ابن جوبان تمرتاش بن جوبان النوين؛ كان حاكم البلاد الرومية، فتتح بلادا وكسر جيوشا، وكان إذا كان وقت اللقاء نزل قعد على الأرض وأمر أصحابه بالقتال، واستعمل الخمر، فإذا انتشى، ركب جواده وحمل فلا يثبت له أحد، ويقول لأصحابه: أي من مات فإقطاعه لوالده أو لقرابته لا يخرج عنه شيء، وأي من هرب فأنا خلفه أينما توجه، أحضره وما أبقيه، فالأولى به أن لا يهرب، وكان قد خطر له أنه المهدي، وتسمى بذلك، فبلغ أباه جوبان الخير، فأتاه واستتوبه من ذلك وأحضره معه إلى خدمة بو سعيد، فلما حضر معه إلى الأردو رأى الناس ينزلون قريبا من خام الملك، فقطع بالسيف أطناب الخيم ووقف على باب خام السلطان ورمى بالطومار؛ وقال: أينما وقع، ينزل الناس على دائرته. فاعجب ذلك بو سعيد، فلما مات أخوه دمشق خواجا وهرب أبوه. اجتمع هو بالأمير سيف الدين أيتمش وطلب الحضور إلى مصر وحلف له، فحضر في جمع كبير وخرج الأمير سيف الدين تنكز وتلقاه، وتوجه إلى الديار المصرية ولم يخرج له السلطان وأمر برد من حضر معه الا القليل واعطى لكل واحد خمس مائة درهم وخلعة، فعاد الجميع إلا نفر يسير فأراد السلطان أن نقطعه شيئا من أخباز الأمراء، فقال الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب: يا خوند إبش يقال عنك أنك وفد عليك واحد، ما كان في بلادك ما تقطعه حتى أخذت له من أخباز الأمراء؟!، فرسم له بقطيا، ثم أمر له كل يوم بألف درهم إلى أن ينحل له إقطاع يناسبه. وكان يأخذ من بيت المال كل يوم ألف درهم. ورسم له السلطان على لسان الأمير سيف الدين قجليس أن يطلق من الخزانة ومن الاسطبل ما يريده ويأخذ منهما ما يختار، فما فعل من ذلك شيئا، ونزل إلى الحمام التي عند حوض ابن هنس، فأعطى الحمامي خمس مائة درهم وللحارس ثلاث مائة درهم. وكان الناس كل يوم موكب يقدون الشمع بين القصرين ويجلس النساء والرجال على الطرق يقولون: ننتظر أنهم يؤمرون تمرتاش، وعبرت عينه على الناس من مماليك السلطان الخاصكية الأمراء، وكان يقول: هذا كان كذا، وهذا كان كذا، وهذا ألماس كان جمالا، فما حمل السلطان منه ذلك. وألبس يوما قباء من أقبية الشتاء، ألبسه إياه حاجب صغير فرماه عن كتفه، وقال ما ألبسه إلا من يد ألماس الحاجب الكبير. ولم يزل في القاهرة إلى أن قتل أبوه جوبان في تلك البلاد، فأمسكه السلطان واعتقله، فوجد لذلك ألما عظيما، وقعد أياما لا يأكل شيئا، إنما يشرب ماء ويأكل البطيخ لما يجد في باطنه من النار. وكان قجليس يدخل إليه ويخرج ويطيب خاطره، ويقول له: إنما فعل السلطان هذا، لأن رسل السلطان بو سعيد على وصول، وما يهون على بو سعيد أن يبلغه أن السلطان أكرمك، وقد حلف كل منهما للآخر، فقال له يوما: أنا ضامن عندكم انكسر علي مال، إن كان شيء فالسيف، وإلا فما فائدة الحبس، والله ما جزائي إلا أن أسمر على جمل ويطاف بي في بلادكم ويقال هذا جزاء وأقل جزاء من يأمن إلى الملوك أو يسمع من أيمانهم. ثم إن الرسل حضروا يطلبون من السلطان تجهيز تمرتاش إلى بو سعيد، فقال ما أسيره ولكن خذوا رأسه، فقالوا ما معنا أمر أن نأخذه إلا حيا، وأما غير ذلك فلا. فأمروا أن يقفوا على قتله، وأخرج من سجنه ومعه أيتمش وقجليس وغيرهما، وخنق جوا باب القرافة، فكان يستغيث ويقول: أين أيتمش، يعني الذي حلف لي، وأيتمش يختبئ حياء منه، وقال: ما عندكم سيف تضربونني به؟، ثم حز رأسه وجهز إلى بو سعيد من جهة السلطان، ولم يتسلمه الرسل، وكتب السلطان إلى بو سعيد يقول: فقد جهزت إليك غريمك فجهز إلي غريمي قراسنقر؛ فما وصل الرأس حتى مات قراسنقر حتف أنفه، فقيل لبو سعيد: ألا تجهز رأس قراسنقر إليه؟، فقال: لا، إن الله أماته بأجله ولم أقتله أنا.
وكانت قتلته في رمضان سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، ودفنت جثته برا باب القرافة. ولما وصل إلى مصر أقاموا الأمير شرف الدين حسين بن جندر من الميمنة إلى الميسرة وأجلسوه في دار العدل، وشاور السلطان الأمير سيف الدين تنكز في إمساكه، فلم يشر بذلك؛ ثم إنه شاوره في قتله فقال: المصلحة استبقاؤه. فلم يرجع إلى رأيه، ثم إن الدهر ضرب ضرباته، وحالت الأيام والليالي، فظهر في بلاد التتار إنسان بعد موت بو سعيد وادعى أنه تمرتاش، وقال: أنا كنت عند بكتمر الساقي، وبكتمر الساقي جهزني خفية إلى بلاد البحر، وقتل غيري واحد يشبهني وجهز رأسه إلى بو سعيد. وصدق على ذلك، وأقبل عليه أولاده ونساءه، والتف عليه جماعة كثيرة وحشد عظيم، وعزم على الدخول إلى الشام إلى أن كفى الله شره. ولم يزل أمره يقوى حتى إن السلطان كابر نفسه وحسه وقال: ربما إن الأمر صحيح، وقد يكون مماليكي خانوا في أمره، ونبش قبره، وأخرجت عظامه، وأحضر المنجمين وغيرهم ممن يضرب المندل، وأحضر سيف تمرتاش، وقال: صاحب هذا يعيش أو مات؟، فقالوا له: مات. ولم يزل شكه إلى أن مات هذا الدعي. وخلف تمرتاش من الأولاد: الشيخ حسن ومصر ملك وجمدغان وبير حسن وتودان وشيدون.
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 10- ص: 0