الشريف شهاب الدين الحسين بن محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن محمد بن زيد بن الحسين بن مظفر بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله العوكلاني بن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، القاضي السيد الإمام الفاضل الكاتب شهاب الدين أبو عبد الله الحسيني المعروف بابن قاضي العسكر. باشر كتابة الإنشاء بباب السلطان الملك الناصر وله عشرون حولا. وخطب بالسلطان في جامع القلعة خطبة واحدة، وحج إلى بيت الله الحرام، وتوجه مع بشتاك إلى قطيا صحبة العسكر لما خرج للقبض على الأمير سيف الدين تنكز. وعاد إلى القاهرة، وتوجه صحبة القاضي علاء الدين بن فضل الله إلى الكرك لما توجه صحبة الملك الناصر أحمد، وأقام بها إلى أن عاد الجماعة. ثم رسم له بالتوقيع في الدست وقدام النائب. ثم رسم له بالتوقيع قدام السلطان الملك الكامل شعبان بن الناصر في سنة ست وأربعين وسبع مائة عند خروج القاضي تاج الدين محمد بن الزين خضر إلى كتابة سر الشام. اجتمعت به غير مرة، وكاتبته وكاتبني، وأنشدني كثيرا من نظمه ونثره. ورأيته يكتب وينشئ وينشد، وهذا غريب. وسألته عن مولده فقال: سنة ثمان وتسعين وست مائة بالقاهرة، في دار جده شمس الدين قاضي العسكر في سويقة الصاحب. قال: وتوجهت إلى مكة صحبة والدي سنة إحدى وسبع مائة، واستجاز لي من جماعة، وأجاز لي الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد جميع ما يجوز له روايته، وأجاز لي الشيخ شرف الدين الدمياطي والشيخ شهاب الدين أحمد بن إسحق بن محمد بن المؤيد الأبرقوهي. وفي سنة اثنتين وسبع مائة، سمعت صحيح مسلم، وفي سنة أربع عشرة نظمت الشعر ونثرت وأكملت التنبيه حفظا وبحثته. وفي هذه السنة اجتمعت بقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وأجاز لي. واجتمعت بالشيخ علاء الدين القونوي، وحضرت دروسهما وفيها باشرت الإعادة بمدرستي الإمام السيد الحسين ومدرسة الأمير فخر الدين عثمان عند ابن المرحل زين الدين وأقضى القضاة نجم الدين القمولي. وفي هذه السنة خطبت بجامع أبي الجد القاضي محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر، وفي أوائل سنة خمس عشرة وسبع مائة كنت أنشأت خطبا وخطبت ببعضها. وفي سنة ست عشرة سمعت على الشيخة المعمرة زينب ابنة أحمد المقدسي بقراءة ابن سيد الناس. وفي سنة عشرين، توجهت إلى مكة لأداء فريضة الحج، واجتمعت بقاضيها نجم الدين وخطيبها بهاء الدين الطبريين. وفي سنة ثلاث وعشرين، توجهت إلى مكة متطوعا، ونظمت بمنزلة رابغ:
لله لطف سابغ | شكرا فهذي رابغ |
بلغتموا ما ترتجون | ففي المحامد بالغوا |
بانت لعيني أعلام هي السول | ومعهد برسول الله مأهول |
يا حبذا طلل بالدمع مطلول | خلا وقلبي بمن حلوه مأهول |
هي البانة الهيفاء تخطر أو تخطو | أو الظبية الوطفاء تنظر أو تعطو |
بل الشمس والجوزا وشاح وقلبها | هلال ومن نجم الثريا لها قرط |
إذا اهتز ذاك القد وارتج ردفها | فيا حبذا تلك الأراكة والسقط |
من الغيد تغدو بالقلوب أسيرة | وتحكم منا في القلوب فتشتط |
إذا ذل مضناها تتيه تدللا | وإن جد بالصب الهوى فلها بسط |
وفي شرعها أن الوصال محرم | وأن الجفا والصد في حبها شرط |
سبتني غداة البين حين ترحلت | وأومت بتوديعي أناملها السبط |
