وزير المأمون الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسي، تولى وزارة المأمون بعد أخيه: ذي الرياستين الفضل. وحظي عند المأمون وتزوج ابنته بوران، وقد تقدم ذكرها في حرف الباء.
وكان المأمون قد ولاه جميع البلاد التي فتحها طاهر بن الحسين، وكان عالي الهمة كثير العطايا للشعراء وغيرهم، وقصده بعض الشعراء فأنشده:
تقول حليلتي لما رأتني | أشد مطيتي من بعد حل |
أبعد الفضل ترتحل المطايا | فقلت نعم إلى الحسن بن سهل |
فأجزل عطيته.
وخرج مع المأمون يوما يشيعه، فلما عزم على مفارقته، قال له المأمون: يا أبا محمد، ألك حاجة؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين؛ تحفظ علي قلبك، فإني لا أستطيع حفظه إلا بك.
قال بعضهم: حضرت مجلس الحسن بن سهل وقد كتب لرجل كتابا شفاعة، فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن: يا هذا علام تشكرنا؟ إنا نرى الشفاعات من زكاة مروءاتنا.
قال: وحضرته يوما آخر وهو يملي كتاب شفاعة، فكتب في آخره: بلغني أن الرجل يسأل عن فضل جاهه يوم القيامة كما يسأل عن زكاة ماله.
وقال لبنيه: يا بني تعلموا النطق، فإن فضل الإنسان على سائر البهائم به. وكلما كنتم به أحذق، كنتم أحق بالإنسانية.
ولم يزل الحسن على وزارة المأمون، إلى أن غلبت عليه السوداء، وكان سببها كثرة جزعه على أخيه الفضل لما قتل، ولم تزل تستولي السوداء عليه حتى حبس في بيته ومنعته من التصرف.
وقال الطبري: إن الحسن غلبت عليه السوداء في سنة ثلاث ومائتين، وكان سببها أنه مرض مرضة تغير عقله فيها حتى شد في الحديد وحبس في بيت، فاستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد.
ودخل الحسن بن سهل على المأمون وهو يشرب، فقال له: بحياتي وبحقي عليك يا أبا محمد، إلا شربت معي قدحا. وصب له من نبيذ قدحا. فأخذه بيده وقال له: من تحب أن يغنيك؟ فأومأ إلى إبراهيم بن المهدي. فقال له المأمون: غنه يا عم فغناه صوتا، ومنه:
#تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت
يعرض به لما كان لحقه من السوداء والاختلاط، فغضب المأمون حتى ظن إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفرانا يا أكفر الناس لنعمة، والله ما حقن دمك عندي غيره، ولقد أردت قتلك، فقال: إن عفوت عنه فعلت فعلا لم يسبقك إليه أحد، فعفوت والله عنك لقوله، أفحقه أن تعرض به ولا تدع كيدك ولا دغلك؟ أو أنفت من إيمائه إليك بالغناء؟
فنهض إبراهيم قائما، وقال: يا أمير المؤمنين لم أذهب حيث ظننت ولست بعائد. فأعرض عنه.
وصار أبو الهذيل إلى سهل بن يخرون الكاتب وكان خاصا بالحسن بن سهل يسأله كلامه في أمره ويستعينه على إضافة كان فيها، فصار سهل إلى الحسن معه، فكلمه وقال: ’’قد عرفت حال أبي الهذيل وقدره في الإسلام، وأنه متكلم أهله والراد على أهل الإلحاد، وقد فزع إليك لإضاقة هو فيها’’. فوعده أن ينظر له فيما يصلح له. فلما انصرف سهل إلى منزله كتب إلى الحسن:
إن الضمير إذا سألتك حاجة | لأبي الهذيل خلاف ما أبدي |
فامنعه روح اليأس ثم امدد له | حبل الرجاء بمخلف الوعد |
وألن له كنفا ليحسن ظنه | في غير منفعة ولا رفد |
حتى إذا طالت شقاوة جده | بعناية فاجبهه بالرد |
فلما قرأ الحسن كتابه، وقع إليه: هذه- لك الويل- صفتك لا صفتي. وأمر لأبي الهذيل بخمسين ألف درهم.
وترجل له يوما علي بن هشام، فأمر له بألف دابة، قال يحيى بن خاقان: فبقيت واجما. فقال: يا يحيى ليس لما أمرنا به له نفع وفيه عليه ضرر، فاكتب له مع ذلك بألف غلام، وأجر له أرزاق الغلمان وعلوفة الدواب علينا.
وتوفي الحسن سنة ست وثلاثين ومائتين وقيل سنة خمس وثلاثين، وقيل سنة ثمان وثلاثين.
ومدحه يوسف الجوهري بقوله:
لو أن عين زهير عاينت حسنا | وكيف يصنع في أمواله الكرم |
إذا لقال زهير حين يبصره | هذا الجواد على العلات لا هرم |
وكان الحسن من بيت رياسة في المجوس، فأسلم هو وأخوه الفضل ذو الرياستين مع البرامكة مع أبيهما في أيام الرشيد واتصلوا بالبرامكة. وكان الحسن أحد الأجواد، وقيل إن الذي أنفقه في وليمة ابنته بوران؛ أربعة آلاف ألف دينار.