفك ما سمعت فقد أدمى أظلي ما فعلت، فليهن عليك ذلك فما انبريت له ولا اجترأت عليه حتى استخرت الله عز وجل فيه أياما وليالي، وحتى أوحى إلي في المنام بما بعث راقد العزم، وأجد فاتر النية، وأحيا ميت الرأي، وحث على تنفيذ ما وقع في الروع وتريع في الخاطر، وأنا أجود عليك الآن بالحجة في ذلك إن طالبت، أو بالعذر إن استوضحت، لتثق بي فيما كان مني، وتعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي» .

«إن العلم حاطك الله يراد للعمل، كما أن العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلا على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلا وأورث ذلا وصار في رقبة صاحبه غلا، وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار. ثم اعلم- علمك الله الخير- أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته، فأما ما كان سرا فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغبا، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا، على أني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله، ولا شك في حسن ما اختاره الله لي وناطه بناصيتي وربطه بأمري، وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة علي لا لي. ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه أني فقدت ولدا نجيبا، وصديقا حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا مثيبا، فشق علي أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها، فإن قلت: ولم تسمهم بسوء الظن وتقرع جماعتهم بهذا العيب؟

فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة هو الذي يحقق ظني بهم بعد الممات، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم وداد ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضراوات في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالنفاق والسمعة، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم، وأحوال الزمان بادية لعينك، بارزة بين مسائك وصباحك، وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك وشدة تتبعك وتفرغك. وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلته وأتيته، بما قدمته ووصفته وبما أمسكت عنه وطويته، إما هربا من التطويل وإما خوفا من القال والقيل. وبعد فقد أصبحت هامة اليوم أو غد، فإني في عشر التسعين، وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة أو رجاء لحال جديدة، ألست من زمرة من قال القائل فيهم:

وكما قال الآخر:

وهذا البيت للورد الجعدي، وتمامه يضيق عنه هذا المكان» .

«والله يا سيدي لو لم أتعظ إلا بمن فقدته من الاخوان والأخدان، في هذا الصقع، من الغرباء والأدباء والأحباء لكفى، فكيف بمن كانت العين تقربهم والنفس تستنير بقربهم، فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والري وما والى هذه المواضع، وتواتر إلي نعيهم واشتدت الواعية بهم، فهل أنا إلا من عنصرهم؟ وهل لي محيد عن مصيرهم؟ أسأل الله تعالى رب الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما أقترفه، إنه قريب مجيب» .

«وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر. وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدا وفقها وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول وبلاء وخمول. وهذا يوسف بن أسباط، حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسد بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلنا العلم في الأول ثم كاد يضلنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل من أردناه. وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك. وهذا سفيان الثوري مزق ألف جزء وطيرها في الريح وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا. وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار» .

«وماذا أقول بعد هذا، وبماذا تقابلني بعد ذلك، سوى أني أقول وسامعي يصدق: إن زمانا أحوج مثلي إلى ما بلغك لزمان تدمع له العين حزنا وأسى، ويتقطع عليه القلب غيظا وجوى وضنى وشجى، وما نصنع بما كان وحدث وبان، إن احتجت إلى العلم في خاصة نفسي فالقليل والله تعالى شاف كاف، وإن احتجت إليه للناس ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس إلى أن تفنى الأنفاس بعد الأنفاس، وذلك من فضل الله تعالى {علي ولكن أكثر الناس لا يعلمون} فلم تعنى عيني- أيدك الله- بعد هذا بالحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة والتصحيح، وبالسواد والبياض؟ وهل أدرك السلف الصالح في الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح والاخلاص المعتقد والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا وخدع بالزبرج وهوى بصاحبه إلى الهبوط؟ وهل وصل الحكماء القدماء إلى السعادة العظمى إلا بالاقتصاد في السعي وإلا بالرضى بالميسور وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ فأين يذهب بنا وعلي أي باب نحط رحالنا؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرهما؟ هيهات!! الرحيل والله قريب والثواء قليل، والمضجع مقض والمقام ممض، والطريق مخوف والمعين ضعيف، والاغترار غالب، والله من وراء هذا كله طالب، نسأل الله تعالى رحمة يظلنا جناحها، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها، فالويل كل الويل لمن بعد عن رحمته بعد أن حصل تحت قدره، فهذا هذا» .

«ثم إني- أيدك الله- ما أردت أن أجيبك عن كتابك لطول جفائك وشدة التوائك عمن لم يزل على رأيك، مجتهدا في محبتك على قربك ونأيك، مع ما أجده من انكسار النشاط، وانطواء الانبساط، لتعاور العلل علي، وتخاذل الأعضاء مني، فقد كل البصر وانعقد اللسان، وجمد الخاطر وذهب البيان، وملك الوسواس، وغلب اليأس من جميع الناس، ولكني حرست منك ما أضعته مني، ووفيت لك بما لم تف به لي، ويعز علي أن يكون لي الفضل عليك أو أحرز المزية دونك، وما حداني على مكاتبتك إلا ما أتمثله من تشوقك إلي وتحرقك علي، وأن الحديث الذي بلغك قد بدد فكرك، وأعظم تعجبك، وحشد عليك جزعك، والأول يقول:

على أنك لو علمت في أي حال غلب علي ما فعلته، وعند أي مرض، وعلى أية عسرة وفاقة، لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته، واحتججت لي بأكثر ما نشرته وطويته. وإذا أنعمت النظر تيقنت أن لله جل وعز في خلقه أحكاما لا يعاز عليها، ولا يغالب فيها، لأنه لا يبلغ كنهها، ولا ينال غيبها، ولا يعرف قابها ولا يقرع بابها، وهو تعالى أملك لنواصينا، وأطلع على أدانينا واقاصينا، له الخلق والأمر، وبيده الكسر والجبر، وعلينا الصمت والصبر، إلى أن يوارينا اللحد والقبر، والسلام» .

