وزير المأمون ثابت بن يحيى بن يسار، أبو عباد الرازي، كاتب المأمون؛ كان من الكفاة ولم يزل بالري ذا قدرة ووجاهة ورياسة مذ كان حدثا. وفيه يقول أبو الهداهد:
إذا ما زمان السوء مال بركنه | علينا عدلناه بإحسان ثابت |
كريم يفوق الناس سروا وكتبة | وليس الذي ترجوه منه بفائت |
لما أن مان أحمد بن أبي خالد كاتب المأمون أحضر أبا عباد ليجعله مكانه فقال يا أمير المؤمنين، إني صاحب حساب وضبط للأعمال وهذا الأمر يحتاج إلى لسن وأدب وفصاحة وبلاغة، وهذا مجتمع لك في أحمد بن يوسف وكأن المأمون كره قوله، فقال له: إن عقد أمير المؤمنين الأمر لأحمد للعرض عليه والكتاب بين يديه ضبطت له ما سوى ذلك، فأجابه المأمون إلى قوله واستوزر أحمد بن يوسف، فلما مات أحمد، أجبر المأمون أبا عباد على العرض عليه، فعرض على المأمون شهورا، ورتب الناس في المكاتبة كما رتبهم أحمد بن أبي خالد، لأن أحمد بن يوسف نقص الناس في المكاتبة، فشكر الناس أبا عباد. ولم يزل عليه مديدة إلى أن زاد عليه أمر النقرس، وكان يعتاده كثيرا إلا أنه زاد عليه حتى أبطله، فاستخلف على العرض أبا عبد الله محمد بن يزداد. وكان المأمون ربما احتاج إلى مشافهة أبي عباد في الأمور فيحمل في محفة حتى يخاطبه بما يريد، ثم ينصرف. كتب أحمد بن أبي خالد، وقد سأله فكاك أسرى: قد فككنا أسراك قال: لا فك الله من أياديك رقاب الأحرار. وقال أبو عباد: ما جلس أحد بين يدي إلا تمثل لي أنني جالس بيد يديه، علما مني بتنقل الأمور وتصرف الدهور. وفيه يقول دعبل الخزاعي:
ما للخليفة عيب | إلا أبو عباد |
قرد بنوه قرود | تأوي إلى قراد |
وفيه يقول أيضا:
أولى الأمور بضيعة وفساد | أمر يدبره أبو عباد |
خرق على جلسائه بذواته | فمزمل ومخضب بمداد |
وكأنه من دير هرقل مفلت | حرد يجر سلاسل الأقياد |
فاشدد أمير المؤمنين وثاقه | فأصح منه بغية الحداد |
وقيل للمأمون: إن دعبلا هجاك، فقال: من جسر أن يهجو أبا عباد مع عجلته وانتقامه، جسر أن يهجوني مع تأني وعفوي. وتوفي أبو عباد سنة عشرين ومائتين، ومولده سنة خمس وخمسين ومائة.