وأبدت دنوا والبعاد وراءه | ورب رضى قد طال من بعده السخط |
فما روضة صفت نمارق زهرها | ومن سندسيات الربيع لها بسط |
بأبهى وأذكى من سناها وعرفها | ومما حوت تلك المطارف والنمط |
ولما سرت ذاك الخليط تبادرت | مدامع طرف بالدماء لها خلط |
حكت أدمعي لون الجمان بجيدها | ولكن لذا نظم وهذا له فرط |
بروحي التي في القرب شحت بنظرة | وبات ضجيعي طيفها والمدى شحط |
رأى نار أشواقي فلم يخط موضعي | وزار كلمح والصباح له وخط |
ولو كنت أدري أن يلم خيالها | فرشت له خدي ومن لي بأن يخطو |
وما برحت تشتط والشمل جامع | فلم سمحت بالوصل والحي قد شطوا |
خليلي قد نمت بوجدي عبرتي | فلا تعذلاني واعذرا فالأسى فرط |
فإن أخفه فالزند يكتم ناره | وإن أبده قهرا فقد يظهر السقط |
فكم ذا أشيم البرق من أيمن الغضا | دجى أو تبدى لي ذوائبه الشمط |
وحتام أرعى أنجم الليل ساهرا | كأن لعلياء الجفون بها ربط |
تفرق منها شملها وترجلت | وبالغرب قد أضحى لأرجلها حط |
حكتني وأحبابي افتراقا وألفة | فمني لها رحمى ومني لها غبط |
كأن بآفاق السماء قلائدا | وفي كل قطر من كواكبها سمط |
كأن صغار الشهب بين كبارها | سطور من البلور زينها النفط |
كأن مرور السحب فوق نجومها | رياض أقاح مر من فوقها مرط |
كأن رقيق الغيم يحجب نورها | خمار على حسناء يبدو وينحط |
كأن كمون البرق ثم ظهوره | بنان خضيب شانه القبض والبسط |
كأن الدجا والزهر فرع مكلل | له الفجر فرق والثريا له مشط |
كأن نجوم الأفق والصبح لائح | أزاهر في نهر تلوح وتنعط |
كأن يد الإمساء تنثر لؤلؤا | وتأتي يد الإصباح من دأبها اللقط |
كأن انهمال الغيث والبرق مضرم | أيادي علي حين يسمح أو يسطو |
غياث الورى المدعو إن جل حادث | وغيث الورى المرجو إن شمل القحط |
حكم الرازق بالرز | ق فما هذا التهافت؟ |
لم يقل من كد وافه | ولمن عنك التهى، فت |
لا تخافي إن غبت أن نتناسا | ك ولا إن واصلتنا أن نملا |
إن تغيبي عنا فسقيا ورعيا | أو تلمي بنا فأهلا وسهلا |
سلا قلبه إن كان عن حبكم سلا | وهل مال يوما عن هوى ذلك الملا |
وهل زال من بعد البعاد وداده | وهل حال عن تلك المعاطف والحلا |
سقى الله أيام الوصال وعيشنا | رقيق الحواشي لا ينغص بالقلى |
ليالي روض الجزع فيهن ما ذوى | ومعهد ليلى الأخيلية ما خلا |
سحبت بها ذيل المسرة والصبا | وحالفت لذات وخالفت عذلا |
لقد طال ليلي بعدهن كأنه | بسود فروع الغانيات توصلا |
فكم كلف مثلي بمنعرج اللوى | تكلف أثقال الهوى وتحملا |
له مقلة عبرى تجود بمائها | وقلب من البين المجد تجدلا |
ما كل جفن مثل جفني مسهد | ولا كل قلب مثل قلبي مبتلى |
ولما وقفنا بالمطايا عشية | على الطلل البالي وقلنا له ألا |
أذنا لأخلاف الدموع فأحلفت | وفاضت إلى أن أنبت العشب والكلا |
وعاذلة في سوء حظي جهالة | ولا ذنب لي في سوء حظي لتعذلا |
ولو يصلح الإنسان بالجد حظه | لأوسعت في إصلاح حالي التحيلا |
وقائلة قد جل منصب جلق | فقلت لها: ما ذاك بدع وكيف لا؟! |
ومحمود ذو الجود ابن سلمان حلها | فحلى من الآداب ما قد تعطلا |
أعز الوى جارا وأنفع نائلا | وأكثر إفضالا وأعذب منهلا |
وأوفاهم عهدا وأقربهم ندى | وأطوعهم باعا وأفصح مقولا |
هو البدر خلقا والنسيم خلائقا | هو البحر كفا والجداول أنملا |