«إن سرك- جعلني الله فداك- أن تواصلني بخبرك، وتعرفني مقر خطابي هذا من نفسك فافعل، فإني لا أدع جوابك إلى أن يقضي الله تعالى تلاقيا يسر النفس، ويذكر حديثنا بالأمس، أو بفراق نصير به إلى الرمس، ونفقد معه رؤية هذه الشمس، والسلام عليك خاصا بحق الصفاء الذي بيني وبينك، وعلى جميع إخوانك عاما بحق الوفاء الذي يجب علي وعليك والسلام» .

وكتب هذا الكتاب في شهر رمضان سنة أربعمائة.

قال أبو حيان في «كتاب أخلاق الوزيرين» من تصنيفه: طلع ابن عباد علي يوما في داره وأنا قاعد في كسر إيوان أكتب شيئا قد كان كأدني به، فلما أبصرته قمت قائما، فصاح بحلق مشقوق، اقعد فالوراقون أخس من أن يقوموا لنا، فهممت بكلام، فقال لي الزعفراني الشاعر: اسكت فالرجل رقيع، فغلب علي الضحك واستحال الغيظ تعجبا من خفته وسخفه، لأنه كان قد قال هذا وقد لوى شدقه وشنج أنفه وأمال عنقه، واعترض في انتصابه، وانتصب في اعتراضه، وخرج في تفكك مجنون قد أفلت من دير حنون، والوصف لا يأتى على كنه هذه الحال لأن حقائقها لا تدرك إلا باللحظ ولا يؤتى عليها باللفظ، فهذا كله من شمائل الرؤساء وكلام الكبراء، وسيرة أهل العقل والرزانة؟!، لا والله وتربا لمن يقول غير هذا.

وحدث أبو حيان قال قال الصاحب يوما: فعل وأفعال قليل، وزعم النحويون أنه ما جاء إلا زند وأزناد، وفرخ وأفراخ، وفرد وأفراد، فقلت له: أنا أحفظ ثلاثين حرفا كلها فعل وأفعال، فقال: هات يا مدعي، فسردت الحروف ودللت على مواضعها من الكتب ثم قلت: ليس للنحوي أن يلزم مثل هذا الحكم إلا بعد التبحر والسماع الواسع، وليس للتقليد وجه إذا كانت الرواية شائعة والقياس مطردا، وهذا كقولهم فعيل على عشرة أوجه، وقد وجدته أنا يزيد على أكثر من عشرين وجها وما انتهيت في التتبع إلى أقصاه، فقال: خروجك من دعواك في فعل يدلنا على قيامك في فعيل، ولكن لا نأذن لك في اقتصاصك، ولا نهب آذاننا لكلامك، ولم يف ما أتيت به بجرأتك في مجلسنا وتبسطك في حضرتنا، فهذا كما ترى.

قال أبو حيان: وأما حديثي معه- يعني مع ابن عباد- فإنني حين وصلت اليه قال لي: أبو من؟ قلت: أبو حيان، فقال: بلغني أنك تتأدب، فقلت: تأدب أهل الزمان، فقال: أبو حيان ينصرف أو لا ينصرف؟ قلت: إن قبله مولانا لا ينصرف، فلما سمع هذا تنمر وكأنه لم يعجبه، وأقبل على واحد الى جانبه وقال له بالفارسية سفها على ما قيل لي، ثم قال: الزم دارنا وانسخ هذا الكتاب، فقلت: أنا سامع مطيع. ثم إني قلت لبعض الناس في الدار مسترسلا: إنما توجهت من العراق إلى هذا الباب، وزاحمت منتجعي هذا الربع لأتخلص من حرفة الشؤم، فان الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة، فمني اليه هذا أو بعضه أو على غير وجهه فزاده تنكرا.

قال أبو حيان: وقال لي ابن عباد يوما يا أبا حيان من كناك بأبي حيان؟ قلت: أجل الناس في زمانه وأكرمهم في وقته، قال: ومن هو ويلك؟ قلت: أنت، قال: ومتى كان ذلك؟ قلت: حين قلت يا أبا حيان من كناك أبا حيان، فاضرب عن هذا الحديث وأخذ في غيره على كراهة ظهرت عليه.

قال وقال لي يوما آخر، وهو قائم في صحن داره والجماعة قيام منهم الزعفراني، وكان شيخا كثير الفضل جيد الشعر ممتع الحديث، والتميمي المعروف بسطل وكان من مصر، والأقطع وصالح الوراق وابن ثابت وغيرهم من الكتاب والندماء: يا أبا حيان هل تعرف فيمن تقدم من يكنى بهذه الكنية؟ قلت: نعم من أقرب ذلك أبو حيان الدارمي، حدثنا أبو بكر محمد بن محمد القاضي الدقاق، قال حدثنا ابن الأنباري، قال حدثنا أبي، قال حدثنا ابن ناصح قال: دخل أبو الهذيل العلاف على الواثق فقال له الواثق: لمن تعرف هذا الشعر؟

فقال أبو الهذيل: يا أمير المؤمنين هذا لرجل من أهل البصرة يعرف بأبي حيان الدارمي وكان يقول بإمامة المفضول، وله من كلمة يقول فيها:

وجماعة من أصحابنا قالوا: أنشد أبو قلابة عبد الله بن محمد الرقاشي لأبي حيان البصري:

فلما وفيت الشعر ورويت الاسناد وريقي بليل، ولساني طلق، ووجهي متهلل، وقد تكلفت هذا وأنا في بقية من غرب الشباب وبعض ريعانه، وملأت الدار صياحا بالرواية والقافية، فحين انتهيت أنكرت طرفه وعلمت سوء موقع ما رويت عنده قال: ومن تعرف أيضا؟ قلت: ابن الجعابي الحافظ يكنى بأبي حيان، رجل صدق وهو يروي عن التابعين. قال: ومن تعرف أيضا؟ قلت: روى الصولي فيما حدثنا عنه المرزباني أن معاوية لما احتضر أنشد يزيد عند رأسه متمثلا:

