الحسين بن سليمان شرف الدين بن ريان الحسين بن سليمان بن أبي الحسن شرف الدين، أبو عبد الله بن القاضي جمال الدين، أبي الربيع بن ريان الطائي. تقدم ذكر أخيه القاضي بهاء الدين الحسن.
ولد شرف الدين هذا بحلب سنة اثنين وسبعمائة. وسمع البخاري من ابن مشرف، وست الوزراء بدمشق حضورا، وسمع المقامات على ابن الصايغ، وقرأ بحلب الحاجبية على الشيخ علم الدين طلحة، وقرأ على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني أوائل ضوء المصباح.
وحفظ القرآن العظيم صغيرا، وصلى به، ونقل بعض الروايات. ولما قدم مع والده إلى صفد قرأ على الشيخ نجم الدين الصفدي: النحو.
وطالع وحصل، وكتب وأتقن الإعراب، ومهر فيه. وأما خطه البهج، فأسحر من الطرف الغنج.
وتولع بالنظم إلى أن أجاد فيه، ونظم في سائر أنواعه من أوزان العرب، والموشح، والزجل، والبليق، والمواليا، والدوبيت، فأما البلاليق الهزلية فإنه قوسان عصره ونوشادره بحيث إنني ما أعلم أحدا في عصره يقاربه فيه، ونظم صور الكواكب، ونظم في البديع كتابا سماه: زهر الربيع. وأنشأ مفاخرات عدة، وسمع على الشيخ برهان الدين الجعبري، وأجازه رواية مصنفاته.
وأما ذهنه فيتوقد ويعلو في الذكاء إلى أن يسمو على الفرقد، وما يخلو معرفة مسائل في أصول الدين، وغير ذلك من عقليات في الطبيعي وغيره.
وفيه هشاشة وطلاقة وجه، وكرم نفس، وعدم مبالاة بحوادث الزمان، قل أن رأيته اغتاظ من شيء.
وتوجه إلى الحجاز سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، بعدما وقفت على قصيدتين بخطه. نظمهما في مكة والمدينة، وله أمداح من الموشحات وغيرها في النبي صلى الله عليه وسلم.
ولي به أنس كثير. حضر إلى صفد بعد أن خرجوا منها أولا مع والده، وهو ناظر الجيش، ووالده ناظر المال في آخر أيام الأمير سيف الدين أرقطاي.
ثم توجه إلى حلب، وكتب الدرج بحلب وبطرابلس، وولي نظر قلعة المسلمين، ثم أعيد إلى نظر الجيش، أيام الأمير سيف الدين طشتمر. ثم أعيد إلى نظر قلعة الروم، ثم إنه تولى نظر الدواوين بحماة المحروسة، في أوائل سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فكتبت إليه من القاهرة كتابا، وفيه أبيات شذت عني، وقد عدمتها الآن لفظا، ولكن المعنى باق، وهي:
يا شرف الدين الذي جوده | قد غمر الحاضر والغائبا |
جئت حماة بعدما قد غدا | مليكها عن ربعها ذاهبا |
بالأمس قد كانت بلا صاحب | واليوم أصبحت بها صاحبا |
قرت بمنصبك الجليل عيون | ورنت إليك من السعود جفون |
وأتتك من رتب السعادة غادة | يسبيك منها الحاجب المقرون |
ودعتك للرتب العلية فارقها | في نعمة وقرينك التمكين |
واصعد إلى درج المعالي راقيا | أعلى العلا فلأنت ثم أمين |
والبس بها الخلع النفيسة دائما | ولك السعادة في الأمور تعين |
فلسوف تعلو بعدها ويطير من | أرجائها لك طائر ميمون |
أبشر بها من رحبة قد أصبحت | كهف الغريب ومأمنا للسالك |
وحللتها يا مالكي فلأجل ذا | قد أصبحت تدعى برحبة مالك |
جاءت سطورك والسرور قرين | ولها من الحسن البديع فنون |
الله أكبر كم تلظت قبلها | كبدي عليك وكم بكتك عيون |
ولكم سرور غاب عن سري وكم | وردت علي لأجل ذاك منون |
حتى أتت غراء يفضح حسنها | ليلى ولكني بها المجنون |
يا حسنها من روضة همزاتها | فوق السطور حمائم وغصون |
أستغفر الله العظيم غلطت في | تشبيهها بالروض وهو الدون |