فوبل الحيا من ذلك الكف يجتدى | وشمس الضحى من ذلك الوجه تجتلى |
محيا وسيم والوجوه عوابس | وكف بإثراء العديم تكفلا |
غدا لعفاة العصر مغنى ومغنيا | وأصبح للراجين مولى وموئلا |
فإن حل جدب كان كنزا ومزنة | وإن جل خطب كان حرزا ومعقلا |
أتاك قريضي قد تلفع بالحيا | وأمك للاغضاء منك مؤملا |
وماهو إلا قول تلميذك الذي | روى خبر الإبداع عنك مسلسلا |
فإن كان ذا عيب فلن تضمن الهدى | وإن كان ذا حسن فعنك تأصلا |
حتى يرى كل طرس من أناملها | روضا تقابل في أثنائه الثمر |
وللمعاني على أنفاسه لمع | كالليل أشرق في أرجائه القمر |
يد عهدتك للتقبيل تبسطها | فتستقل الثريا أن تكون فما |
ولا يمل ورودا من مناهلها | إلا إذا مل طرف الناظر النظرا |
فما هو من أكفاء أبياتك التي | سررت بها سري وأعليت لي قدري |
وشتان ما بين الثريا إلى الثرى | وأين السهى من طلعة القمر البدر |
ذكرت ولم أنس الزمان الذي خلا | فعاد غرامي مثلما كان أولا |
وعاودني ذكرى حبيب ومنزل | فوافقت من يبكي حبيبا ومنزلا |
أحن وما يجدي الحنين وبين من | أحب وبيني الضعف والسن والفلا |
إذا نهضت بي همة الشوق أقعدت | عوائق أدناهن يذبلن يذبلا |
فواها لأيام الشباب التي مضت | وأبقت حنينا بعدها ما انقضى ولا |
ولله عيش مر في مصر لم يرق | لنفسي عيش مذ تقضى ولا حلا |
وإخوان صدق كنت منهم مجاورا | شموس الهدى سحب الندى شهب العلا |
علوا شرفا سادوا نهى كرموا ندى | زكوا سلفا طالوا علا كملوا حلا |
وعهدي بهم لا أبعد الله عهدهم | يداوون داء الخطب أعيى وأعضلا |
يفون بحق الجار والدهر غادر | ويسخون إذ يلفى الغمام مبخلا |
ويسري إلى عافيهم نشر جودهم | فيهدي إليهم من أتاهم مؤملا |
إذا ذكروا في مجلس خلت ذكرهم | بأرجائه مسكا ذكيا ومندلا |
وأقربهم عهدا علي فإنه مضى | وبه عقد العلى قد تكملا |
فقد كان برا بي أراه على الذي | يرى أن فيه راحتي متطفلا |
وأورثني حب الشريف ابن أخته | وحسبي بهذا منة وتفضلا |
شهاب علا فوق العلا بمناسب | تطيل إليهن النجوم تأملا |
فلو فاضلته الشمس والبدر لاغتدى | من الشمس أضوا أو من البدر أكملا |
هو ابن الأولى ما خاب في الحشر من بهم | هناك إلى عفو الإله توسلا |
توقل في هضب السيادة ذروة | رأى مرتقى في أفقها فتنقلا |
ولم يقتنع بالأصل حتى غدا له | بآدابه في الناس علما مكملا |
فنظم إذا ما الدر قايسته به | وأنصفته أضحى من الدر أفضلا |
شهي إلى الأسماع ألطف مسلكا | من الماء معسول المدامة سلسلا |
وممتنع سهل بعيد مناله | قريب المدى لا يتعب المتأملا |
ما لقلبي عن حبكم قط سلوة | كل حال منكم لدى الصب حلوه |
إن بخلتم حاشاكم بوفاء | أو ثنتكم بعد التعطف قسوه |
فلكم قد قضى وما نقض العهـ | ـد محب ولي بذلك أسوه |
يا بن بنت النبي قل لي وقولي | يا ابن بنت النبي أفضل دعوه |
هل بدا في الوفاء مني نقص | أو جرى في الحفاظ مني هفوه |
فعلام الإعراض والصد عمن | لم يجد في سوى معاليك صبوه |
كيف أنسى ساعات وصل تقضت | وبعطفي منها بقية نشوه |
ما خلت خلوة ولم ألق فيها | من عذارى حديثك العذب جلوه |
حيث لي من فنون نظمك والنثـ | ـر متى ما أردت كاسات قهوه |
ومعان كالحور زف حلاها | منطق تشخص الأفاضل نحوه |
كان في مصر لي بقربك أنس | عن أناس لهم عن الخير نبوه |