قال الصولي: وهذا كان من المعمرين المعقلين، وانتهى الحديث من غير هشاشة ولا هزة ولا أريحية، بل على اكفهرار وجه ونبو طرف وقلة تقبل، وجرت أشياء أخر كان عقباها أني فارقت بابه سنة سبعين وثلاثمائة راجعا الى مدينة السلام بغير زاد ولا راحلة، ولم يعطني في مدة ثلاث سنين درهما واحدا ولا ما قيمته درهم واحد، احمل هذا على ما أردت. ولما نال مني هذا الحرمان الذي قصدني به، وأحفظني عليه، وجعلني من جميع غاشيته فردا أخذت أتلافى ذلك بصدق القول عنه وسوء الثناء عليه، والبادئ أظلم، وللأمور أسباب، وللأسباب أسرار، والغيب لا مطلع عليه ولا قارع لبابه.

قال أبو حيان قال لي الصاحب يوما وهو يحدث عن رجل أعطاه شيئا فتلكأ في قبوله: ولا بد من شيء يعين على الدهر

ثم قال: سألت جماعة عن صدر هذا البيت فما كان عندهم ذلك، فقلت: أنا أحفظ ذاك، فنظر بغضب، فقال: ما هو؟ قلت: نسيت، فقال: ما أسرع ذكرك من نسيانك، قلت: ذكرته والحال سليمة فلما استحالت عن السلامة نسيت، قال: وما حيلولتها؟ قلت: نظر الصاحب بغضب، فوجب في حسن الأدب ألا يقال ما يثير الغضب، قال: ومن تكون حتى نغضب عليك؟ دع هذا وهات، قلت قول الشاعر:

فسكت.

قال أبو حيان عند قربه من فراغ كتابه في ثلب الوزيرين، وقد حكى عن ابن عباد حكايات وأسندها إلى من أخبره بها عنه، ثم قال: فما ذنبي أكرمك الله إذا سألت عنه مشايخ الوقت وأعلام العصر فوصفوه بما جمعت لك في هذا المكان؟ على أني قد سترت شيئا كثيرا من مخازيه إما هربا من الاطالة، أو صيانة للقلم عن رسم الفواحش وبث الفضائح وذكر ما يسمج مسموعه ويكره التحدث به، هذا سوى ما فاتني من حديثه فإني فارقته سنة سبعين وثلاثمائة. وما ذنبي إن ذكرت عنه ما جرعنيه من مرارة الخيبة بعد الأمل، وحملني عليه من الاخفاق بعد الطمع، مع الخدمة الطويلة، والوعد المتصل، والظن الحسن، حتى كأني خصصت بخساسته وحدي أو وجب أن أعامل به دون غيري. قدم إلي نجاح الخادم، وكان ينظر في خزانة كتبه، ثلاثين مجلدة من رسائله وقال: يقول لك مولانا: انسخ هذا فإنه قد طلب منه بخراسان، فقلت بعد ارتياع: هذا طويل، ولكن لو أذن لي لخرجت منه فقرا كالغرر، وشذورا كالدرر، تدور في المجالس كالشمامات والدستنبويات، لو رقي بها مجنون لأفاق أو نفث على ذي عاهة لبرأ، لا تمل ولا تستغث ولا تعاب ولا تسترك، فرفع ذلك إليه وأنا لا أعلم فقال: طعن في رسائلي وعابها، ورغب عن نسخها وأزرى بها؟! والله لينكرن مني ما عرف، وليعرفن حظه إذا انصرف، حتى كأني طعنت في القرآن، أو رميت الكعبة بخرق الحيض، أو عقرت ناقة صالح، أو سلحت في بئر زمزم، أو قلت كان النظام مأبونا، أو مات أبو هاشم في بيت خمار، أو كان عباد معلم صبيان. وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلدة من هذا الذي يستحسن هذا التكليف حتى أعذره في لومي على الامتناع؟ أينسخ إنسان هذا القدر وهو يرجو بعدها أن يمتعه الله ببصره أو ينفعه ببدنه؟ ثم ما ذنبي إذا قال لي: من أين لك هذا الكلام المفوف المشوف الذي تكتب به إلي في الوقت بعد الوقت، فقلت: وكيف لا يكون كما وصف وأنا أقطف ثمار رسائله، وأستقي من قليب علمه، وأشيم بارقة أدبه، وأرد ساحل بحره، وأستوكف قطر مزنه، فيقول: كذبت وفجرت لا أم لك، ومن أين في كلامي الكدية والشحذ والتضرع والاسترحام؟! كلامي في السماء وكلامك في السماد. هذا أيدك الله وإن كان دليلا على سوء جدي فإنه دليل أيضا على انخلاعه وخرقه وتسرعه ولؤمه، وانظر كيف يستحيل معي عن مذهبه الذي كان هو عرقه النابض وسوسه الثابت وديدنه المألوف. وهلا أجراني مجرى التاجر المصري والشاذباشي وفلان وفلان؟ بل ما ذنبي إذا قال لي: هل وصلت إلى ابن العميد أبي الفتح؟ فأقول: نعم رأيته وحضرت مجلسه وشاهدت ما جرى له، وكان من حديثه فيما مدح به كذا وكذا، وفيما تقدم منه كذا وكذا، وفيما تكلفه من تقديم أهل العلم واختصاص أرباب الأدب كذا وكذا، ووصل أبا سعيد السيرافي بكذا وكذا، ووهب لأبي سليمان المنطقي كذا وكذا، فيزوي وجهه وينكر حديثه وينجذب إلى شيء آخر ليس مما شرع فيه ولا مما شرع فيه ولا مما حرك له، ثم يقول: أعلم أنك إنما انتجعته من العراق، فاقرأ علي رسالتك التي توسلت إليه بها وأسهبت مقرظا له فيها فأتمانع، فيأمر ويشدد، فأقرأها فيتغير ويذهل، وأنا أكتبها لك ليكون زيادة في الفائدة:

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم هيء لي من أمري رشدا، ووفقني لمرضاتك أبدا، ولا تجعل الحرمان علي رصدا، أقول وخير القول ما انعقد بالصواب، وخير الصواب ما تضمن الصدق، وخير الصدق ما جلب النفع، وخير النفع ما تعلق بالمزيد، وخير المزيد ما بدأ عن الشكر، وخير الشكر ما بدأ عن إخلاص، وخير الإخلاص ما نشأ عن إيقان، وخير الايقان ما صدر عن توفيق: لما رأيت شبابي هرما بالفقر، وفقري غنى بالقناعة، وقناعتي عجزا عند أهل التحصيل، عدلت إلى الزمان أطلب إليه مكاني فيه وموضعي منه، فرأيت طرفه عني نابيا، وعنانه عن رضاي منثنيا، وجانبه في مرادي خشنا، وارتفاقي في أسبابه نائيا، والشامت بي على الحدثان متماديا، طمعت في السكوت تجلدا، وانتحلت القناعة رياضة، وتألفت شارد حرصي متوقفا، وطويت منشور أملي متنزها، وجمعت شتيت رجائي ساليا، وادرعت الصبر مستمرا، ولبست العفاف محمودا، واتخذت الانقباض صناعة، وقمت بالعلاء مجتهدا، هذا بعد أن تصفحت الناس فوجدتهم أحد رجلين: رجلا إن نطق نطق عن غيظ ودمنة، وإن سكت سكت عن ضغن وإحنة، ورجلا إن بذل كدر بامتنانه بذله، وإن منع حسن باحتياله بخله، فلم يطل دهري في اثنائه متبرما بطول الغربة، وشظف العيش، وكلب الزمان، وعجف المال، وجفاء الأهل، وسوء الحال، وعادية العدو، وكسوف البال، منحرفا من الحنق على لئيم لا أجد مصرفا عنه، منقطعا من الشوق إلى كريم لا أجد سبيلا إليه، حتى لاحت لي غرة الأستاذ فقلت: حل بي الويل، وسال بي السيل، أين أنا عن ملك الدنيا، والفلك الدائر بالنعمى، أين أنا من مشرق الخير ومغرب الجميل؟ أين أنا عن بدر البدور وسعد السعود؟ أين أنا عمن يرى البخل كفرا صريحا والافضال دينا صحيحا؟ أين أنا عن سماء لا تفتر عن الهطلان، وعن بحر لا يقذف إلا باللؤلؤ والمرجان؟ أين أنا عن فضاء لا يشق غباره، وعن حرم لا يضام جاره؟ أين أنا عن منهل لا صدر لفراطه ولا منع لوراده؟ أين أنا عن ذوب لا شوب فيه، وعن صدد لا حدد دونه؟ بل أين أنا عمن أتى بنبوة الكرم، وإمامة الافضال، وشريعة الجود، وخلافة البذل، وسياسة المجد بشيمة مشيمة البوارق، ونفس نفيسة الخلائق؟ أين أنا عن الباع الطويل، والأنف الأشم، والمشرب العذب، والطريق الأمم؟ لم لا أقصد بلاده؟ لم لا أقتدح زناده؟ لم لا أنتجع جنابه وأرعى مراده؟ لم لا أسكن ربعه؟ لم لا أستدعي نفعه؟ لم لا أخطب جوده وأعتصر عنقوده ؟ لم لا أستمطر سحابه؟ لم لا أستسقي ربابه؟ لم لا أستميح نيله وأستسحب ذيله؟ ولا أحج كعبته وأستلم ركنه؟ لم لا أصلي إلى مقامه مؤتما بامامه؟ لم لا أسبح بثنائه متقدسا، لم لا أحكم في حال:

لم لا أقصد:

لم لا أمتري معروف:

لم لا أمدح:

نعم، لم لا أنتهي في تقريظ فتى لو كان من الملائكة لكان من المقربين، ولو كان من الأنبياء لكان من المرسلين، ولو كان من الخلفاء لكان نعته: اللائذ بالله أو المنصف في الله أو المقتصد بالله أو المنتصب لله أو الغاضب لله أو الغالب بالله أو المرضي لله أو الكافي بالله أو الطالب بحق الله أو المحيي لدين الله. أيها المنتجع قرن كلأه، المختبط ورق نعمته، ارع عريض البطان متفيئا بظله، ناعم البال متعوذا بعزه، وعش رخي البال معتصما بحبله، ولذ بذراه آمن السرب، وامحض وده بآنية القلب، وق نفسك من سطوته بحسن الحفاظ، وتخير له ألطف المدح تفز منه بأيمن قدح، ولا تحرم نفسك بقولك إني غريب المثوى نازح الدار بعيد النسب منسي المكان، فإنك قريب الدار بالأمل، داني النجح بالقصد، رحيب الساحة بالمنى، ملحوظ الحال بالحسد، مشهور الحديث بالدرك. واعلم علما يلتحم باليقين ويدرأ من الشك أنه معروف الفخر بالمفاخر، مأثور الأثر بالمآثر، قد أصبح واحد الأنام، تاريخ الأيام، أسد الغياض يوم الوغى، نور الرياض يوم الرضى، ان حرك عند مكرمة حرك غصنا تحت بارح، وان دعي إلى اللقاء دعي ليثا فوق سابح، وقل إذا أتيته بلسان التحكم: أصلح أديمي فقد حلم، وجدد شبابى فقد هرم، وأنطق لساني بمدحك فقد حصر، وافتح بصري بنعمتك فقد سدر، واتل سورة الاخلاص في اصطناعي فقد سردت صحائف النجح عند انتجاعي، ورش عظمي فقد براه الزمان، واكس جلدي فقد عراه الحدثان، وإياك أن تقول يا ملك الدنيا جد لي ببعض الدنيا فإنه يحرمك، ولكن قل يا ملك الدنيا هب لي الدنيا. اللهم فأحي به بلادك، وانعش برحمته عبادك، وبلغه مرضاتك، وأسكنه فردوسك، وأدم له العز النامي، والكعب العالي، والمجد التليد، والجد السعيد، والحق الموروث، والخير المبثوث، والولي المنصور، والشانئ المبتور، والدعوة الشاملة، والسجية الفاضلة، والسرب المحروس، والربع المأنوس، والجناب الخصيب، والعدو الحريب، والمنهل القريب، واجعل أولياءه باذلين لطاعته، ناصرين لأعزته، ذابين عن حرمه. أيها الشمس المضيئة بالكرم والقمر المنير بالجمال، والنجم الثاقب بالعلم، والكوكب الوقاد بالجود، والبحر الفياض بالمواهب، سقط العشاء بعبدك على سرحك، فاقره من نعمتك بما يضاهي قدرك وقدرتك، وزوج هيئته تربها من الغنى فطالما خطب كفأها من المنى.

