المتوكل بن المظفر بن المنصور أبو محمد
عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة التجيبي بن الأفطس
قال ابن حيان كان عبد الله بن مسلمة رجلا من مكناسة وكان سابور العامري أحد صبيان فائق الخادم فتى الحكم يعني المستنصر بالله قد انتزى ببطليوس وثغر الغرب فصحبه عبد الله وظاهره ورمى إليه بأموره فدبر أعماله وتزيد في الغلبة عليه حتى صار كالمستبد به فلما هلك سابور
ورث سلطانه بعده فاستولى على الأمور وتلقب بالمنصور ثم أفضى الأمر لابنه محمد وتلقب بالمظفر
ولابن حيان أيضا قول أبسط من هذا في أولية بني الأفطس يأتي ذكره إن شاء الله تعالى قال ومن النادر الغريب انتماؤه في تجيب وبهذه النسبة مدحته الشعراء إلى آخر وقته منهم ابن شرف القيرواني حيث يقول
يا ملكا أمست تجيب به | تحسد قحطان عليها نزار |
لولاك لم تشرق معد بها | جل أبو ذر فجلت غفار |
وكانت وفاة المظفر سنة ستين وأربعمائة فولى بعده ابنه يحيى بطليوس وتسمى بالمنصور وكان أخوه عمر المتوكل بيابرة وما إليها من الثغر الغربي
ثم استوثق له الأمر بموت أخيه يحيى بعد منافسة طويلة بينهما كادت تفسد حالهما واحتل حاضرة بطليوس وجعل ابنه العباس عمر بيابرة وصار إليه أمر طليطة وقتا وجل شأنه
ولما عظم عيث الطاغية أذفونش بن فرذلند وتطاول إلى الثغور ولم يقنع بضرائب المال انتدب للتطوف على أولئك الرؤساء القاضي أبو الوليد الباجي يندبهم إلى لم الشعث ومدافعة العدو ويطوف عليهم واحداً واحداً وكلهم يصغي إلى وعظه، وازدلف خلال ذلك إلى سبتة أمير المغرب حينئذٍ أبو يعقوب يوسف ابن تاشفين اللمتوني حسبة ورغبة في الجهاد وقد دانت له بلاد العدوة وسأل من سقوت بن محمد صاحب سبتة أن يبيح له فرض الإجازة إلى الأندلس فأبى وتمنع من ذلك فأفتى الفقهاء بقتاله لصده عن سبيل الله فقتل هو وابنه في خبر طويل وفتح الله على ابن تاشفين سبتة وأمكنه الحصول على مراده بذلك
وعلم المعتمد محمد بن عباد تصميمه على نيته فخاطب جاريه صاحب بطليوس وصاحب غرناطة في تحريك قاضييها إلى حضرته للاجتماع بقاضي الجماعة بقرطبة فوصل من بطليوس قاضيها أبو إسحاق بن مقانا ومن غرناطة قاضيها القليعي واجتمعا في إشبيلية بالقاضي أبي بكر بن أدهم وانضاف إليهم الوزير أبو بكر محمد بن أبي الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون وتوجهوا جميعاً إلى ابن تاشفين على شروط لا تتعدى إلى غيرها ووصلوا إلى الجزيرة الخضراء وعليها يزيد بن المعتمد الملقب بالراضي ثم أجازوا البحر منها واجتمعوا بابن تاشفين مرة بعد مرة وتفاوضوا في مكان تنزله العساكر فأشار ابن زيدون بجبل طارق وسئل الجزيرة الخضراء فلم يوجد سبيلا إليها فما قوبل بشكر ولا لوم وأصدر هو وأصحابه دون علم بالمراد ومشاورة الفقهاء من ابن تاشفين تستتب وفتواهم لا تغب فلم يرع إلا الشروع في الإجازة ولم يشعر إلا والجزيرة الخضراء في مثل حلقة الخاتم من الجيوش الكثيفة
وفتحت لهم أبوابها وأخرجت إليهم مرافقها فطير الراضي حماما إلى أبيه بذلك فأذنه بتركها والارتحال عنها إلى رندة ففعل، واطردت الإجازة ثم تحركت العساكر إلى إشبيلية وردفهم ابن تاشفين ونزل بظاهرها وبلغه على أثر ذلك موت ابنه أبي بكر فحيره حتى لهم بالانصراف عن وجهه ثم آثر الجهاد وأنفذ مزدلي إلى مراكش