وأرى رقة الحواشي التي عنـ | ـدك تغني عمن غدا فيه جفوه |
وإذا ما أتيت ألفيت صدرا | منك لي في حماه حظ وحظوه |
واقتعدت الفخار بين البرايا | وتسنمت في السيادة ذروه |
وأرى أن لي إذا زرت أرضا | أنت فيها التشريف في كل خطوه |
كيف لا والولاء في قومك الغر | أراه في الدين أوثق عروه |
منيتي أن أرى حماك بعيني | لا أراك الحمى ولا دار علوه |
آه لو تنصف الليالي إذا ما | حكمت بالبعاد من غير عنوه |
أو لو أن الفراق يقبل مني | في اقتراب الديار من مصر رشوه |
يا زمانا بمصر ولى حميدا | هل يجيب الإله لي فيك دعوه؟ |
أنسيم الصبا على الروض غدوه | سحبت ذيلها على كل ربوه |
وسرى لطفها إلى الدوح فارتاح | فكم رنحت معاطف سروه |
أم سقيط الندى على الورد كاليا | قوت إذ يجعل اللآلئ حشوه |
أم تثني الغصون في حلل الزهر | ساقاها السحاب كاسات قهوه |
أم مسيل المياه بين رياض | بنضار الأصيل أمست تموه |
أم غناء الحمام غرد في البان | وأضحى به يرجع شدوه |
أم نجوم السماء زهر أم البد | ر منير أم مشرق الشمس ضحوه |
أو وصال الحبيب بعد صدود | فأتى ذا لذا فأسرع محوه |
أم بشير الأمان من بعد خوف | لخليع رأى الربيع وزهوه |
أم حديث العذيب يعذب في كـ | ـل لاة لمن تذكر لهوه |
أم كتاب قد جاءني من خليل | بارع فالخليل لم ينح نحوه |
رحب باع لرحبة الشام وافى | ذا وفاء وعفة وفتوه |
سامق فوق هضبة المجد والعـ | ـز سبوق لم يدرك الناس شأوه |
ناظم ناثر بليغ بديع | ماهر باهر المقالة أفوه |
حيث ما حل في الممالك حلى | وغدا واردا من الحمد صفوه |
بعد حولين قد أتاني فأهلا | وحباني عذب الكلام وحلوه |
وعناني من بعد دار ولكن | غصبته أيدي الحواسد عنوه |
وأرادوا خمول ذكري فغاروا | منه لما أعلى بذكري ونوه |
حجبوه عني فأظهره اللـ | ـه لعيني، أتحجب الشمس هبوه |
قمت لله شاكرا ثم حليـ | ـت وقد حل ساحتي كل حبوه |
غير أني رأيت فيه عتابا | مضرما ما بين الجوانح جذوه |
قال أني بخلت بالود كلا | ما تعمدت إنما هي سهوه |
ورمى أسهما تمزق ثوب الصـ | ـبر منها ومنه أملت رفوه |
ألزم الذنب قبل ذنب فأنصف | وسل القلب هل نوى عنك سلوه |
لم يكن شأني الصدود بلا جر | م وحاشى لوجه ودي يشوه |
ليس مثلي ممن يحول عن الو | د ولا يبدل المحبة جفوه |
كيف يهفو ثبير حلمك يا ذا | الثبت لما ظننت مني هفوه |
أذكرتني أبياتك الغر أبيا | ت الإمام المحمود أنفع قدوه |
سابق قد هدى إلى النجح قصدي | لم يطق من سعى هنالك خطوه |
ومع البعد كان يدني بي اللطـ | ـف ويشكو له فؤادي شجوه |
كان لي والدا وبرا شفوقا | فذووه لي في المحبة إخوه |
يا صلاح الدين البديع نظاما | والذي من إنشائه لي نشوه |
لا تلمني على تأخر كتبي | إذ ألمت بحد ذهني نبوه |
كنت في شدة وقد فرج اللـ | ـه ونجى فصرت منها بنجوه |
ونسيت الصناعتين لأني | حجج قد مضت ولم الق حظوه |
يرجع الحظ القهقري فإذا ما | رمت أن يمشي عاجلته كبوه |
كلما قلت: قد مضى الهم إذ مـ | ـر مساء أرى المساءة غدوه |
وأعادى ظلما وأقهر ممن | مهلي للفخار يسبق عدوه |
أنا سبط النبي وابن علي | شرف شامخ لأربع ذروه |
وإذا ما اعتراني الدهر بالعد | وإن أمسكت منهما أي عروه |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 13- ص: 0