ثم يقال لي من بعد: جنيت على نفسك حين ذكرت عدوه عنده بخير، وبينت عنه، وجعلته سيد الناس، فأقول: كرهت أن يراني متدرئا على عرض رجل عظيم الخطر غير مكترث بالوقيعة فيه والانحاء عليه، وقد كان يجوز أن أشعث من ذلك شيئا، وأبري من أثلته جانبا، وأطير إلى جنبه شرارة، فيقال أيضا: جنيت على نفسك، وتركت الاحتياط في أمرك، فإنه مقتك وعافك، ورأى أنك في قولك عدوت طورك، وجهلت قدرك، ونسيت وزرك وليس مثلك من هجم على ثلب من بلغ رتبة ذلك الرجل، وأنك متى جسرت على هذا دربت به وجعلت غيره في قرنه، فإذا كانت هذه الحالات ملتبسة، وهذه العواقب مجهولة، فهل يدور العمل بعدها إلا على الاحسان الذي هو علة المحبة، والمحبة التي هي علة الحمد، والاساءة التي هي علة البغض، والبغض الذي هو علة الذم، فهذا هذا.

قال: وكان ابن عباد شديد الحسد لمن أحسن القول وأجاد اللفظ، وكان الصواب غالبا عليه، وله رفق في سرد حديث ونيقة في رواية، وله شمائل مخلوطة بالدماثة بين الاشارة والعبارة، وهذا شيء عام في البغداديين وكالخاص في غيرهم.

حدثت ليلة بحديث فلم يملك نفسه حتى ضحك واستعاده، ثم قيل لي بعده إنه كان يقول: قاتل الله أبا حيان فانه نكد وإنه وإنه وإنه، وأكره أن أروي ذمي بقلمي، وكان ذلك كله حسدا محضا وغيظا بحتا، وأنا أروي لك الحديث فانه في نهاية الطيب، وفيه فكاهة ظاهرة وعي عجيب في معرض بلاغة ظريفة في ملبس فهاهة. حدثني القاضي أبو الحسن الجراحي قال: لحقتني مرة علة صعبة، فمن ظريف ما مر على رأسي أنه دخل في جملة من عادني شيخ الشونيزية ودوارة الحمار والتوثة وفقيهها أبو الجعد الأنباري، وكان من كبار أصحاب البربهاري، فقال أول ما قعد: يقع لي فيما لا يقع إلا لغيري أو لمثلي فيمن كان كأنه مني أو كأنه كان على سني أو كان معروفا بما لا يعرف به إلاي أني أرى أنك لا تحتمي إلا حمية فوق ما يجب ودون ما لا يجب.

وبين فوق ما لا يجب، وبين دون ما لا يجب فرق، الله يعلم أنه لا يعلم أحد ممن يعلم أو لا يعلم الطب كله أن تحتمي حمية بين حميتين، حمية كلا حمية ولا حمية كحمية، وهذا هو الاعتدال والتعديل والتعادل والمعادلة، قال الله تعالى: {وكان بين ذلك قواما} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: خير الأمور أوسطها وشرها أطرافها.