أعذر فإني من بقايا دهشتي | لما أتتني بغتة مفتون |
بل ديمة الفضل التي كم قد سقت | زهرا وكم منها استهل هتون |
وغلطت أيضا بل هي البحر الذي | ألفاظها در النهى المكنون |
وأنا أقيم أدلة ترضى بها | والصدق فيما أدعي مضمون |
من وزنها بحر ومن ألفاظها | درر وقافية القصيدة نون |
ما هذه عندي بأول منة | ما أجرها لتمامها ممنون |
عندي لفضلك كل طول سابغ | وعلى مديحي في علاك ديون |
ولقد حللت ببلدة حاشا لظى | وقبيح منظرها الشنيع الهالك |
وسعت لأنواع العذاب على الفتى | فلذاك سموها برحبة مالك |
وإن صخرا لتأتم الهداة به | كأنه علم في رأسه نار |
علم مفرد فإن رفعوه | رفعوه قصدا لأجل البناء |
أنثوه ومنه قد عرف التذ | كير فانظر تناقض الأشياء |
إذا ما اطمأنت دونه السحب إنه | له همة لم ترض إلا التناهيا |
وحسبك أن القائمين بحقه | يحوزون في الدارين منه المعاليا |
شهادته ما ردها غير كافر | ويقبلها من كان بالحق قاضيا |
يقول معاني الطب يا عجبا له | يصح وقد ضمت حشاه المراقيا |
أنا المسمى حسينا | واسمي تراه مصغر |
لأن يصغر خير | من أن يقال تكبر |
أهوى حلاويا بدت خدوده | وردية يا ما أحيلى سالفه |
صير قلبي دنفا ومدمعي | سكبا وروحي بالبعاد تالفه |
هويت حلاويا غدا سكب أدمعي | على ردفه المنقوش إن غاب أو دنا |
له وجنة وردية ما ترق أن | أرى دنفا حتى أكون مكفنا |
كأن الهلال نزيل السماء | وقد قارن الزهرة النيره |
سوار لحسناء من عسجد | على قفله وضعت جوهره |
أتيت حانة خمار وصاحبها | محارف متقن للنحو ذو لسن |
وحوله كل هيفاء منعمة | وكل علق رشيق أهيف حسن |
فقال لي إذا رأى عيني قد انصرفت | إلى النساء كلام الحاذق الفطن |
أنث وركب وصف واعدل بمعرفة | واجمع وزد واسترح من عجمة وزن |
يقولون قد لاح العذار بخده | فلم كنت فيه للعذول تعارض |
فقلت لهم كفوا فجوهر حسنه | على حاله بل عارض الخد عارض |
انظر إلى ذهبيات الغصون وقم | إلى المدام وواصلها إلى الغسق |
أما ترى النهر بالتصفيق أطربها | فنقطت بدنانير من الورق |
وبي أحوى أغن كغصن بان | غدا حلو الجنى مر التجني |
تزيد سيوف مقلته مضاء | إذا كلت بعارضه المسني |
يا قاتلي بلحاظ | عن البيض تغني |
سننتها حين كلت | على العذار المسني |
حللنا ضمنها فحنت علينا | حنو المرضعات على الفطيم |
ركبنا في المحارة إذ حججنا | فصانتنا من الحر العظيم |
سقتنا من كراريز زلالا | ألذ من المدامة للنديم |
رأيت بها مساميرا حسانا | مبيضة بنظم مستقيم |
بهن تروع حالية العذارى | فتلمس جانب العقد النظيم |
تصد الشمس أنى واجهتنا | فتحجبها وتأذن للنسيم |
كأنما عذاره الأ | شقر في الخد الندي |
قنديل بلور له | سلسلة من عسجد |
لما بدا عذاره | أشقر زادني الوله |
كأنه في خده الصـ | ـافي الذي قد حمله |
قنديل بلور له | من العقيق سلسله |
وبحرة يظهر فيها الحيا | فواقعا تعجب في المنظر |
مثل بساط لونه أزرق | مرصع بالدر والجوهر |
انظر إلى النهر حين يهمي | من فوقه صيب الغيوم |
قد شابه الأفق فهو يبدي | فواقعا فيه كالنجوم |
أنا بطسين مليح | أبدع النحاس شكلي |
قد حكاني البدر لما | صار في التدوير مثلي |
أصبحت من دون الأنا | م للرقيب شاكرا |
لأنه إذا أتى | كان الحبيب حاضرا |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 12- ص: 0