وبعد قراره بظاهر إشبيلية لحق صاحب غرناطة في نحو ثلاثمائة فارس وأخوه تميم من مالقة في نحو مائتين فنزلا على ضفة النهر الأعظم ثم لحق لصاحب المرية عدد من الخيل صحبة ولده وتقدم ابن تاشفين مستعجلاً في حركته إلى بطليوس وابن عباد وراءه فخرج إليهم المتوكل وأوسعهم براً وتضييفاً وتلومت العساكر بظاهرها في المضارب أياماً إلى أن قصدهم أذ فونش وتلاقوا بالزلاقة على مقربة من بطليوس يوم الجمعة في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة فكان الظهور للمسلمين وفي ذلك يقول ابن جمهور أحد أدباء إشبيلية
لم تعلم العجم إذ جاءت مصممة | يوم العروبة أن اليوم للعرب |
ونكل المتوكل يومئذٍ وغيره من الرؤساء وكان فيه للمعتمد ظهور مشهور، ثم صدر ابن تاشفين ظافراً وأجاز البحر إلى العدوة صادراً وتحرك إلى الأندلس بعد مجاهداً لأعدائها وناظراً في خلع رؤسائها والمعتمد إذ ذاك أعظمهم شوكة وأشهرهم نجدة فلما قبض عليه لم تقم لسائرهم قائمة ومزقوا كل ممزق وفي ذلك يقول ذو الوزارتين أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن أحمد المعروف بابن الحاج اللورقي
كم بالمغارب من أشلاء مخترم | وعاثر الجد مصبور على الهون |
أبناء معن وعباد ومسلمة | والحميريين باديس وذي النون |
راحوا لهم في هضاب العز أبنية | وأصبحوا بين مقبور ومسجون |
وكان سير بن أبي بكر أحد رؤساء اللمتونيين هو الذي حاصر إشبيلية حتى استولى عليها وقبض على المعتمد وتقلد إمارتها بعده دهراً ثم تولى محاصرة بطليوس إلى أن دخلت عنوة يوم السبت لثلاث بقين من المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة وقيل يوم السبت السابع من صفر وقيل في شهر ربيع الأول منها وقبض على المتوكل فقيد وأهين بالضرب في استخراج ما عنده ثم أزعج عنها وقتل هو وابناه الفضل والعباس على مقربة منها ذبحا وكان ذلك مما نعي على ابن تاشفين وقيل إنه رغب في تقديم ولديه هذين بين يديه ليحتسبهما ثم قام بعد قتلهما ليصلي فبادره الموكلون به وطعنوه برماحهم حتى فاضت نفسه وغربت شمسه وقد رثاهم أبو محمد عبد المجيد بن عبدون بقصيدة فريدة أنشدناها شيخنا أبو الربيع بن سالم الكلاعي بحاضرة بلنسية مراراً قال أنشدناها القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون في مسجده بإشبيلية قال أنشدناها الوزير الكاتب أبو محمد بن عبدون وأولها
الدهر يفجع بعد العين بالأثر | فما البكاء على الأشباح والصور |
يقول في آخرها
ويح السماح وويح الباس لو سلما | والمجد والدين والدنيا على عمر |
سقت ثرى الفضل والعباس هامية | تعزى إليهم سماحاً لا إلى المطر |
وأنشدني أبو الربيع شيخنا وحدثني لفظا قال حدثني الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد شيخنا يعني ابن زرقون عن الوزير أبي بكر ابن القبطورنة أنه حدثه أنه دخل على نجم الدولة سعد بن المتوكل وهو
محبوس في سجن الملثمة بعد غلبتهم على أبيه المتوكل وقتلهم إياه وابنيه العباس والفضل فلما رآه أجهش باكياً ثم أنشده:
بأبيك قدس روحه وضريحه | يا سعد ساعدني ولست بخيلا |
واسفح على دموع عينك ساعة | وأمنت بها حمراً تفيض همولا |
إن يصبح الفضل القتيل فإنني | أمسيت من كمد عليه قتيلا |
كم قد وقيتكم الحمام بمهجتي | وحميت شول علائكم معقولا |
قدمت نفسي للمنايا دونكم | بدلا فلم ترد المنون بديلا |
ومن شعر المتوكل وكتب به إلى أخيه يحيى المنصور من يابرة مع نثر وقد بلغه أنه قدح فيه بمجلسه
