بدر الدين الغزي الحسن بن علي بن حمد بن حميد بن إبراهيم بن شنار- بفتح الشين المعجمة والنون وبعد الألف راء- بدر الدين الغزي، سألته عن مولده فقال: سنة ست وسبعمائة بغزة.
شاعر جيد، جزل الألفاظ، متين التراكيب، متسرع البديهة، حسن التروي له غوص على المعاني، كتب المنسوب، وعارض ابن شهيد في كتابه التوابع والزوابع ووضع في تلك المادة كتابا سماه: قريض القرين وجوده.
وأنشدني بدمشق وصفد والديار المصرية، غالب شعره، ودخل ديوان الإنشاء بدمشق أيام الأمير سيف الدين يلبغا رحمه الله، في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله، وعفا عنه وسامحه، في ليلة الخميس حادي عشر شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، ودفن في مقابر باب الصغير بدمشق. مرض بدوسنطاريا كبدية مدة ستة عشر يوما.
وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات ذكرتها في كتاب: ألحان السواجع أنشدني من لفظه لنفسه. في مليح على فمه حب:
يا فم المعشوق سبحا | ن الذي زادك زينا |
قد تحليت بدر | فتحببت إلينا |
توهم إذ رأى حبا يحاكي | على شفتيه درا في عقيق |
فقلت له وحقك ليس هذا | سوى حبب على كأس الرحيق |
وأغصان دوح زها دفها | فلله بالقصف تعميرها |
تغنى على العود ورقاؤها | وينقر في الدف شحرورها |
شممت نسيم زهر اللون لما | خرجنا بكرة تنفي الهموما |
فتحت الدوح شاهدنا بدورا | وفي أعلاه عاينا نجوما |
أوما ترى الفوار قا | رب أن يقوض |
والزهر في ورق | زمرده مفضض |
كالخد عذر بعضه | والبعض أبيض |
ثغر من قد هويته يهدي | في ظلام الدجنة الحالك |
بالثريا شبهته ظلما | والثريا أقل من ذلك |
ما ترى التفاح يهدي | زهره نشرا ذكيا |
فاق زهر الأفق فانظر | وتأمله مليا |
كل غصن منه يبدو | فوقه ألف ثريا |
وصفراء حال المزج يصبغ ضوءها | أكف الندامى وهو في الحال ناصل |
وتهفو بألباب الرجال لأنها | دويهية تصفر منها الأنامل |
أنا القليل العقل في صرفي الذي | أملكه في كلف المشارب |
ما نلت من تضييع موجودي سوى | تصفية الكاسات في شواربي |
أعجب ما في مجلس اللهو جرى | من أدمع الراووق لما انسكبت |
لم تزل البطة في قهقهة | ما بيننا تضحك حتى انقلبت |
يا من يلوم في التصابي خلني | فأذني عن الملام قد نبت |
تصفية الكاسات في شواربي | أضحكت البطة حتى انقلبت |
وأهيف كالغصن المرنح شاقني | فطار إليه القلب من فرط شوقه |
رأى البدر يحكي وجهه وهو سافر | فحمله من جوره فوق طوقه |
يا صاحبا ما زال في إنعامه | لثياب راجيه المؤمل رافي |
قد قطعت فرجيتي حتى لقد | ظهر القطوع بها على أكتافي |
وأيكية هتفت سحرة | فهاجت علي غراما دفينا |
تكاد إذا رجعت صوتها | قضيب الأراكة ينقد لينا |
تغني فتستوقف الصبر عن | لجاجته وتحث الشجونا |
وتبكي ولكن بلا أدمع | وما هكذا ينبغي أن تكونا |
أهواه في الإلكي يرمي دائما | وسواد قلب الصب في أغراضه |
أطلقت لحظي نحوه فأصابني | سهم وما عاينت كشف بياضه |
غصن رشيق القد لان معاطفا | نشوى وبالشعر المرجل أورقا |
وبمثل بدر التم أثمر فانظروا | هذا القوام أجل أم غصن النقا |
سرت من بعيد الدار لي نفحة الصبا | فقد أصبحت حسرى من السير ظالعه |
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى | ومن تعب أنفاسها متتابعه |