والعلة في الجملة والتفصيل إذا أدبرت لم تقبل، وإذا أقبلت لم تدبر، وأنت من إقبالها في خوف من إدبارها في التعجب، وما يصنع هذا كله؟ لا تنظر إلى اضطراب الحمية عليك، ولكن انظر إلى جهل هؤلاء الأطباء الألباء الذين يشقون الشعر شقا، ويدقون البعر دقا، ويقولون ما يدرون وما لا يدرون زرقا وحمقا، وإلى قلة نصحهم مع جهلهم، ولو لم يجهلوا إذا لم ينصحوا كان أحسن عند الله والملائكة، ولو نصحوا إذا جهلوا كان أولى عند الناس وأشباه الناس، والله المستعان، وأنت في عافية، ولكن عدوك ينظر إليك بعين الاست فيقول: وجهه وجه من قد رجع من القبر بعد غد، وعلى كل حال فالرجوع من القبر خير من الرجوع إلى القبر، لعن الله القبر: لا خباز ولا بزاز ولا رزاز ولا كواز، إنا لله وإنا إليه راجعون عن قريب إن شاء الله {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} {ومن الجبال جدد بيض وحمر} تأمر بشيء؟ السنة في العيادة- خاصة عيادة الكبار والسادة- التخفيف والتطفيف، وأنا إن شاء الله عندك بالعشي. والحق والحق أقوام مما يجب على مثلك لمثلي، كأن ليس لك مثل ولا مثلي أيضا مثل، هكذا إلى باب الشام وإلى قنطرة الشوك وإلى المندفة، أقول لك المستوي لا أنا ولا أنت اليوم، كمثل كمثراتين إذا عتقتا على رأس شجرة، وكدلوين إذا خلقا على رأس بئر، ودع ذا القارورة، اليوم لا إله إلا الله، وأمس كان سبحان الله، وغدا يكون شيئا آخر، وبعد غد ترى من ربك العجب، والموت والحياة بعون الله، ليس هذا مما يباع في السوق أو يوجد مطروحا في الطريق، وذاك أن الانسان- ولا قوة إلا بالله- طريف أعمى كأنه ما صح له منام قط، ولا خرج من السمارية إلى الشط، وكأنه ما رأى قدرة الله في البط، إذا لفظ كيف يقول قط قط، والكلام في الانسان وعمى قلبه وسخنة عينه كثير؛ قل غفر له ولا يسلم في هذه الدار إلا من عصر نفسه عصرة ينشق منها فيموت كأنه شهيد، وهذا صعب لا يكون إلا بتوفيق الله وبعض خذلانه الغريب، على الله توكلنا وإليه التفتنا ورضينا، به استجرنا إن شاء أخذ لنا وإن شاء أطعمنا. قال القاضي: فكدت أموت من الضحك على ضعفي، وما زال كلامه بهذا إلى أن خرجت على الناس وكان مع هذا لا يعيا ولا يكل ولا يقف، وكان من عجائب الزمان. وختم أبو حيان كتابه «في أخلاق الوزيرين» بعد أن اعتذر عن فعله ثم قال: اني لأحسد الذي يقول:

لأني كنت أتمنى أن أكونه، ولكن العجز غالب لأنه مبذور في الطينة، ولقد أحسن الآخر حين قال:

وأدعو هاهنا بما دعا به بعض النساك: اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالاقتار، فنسترزق أهل رزقك، ونسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من دونهم ولي الاعطاء، وبيدك خزائن الأرض والسماء، يا ذا الجلال والاكرام .

ومن «كتاب المحاضرات» لأبي حيان قال: قصدت أنا والنصيبي رجلا من أبناء النعم والموصوفين بالكرم، لا يرد سائليه ولا يخيب آمليه، والألسن متفقة على جوده وتطوله، والعيون شاخصة إلى عطاياه وفضله، له في السنة مبار كثيرة على أهل العلم وأهل البيوتات ومن قعد به الزمان وجفاه الاخوان، فلم نصادفه في منزله، وقصدناه ثانيا فمنعنا من الدخول إليه، وقصدناه ثالثا فذكر أنه ركب، وقصدناه رابعا فقيل هو في الحمام، وقصدناه خامسا فقيل هو نائم، وقصدناه سادسا فقيل عنده صاحب البريد وهو مشغول معه بمهم، وقصدناه سابعا فذكر أنه رسم أن لا يؤذن لأحد، وقصدناه ثامنا فذكر أنه يأكل ولا يجوز الدخول إليه بوجه ولا سبب، وقصدناه تاسعا فذكر أن أحد أولاده سقط من الدرجة وهو مشغول به عند رأسه ما يفارقه، وقصدناه العاشر فذكر أنه مستعد لشرب الدواء، وقصدناه الحادي عشر فذكر أنه تناول الدواء من يومين وما عمل عملا وقد قواه اليوم بما يحرك الطبيعة، وقصدناه الثاني عشر فقيل إلى الآن كان جالسا ونهض في هذه الساعة ودخل إلى الحجرة، وقصدناه الثالث عشر فقيل دعي إلى الدار لمهم، وقصدناه الرابع عشر فألفيناه في الطريق يمضي إلى دار الامارة، وقصدناه الخامس عشر فسهل لنا الاذن ودخلنا في غمار الناس، وإذا الناس على طبقاتهم جلوس، وجماعة قيام يرتبون الناس ويخدمونهم، وقد اتفق له عزاء وشغل بغيرنا، وبقينا في صورة من احتقان البول والجوع والعطش، وما أقمنا في جملة من يقام، فقال لي النصيبي: هذا اليوم الذي قد ظفرنا به وتمكنا من دخول داره صار عظيم المصيبة علينا ليس لنا إلا مهاجرة بابه والاعراض عنه وقمع النفس الدنية بالطمع في غيره، فقلت له: قد تعبنا وتبذلنا على بابه، والأسباب التي اتفقت فمنعت من رؤيته كان عذرا واضحا، ويتفق مثل هذا، فإذا انقضت أيام التعزية قصدناه، وربما نلنا من جهته ما نأمله، فقصدناه بعد ذلك أكثر من عشرين مرة وقلما اتفق فيها رؤيته وخطابه، حتى مل النصيبي فقال: لو علمت أن داره الفردوس، والحصول عنده الخلود فيها، وكلامه رضى الله تعالى وفوز الأبد، لما قصدته بعد ذلك، وأنشأ يقول:

فأجبته أنا وعيناي بالدموع تترقرق، لما بان لي من حرفتي ونبو الدهر بي وضياع سعيي وخيبة أملي في كل من أرتجيه لملم أو مهم أو حادثة أو نائبة:

قال أبو حيان في «كتاب الوزيرين»: جرى بيني وبين أبي علي مسكويه شيء، قال لي مرة: أما ترى إلى خطأ صاحبنا- وهو يعني ابن العميد- في إعطائه فلانا ألف دينار ضربة واحدة؟ لقد أضاع هذا المال الخطير في من لا يستحق. فقلت بعد ما أطال الحديث وتقطع بالأسف: أيها الشيخ أسألك عن شيء واحد فاصدق فإنه لا مدب للكذب بيني وبينك لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء وبأضعافه وأضعاف أضعافه أكنت تتخيله في نفسك مخطئا ومبذرا ومفسدا أو جاهلا بحق المال؟ أو كنت تقول ما أحسن ما فعل وليته أربى عليه؟ فإن كان الذي تسمع على حقيقته فاعلم أن الذي يرد بالك ويرد مقالك إنما هو الحسد أو شيء آخر من جنسه، وأنت تدعي الحكمة وتتكلف في الأخلاق وتزيف الزائف وتختار منها المختار، فافطن لأمرك، واطلع على سرك وشرك

  • دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 5- ص: 1923

أبو حيان التوحيدي الضال الموحد، أبو حيان، علي بن محمد بن العباس، البغدادي الصوفي، صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية، ويقال: كان من أعيان الشافعية.
قال ابن بابي في كتاب ’’الخريدة والفريدة’’: كان أبو حيان هذا كذابا، قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة، والقول بالتعطيل، ولقد وقف سيدنا الوزير الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يدغله ويخفيه من سوء الاعتقاد، فطلبه ليقتله، فهرب، والتجأ إلى أعدائه، ونفق عليهم تزخرفه وإفكه، ثم عثروا منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته، وما يبطنه من الإلحاد، ويرومه في الإسلام من الفساد، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح، ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح، فطلبه الوزير المهلبي، فاستتر منه، ومات في الاستتار، وأراح الله، ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية.
وقال أبو الفرج بن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وأشدهم على الإسلام أبو حيان، لأنهما صرحا، وهو مجمج ولم يصرح.
قلت: وكان من تلامذة علي بن عيسى الرماني، ورأيته يبالغ في تعظيم الرماني في كتابه الذي ألفه في تقريظ الجاحظ، فانظر إلى المادح والممدوح! وأجود الثلاثة الرماني مع اعتزاله وتشيعه.
وأبو حيان له مصنف كبير في تصوف الحكماء، وزهاد الفلاسفة، وكتاب سماه ’’البصائر والذخائر’’، وكتاب ’’الصديق والصداقة’’ مجلد، وكتاب ’’المقابسات’’، وكتاب ’’مثالب الوزيرين’’ يعني ابن العميد وابن عباد، وغير ذلك.
وهو الذي نسب نفسه إلى التوحيد، كما سمى ابن تومرت أتباعه بالموحدين، وكما يسمي صوفية الفلاسفة نفوسهم بأهل الوحدة وبالاتحادية.
أنباني أحمد بن أبي الخير، عن محمد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: سمعت أبا الفتح عبد الوهاب الشيرازي بالري يقول: سمعت أبا حيان التوحيدي يقول: أناس مضوا تحت التوهم، وظنوا أن الحق معهم، وكان الحق وراءهم.
قلت: أنت حامل لوائهم.
قال الشيخ محيي الدين في ’’تهذيب الأسماء’’: أبو حيان من أصحابنا المصنفين، فمن غرائبه أنه قال في بعض رسائله: لا ربا في الزعفران. ووافقه عليه أبو حامد المروذي.
وقال ابن النجار: له المصنفات الحسنة كـ’’البصائر’’ وغيرها. قال: وكان فقيرا صابرا متدينا، صحيح العقيدة. سمع جعفرا الخلدي، وأبا بكر الشافعي، وأبا سعيد السيرافي، والقاضي أحمد بن بشر العامري. روى عنه: علي بن يوسف الفامي، ومحمد بن منصور بن جيكان، وعبد الكريم بن محمد الداوودي، ونصر بن عبد العزيز الفارسي، ومحمد بن إبراهيم بن فارس الشيرازيون، وقد لقي الصاحب بن عباد وأمثاله.
قلت: قد سمع منه أبو سعد عبد الرحمن بن ممجة الأصبهاني، وذلك في سنة أربع مائة، وهو آخر العهد به.
وقال السلفي: كان نصر بن عبد العزيز ينفرد عن أبي حيان بنكت عجيبة.
وقال أبو نصر السجزي الحافظ فيما يأثروه عنه جعفر الحكاك: سمعت أبا سعد الماليني يقول: قرأت الرسالة -يعني: المنسوبة إلى أبي بكر وعمر مع أبي عبيدة إلى علي رضي الله عنهم- على أبي حيان، فقال: هذه الرسالة عملتها ردا على الرافضة، وسببه أنهم كانوا يحضرون مجلس بعض الوزراء، وكانوا يغلون في حال علي، فعملت هذه الرسالة.
قلت: قد باء بالاختلاف على علي الصفوة، وقد رأيتها وسائرها كذب بين.