فما بالهم لا أنعم الله بالهم | ينوطون بي ذماً وقد علموا فضلي |
يسيئون في القول جهلا وضلة | وإني لأرجو أن يسوءهم فعلي |
طغام لئام أم كرام برغمهم | سواسية ما أشبه الحول بالقبل |
لئن كان حقاً ما أذاعوا فلا خطت | إلى غاية العلياء من بعدها رجلي |
ولم ألق أضيافي بوجه طلاقة | ولم أمنح العافين في زمن المحل |
وكيف وراحي درس كل غريبة | وورد التقى شمي وحرب العدا نقلي |
ولي خلق في السخط كالشرى طعمه | وعند الرضا أحلى جنى من جنى النحل |
وإني وإن كنت الأخير زمانه | لآت بما أعي الصناديد من قبلي |
وما أنا إلا البدر تنبح نوره | كلاب عدا تأوي اضطراراً إلى ظلي |
فيا أيها الساقي أخاه على النوى | كؤوس القلى مهلا رويدك بالعل |
لتطفئ نارا أضرمت في صدورنا | فمثلي لا يقلى ومثلك لا يقلي |
ألست الذي أصفاك قدماً وداده | وألقى إليك الأمر في الكثر والقل |
وصيرك الذخر الغبيط لدهره | ومن لي ذخرا غيرك اليوم لا من لي |
وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكياً | فقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي |
فبادر إلى الأولى وإلا فإنني | سأشكوك يوم الحشر للملك العدل |
وله وقد ارتقب قدوم أخيه عليه من شنترين يوم الجمعة فوفد عليه يوم السبت
تخيرت اليهود السبت عيداً | وقلنا في العروبة يوم عيد |
فلما أن طلعت السبت فينا | أطلت لسان محتج اليهود |
ومن مليح ما في هذا المعنى
وحبب يوم السبت عندي أنني | ينادمني فيه الذي أنا أحببت |
ومن أعجب الأشياء أني مسلم | حنيف ولكن خير أيامي السبت |
وكتب أبو محمد بن عبدون إلى المتوكل وقد انسكب المطر إثر قحط خيف قبل ذلك واتفق أن وافي بطليوس حينئذٍ مغن محسن يعرف بأبي يوسف
ألم أبو يوسف والمطر | فيا ليت شعري ما ينتظر |
ولست بآب وأنت الشهيد | حضور نديك في من حضر |
ولا مطلعي وسط تلك السماء | بين النجوم وبين القمر |
وركضي فيها جياد المدام | محثوثة بسياط الوتر |
فبعث إليه المتوكل مركوباً وكتب معه
بعثت إليك جناحا فطر | على خفية من عيون البشر |
على ذلل من نتاج البروق | وفي ظلل من نسيج الشجر |
فحسبي عمن نأى من دنا | فمن غاب كان فدا من حضر |
وتوجه إلى شنترين ومعه أبو محمد بن عبدون فتلقاه ابن مقانا قاضى
حضرته وأنزله وقدم طعاما ثم قعد بباب المجلس ملازماً له إلى الليل والمتوكل محتشم منه فخرج أبو محمد لما أبرمه إلى بعض أصحابه وقد أعد له مجلس أنس فقعد يشرب معه وقد وجه من يرقب انفصال ابن مقانا فلما عرفه بذلك بعث إلى المتوكل بقطيع خمر وطبق ورد وكتب معهما
إليكهما فاجتلها منيرة | وقد خبا حتى الشهاب الثاقب |
واقفة بالباب لم تأذن لها | إلا وقد كاد ينام الحاجب |
فبعضها من المخاف جامد | وبعضها من الحياء ذائب |
فقبلها وكتب إليه
قد وصلت تلك التي زففتها | بكرا وقد شابت لها ذوائب |
فهب حتى نسترد ذاهباً | من أنسنا إن استرد الذاهب |
وقرأت في كتاب الذخيرة لابن بسام أخبرني الوزير أبو طالب بن غانم قال لا أنسى والله خط المتوكل بهذين البيتين في ورقة بقلة الكرنب وقد كتب إلي بهما من بعض البساتين
انهض أبا طالب إلينا | واسقط سقوط الندى علينا |
فنحن عقد بغير وسطي | ما لم تكن حاضرا لدينا |
وحكى غيره أنه كتبهما بطرف غصن وروى البيت الأول
أقبل أبا طالب إلينا | وقع وقوع الندى علينا |