ليل التجنب من أجفاننا شهبه | ومجدب الربع ما كانت دما سحبه |
ما للنوى أطلعت في غارب قمرا | يقله البان يوم البين لا غربه |
تنظمت عبراتي في ترائبه | عقدا كما انتثرت في وجنتي سخبه |
يا من وفى الدمع إذ خان الوداد له | غدر الحبيب وفاء الدمع أو سببه |
قد كنت أحسب صبري لا يذم وقد | مضى وفي ذمة الأشواق أحتسبه |
يا نازحا سكن القلب الخفوق ومن | إحدى العجائب نائي الوصل مقتربه |
ما لاح برق ولا ناحت مطوقة | ولا تناوح من باب الحمى عذبه |
ألا تساعد قلبي والدموع وأحـ | ـناء الضلوع على شوق علا لهبه |
حكيت يا برق قلبي في الخفوق ولم | يفتك إلا لهيب الوجد لا شنبه |
من لي بأغيد بدر التم حين بدا | قد ساء إذ رام تشبيها به أدبه |
ممنع بالذي ضمت غلائله | من القنا وبما أصمت به هدبه |
بين الأسنة محجوب ولو قدروا | ما قوس حاجبه أغنتهم حجبه |
سلبنني بالضنى لحمي لواحظه | وهم أسد الشرى المسلوب لا سلبه |
لو لم يكن ريقه خمرا ومرشفه | كأسا لما كان يحكي ثغره حببه |
كذا ابن ابنك لولا ما حواه لما | عن الكتائب أغنت في الوغى كتبه |
ذاد الأولى عن طريق المجد ثم نحا | آثاره فعلت أحبالهم هضبه |
وآب يقطف من أغصانه ثمرا | إذا أتى غيره بالشوك يحتطبه |
أقلامه فرحا بالفضل أنملها | كل مخلق ثوب المجد مختضبه |
تكاد ألسنها تمتد من شغف | إلى أجل معاني القول تقتضبه |
يراعه روعت لامات أحرفها | أحشاء منحرف لاحاته يلبه |
أضحت مسببة الأرزاق حين حكت | سبابة لعدو قد وهى سببه |
يا من يجيل قداح الميسر ارم بها | وارم الفجاج لتيه نجحه طلبه |
واقصد جناب صلاح الدين تلق فتى | يهزه حين يتلى مدحه طربه |
بنت على عنق العيوق همته | بيتا تمد على هام السها طنبه |
قد أتعبت راحتاه الكاتبين ولم | يدركه حين جرى نحو العلا تعبه |
فاعجب لها راحة تسقي اليراع ندى | إذ لم تكن أورقت في ظلها قضبه |
تناسب الدر من ألفاظها فإلى | بجر الندى لا إلى بحر الدنا نسبه |
يرضى ويغضب في حالي ندى وردى | وبين هذين منهوك الحمى نشبه |
رضاه للطالبي جدواه ثم على | ما تحتوي يده من ماله غضبه |
ظبي رمى فؤادي | من لحظه بسهم |
وقد حمى رقادي | لما أباح سقمي |
فالطرف للسهاد | وللسقام جسمي |
واعجب من انقيادي | إليه وهو خصمي |
أفديه ظبي أنس | ألمى الشفاه أحوى |
حشاشتي ونفسي | مرعى له ومثوى |
كذبت فيه حسي | إذ لم تلنه شكوى |
وجسمه بلمسي | عند العناق يطوى |
لله منه طرف | يدمي القلوب لحظا |
ووجنة تشف | ولا ينيل حظا |
يرق إذ يرف | قلبي لها ليحظى |
تريك حين تصفو | جسما يخال فظا |
يا لوعة الغرام | زيدي ويا جفوني |
بأدمعي الهوامي | جودي ولا تخوني |
فهتف الحمام | قد هيجت شجوني |
وكل مستهام | مستأنف الحنين |
دع ذا وقل مديحا | في أحمد بن يحيى |
من لم يزل مزيحا | أعذار كل عليا |
منتسبا صريحا | آخرة ودنيا |
تخال منه يوحا | في الدست حسن رؤيا |
للسر منه حصن | على الورى مطل |
ليست به تظن | عوراء تستدل |
غاراته تشن | على العدى فتبلو |
أخبارهم ويعنو | منهم لها الأجل |
وغادة ثنتني | أعطافها الرشاق |
لكنها أرتني | أن الدما تراق |
بالصد والتجني | وبعدها الفراق |
قالت فرغت عني | والصحبة اتفاق |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 12- ص: 0