  • دار الحديث- القاهرة-ط 0( 2006) , ج: 12- ص: 547

علي بن محمد بن العباس أبو حيان التوحيدي المتكلم الصوفي صاحب المصنفات شيرازي الأصل وقيل نيسابوري وقيل واسطي
كان إماما في النحو واللغة والتصوف فقيها مؤرخا صنف البصائر والإشارات وغيرهما
وتفقه على القاضي أبي حامد المروروذي
وسمع الحديث من أبي بكر الشافعي وأبي سعيد السيرافي وجعفر الخلدي
ولعله أخذ عنه التصوف وغيرهم
روى عنه علي بن يوسف الفامي ومحمد بن منصور بن جيكان وعبد الكريم بن محمد الداودي ونصر بن عبد العزيز المصري الفارسي ومحمد ابن إبراهيم ابن فارس الشيرازيون
وسمع منه أبو سعد عبد الرحمن بن ممجة الأصبهاني بشيراز في سنة أربعمائة
قال ابن النجار له المصنفات الحسنة كالبصائر وغيرها قال وكان فقيرا صابرا متدينا قال وكان صحيح العقيدة
وقال شيخنا الذهبي بل كان عدو الله خبيثا
وقال الذهبي أيضا كان سيء الاعتقاد ثم نقل قول ابن فارس في كتاب الفريدة والخريدة كان أبو حيان كذابا قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل ولقد وقف سيدنا الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يدغله ويخفيه من سوء الاعتقاد فطلبه ليقتله فهرب والتجأ إلى أعدائه ونفق عليهم بزخرفه وإفكه ثم عثروا منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته وما يبطنه من الإلحاد ويرومه في الإسلام من الفساد وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح فطلبه الوزير المهلبي فاستتر منه ومات في الاستتار وأراح الله منه ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية
وقال أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه زنادقة الإسلام ثلاثة ابن الراوندي وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء
قال وأشدهم على الإسلام أبو حيان لأنه مجمج ولم يصرح
قلت الحامل للذهبي على الوقيعة في التوحيدي مع ما يبطنه من بغض الصوفية هذان الكلامان ولم يثبت عندي إلى الآن من حال أبي حيان ما يوجب الوقيعة فيه ووقفت على كثير من كلامه فلم أجد فيه إلا ما يدل على أنه كان قوي النفس مزدريا بأهل عصره لا يوجب هذا القدر أن ينال منه هذا النيل
وسئل الشيخ الإمام الوالد رحمه الله عنه فأجاب بقريب مما أقول
ومن غرائب الفوائد عن أبي حيان
قال في كتابه الإمتاع والمؤانسة إن الداء الذي يعتري كثيرا من الكلاب ويقال له الكلب يعرض للجمال أيضا
قال فإذا كلب الجمل نحر ولم يؤكل لحمه
انتهى
وأبو حيان قد نقل عنه الرافعي في مسألة الربا في الزعفران وهو عنده فوائد ومسائل كثيرة عن القاضي أبي حامد المروروذي ومنها مسألة الزعفران ولكني
لا أعرف له من قبل نفسه كلاما في الفقه وما ذكره من عدم الأكل ظاهر إن قالت الأطباء إنه مؤذ وأما النحر لغير مأكله ففيه وقفة والذي ينبغي عموم القتل كقتل سائر المضرات لا خصوص النحر

  • دار هجر - القاهرة-ط 2( 1992) , ج: 5- ص: 286

أبو حيان التوحيدي. علي بن محمد بن العباس، نزيل نواحى فارس، صاحب زندقة وانحلال.
بقى إلى سنة أربعمائة.
قال جعفر بن يحيى الكحال: قال لي أبو نصر الشجرى: إنه سمع المالينى يقول: قرأت الرسالة - يعنى المنسوبة إلى أبي بكر وعمر مع أبي عبيدة إلى علي رضي الله عنه على أبي حيان، وقال: هذه الرسالة عملتها ردا على الرافضة.
وسببه أنهم كانوا يحضرون مجلس بعض الوزراء وكانوا يغلون في حال على، فعملت هذه الرسالة.
قلت: فقد اعترف بوضعها، وقد نفاه الوزير المهلبى عن بغداد لسوء عقيدته.
وكان يتفلسف.
قال ابن الرماني في كتاب الفريدة: كان أبو حيان كذابا، قليل الدين والورع، مجاهرا بالبهت، تعرض لامور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل.
وقال الجوزي: كان زنديقا.
قلت: بقى إلى حدود الأربعمائة ببلاد فارس

  • دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان-ط 1( 1963) , ج: 4- ص: 518

من غرائبه قوله في بعض رسائله: لا ربا في الزعفران. ووافقه القاضي أبو حامد، والصحيح جريان الربا فيه.

  • دار البشائر الإسلامية - بيروت-ط 1( 1992) , ج: 2- ص: 687

علي بن محمد بن العباس، أبو حيان التوحيدي
كان إماما في اللغة والنحو، صحب السيرافي والصاحب ابن عباد وله
حط عليه كثير، وكلام على أبي علي. ومصنفاته مشهورة
مات سنة أربع عشرة وأربعمائة بشيراز وقبره قرب أبي عبد الله بن خفيف.

  • جمعية إحياء التراث الإسلامي - الكويت-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 39

  • دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع-ط 1( 2000) , ج: 1- ص: 199

علي بن محمد بن أحمد بن العباس الصيرفي، أبو حيان التوحيدي
إمام اللغة والنحو، له مصنفات مفيدة، كالبصائر، والإمتاع والمؤانسة، صحب السيرافي، وكان شديد التعصب له، وصحب ابن عباد، وله خط على ابن عباد زائد، وكلام على أبي علي وكان متخوفا متصوفا شديد الديانة.
توفي بعد الأربعمائة

  • جمعية إحياء التراث الإسلامي - الكويت-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 46

  • دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع-ط 1( 2000) , ج: 1- ص: 213

أبو حيَّان التوحيدي علي بن محمد بن العباس الشيرازي.
وقيل النيسابوري، وقيل الواسطي شيخ الصوفية ذو المصنفات الكثيرة منها ’’البصائر’’ وغيره، أخذ عن القاضي أبي حامد المروزي، وسمع من أبي بكر الشافعي وغيره، وقدم بغداد ومضى إلى الرى وصحب ابن عباد وغيره، وكان مفرط الذكاء متقناً للعلوم، أظنه توفي بعد الأربعمائة، وكان موجوداً في الأربعمائة كما ذكره في تصنيف له كما حكاه ابن خلكان قال: لا يحرم الربا في الزعفران. قال النووى في الطبقات: ووافقه عليه القاضي أبو حامد. قلت: الرافعي حكى عنه أنه حكى عن القاضي أبي حامد ذلك ونقل في كتاب ’’البصائر’’ عن أبي حامد: أن السكران إذا حدَّ تباعد في حال سكره لا خلاف أنه يعاد عليه. والمسئلة ذات وجهين حكاهما القاضي حسين.

  • دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1997) , ج: 1- ص: 1