تاج الدين الذهبي مظفر بن محاسن.
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 10- ص: 0
تاج الدين الذهبي مظفر بن محاسن بن علي، هو تاج الدين بن أبي الفضل الموصلي الأصل، الدمشقي المولد، الذهبي. مولده في العشر الأول من ذي الحجة سنة سبع وست مائة. أخبرني من لفظه الإمام الحافظ أثير الدين أبو حيان قال: استعرت ديوانه منه وكتبت منه كثيرا، مما اخترته وقرأته عليه، فمن ذلك قوله:
إذا أشرقت نفس الفتى وتلطفت | طفت فتراها بالهوى تتعلق |
وتعد بالفدم الغبي كثافة | تجاذبه نحو الحضيض فتغرق |
وساق لشمس الراح في فيه مغرب | لأن لها من أفق خديه مشرق |
إذا ما سعى بالكأس كان مبشرا | بكسر جيوش الهم وهو مخلق |
تعاهدني أعطافه ثم تنثني | ويطعن رمح القد قلبي فيصدق |
بخصر يرى مثل السراب ممنطقا | وردف تخال الموج فيه يصفق |
فوصيده للصيد قبله قبلة | فعصائب التيجان فيه تعفر |
وإذا أردت الفضل فاقصد كفه | فهو الربيع إذا انتجعت وجعفر |
هو فاطر كبد الحسود وكم سبا | في الروم والأحزاب منهم يأسر |
وببابه الشعراء كالنمل اغتدوا | هو كهفها فبيوسف تستبشر |
أسد العرين عرين من سطواته | فبه حقيقا لا يقاس القسور |
أمن وصحة جسم | وكسر بيت وكسره |
نهاية العيش فاقنع | وشره حين تشره |
راحت تدير بمقلتيها الراحا | فغبقت من أحداقها أقداحا |
وجلت لنا من تحت ليل غدائر | قبل الصباح من الجبين صباحا |
ناديتها رفقا بصب مدنف | قد مال من سكر الغرام وطاحا |
قد مسه قرح الصدود فبرؤه | لو كان يرشف من لماك قراحا |
فتبسمت دلا وقالت: هكذا | يلفى مليحا من يحب ملاحا |
قم فاهصر الغصن الرطيب وكسر الر | مان فيه وعضض التفاحا |
سن الظبي من لحظه الوسنان | ورنا فراش سهامه ورماني |
وبدا فذاب البدر من حسد له | فلذاك ما ينفك في نقصان |
ماء النعيم يرف من وجناته | يسقي رياض شقائق النعمان |
قالت عقود نهوده لقوامه | من أنبت الرمان في المران؟ |
بدر سما للمجتلي، ثمر نمى | للمجتني، بحر طمى للمجتدي |
سل عنه وادن إليه واستمسك تجد | ملء المسامع والنواظر واليد |
جاور عليا ولا تحفل بحادثة | إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل |
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد | ملء المسامع والأفواه والمقل |
قالوا استدار الشعر، بالخد | أولا تفيق؟ فقلت: من رشدي |
لا تنكروا المخضر في المحمر من | خديه تلك كمائم الورد |
زمرد شاربه الأخضر | ينم على ثغره الجوهري |
وريق اللمى طعمه سكر | وذاك النبات من السكر |
لقد خاب من يرجو رجوع شبابه | بصبغة نيل تنتهي وتحول |
وكأن بقاياها بصفحة خده | سهام المنايا والنصول نصول |
من منصفي من ساحر ساخر | يزيد من ذلي لديه اعتزاز |
مذ وشحت خداه بالعارض المر | قوم قال الناس: دار الطراز |
إن الطفيلي له ميزة | على الندامى عند أهل العقول |
لأنه أحسن بي ظنه | فزار عفوا وأراح الرسول |
وأمرد ضاق عن معاملتي | أودعت فاه خفيف دينار |
فقال: بهرجت ذا الخفيف لنا | فقلت: والضرب خارج الدار |
وقالوا لم قعدت عن التهاني | ولم تصل القطائع بالتداني؟ |
فقلت: لسان عذري في عذاري | يبرهن عن قعودي والتواني |
مشيبي قاذف بغراب فودي | فكل الغانيات له شواني |
يا حاتم الجود بل يا يوسف الثاني | إشفع فديتك إحسانا بإحسان |
ماذا أقول وعكس الحال حيرني | يا مالكي أحرقتني دار رضوان |
كلفت بتصوير الدمى في شبيبتي | وأتقنتها إتقان حبر مهدب |
وحاولت عنها رجعة ومدحتكم | فلم أخل من تزويق زور مكذب |
منعتني من أن أراك خيول | ضاق صدري بها وضاق السبيل |
هي ما بيننا تجول وما ينكـ | ـر تصحيف من يقول: تحول |
منظر مثلما رأيت مروع | وسماع كما سمعت مهول |
مقنب خلف مقنب متوال | ورعيل يقفوه ثم رعيل |
وجمال محملات وقد قاـ | ـبلها مثلها عليها حمول |
وبغال تأتي بزبل فتلقا | ها بغال غشم عليها طبول |
ودواب الحلفاء والماء والطيـ | ـن وقوم ترمى وقوم تشيل |
وروايا موترات من الآ | ثار ما لا يمحى وما لا يزول |
كاع فيها الغسال من كثرة الغـ | ـسل وضاع الصابون والغاسول |
وجباة الأسواق بالقرد والدـ | ـب وسبع من آخرين وفيل |
وصراخ وغاغة وصياح | وبغيض وغائط وثقيل |
وجحيش مستنكر ونهاق | ورغاء مزعزع وصهيل |
وكسير على يد متوك | وعلى الكتف آخر محمول |
وثياب تخرقت بالمهاميـ | ـر وباللجم رفوها مستحيل |
ومواعين من غضار وفخاـ | ـر على أهلها الغضار تميل |
فتراها وقد رجعن شقافاـ | ـولأصحابها عليها عويل |
وسقوط الأطفال من زحمة الخيـ | ـل وللأمهات عنها ذهول |
ولكم أزمنت حوافرها خلـ | ـقا كثيرا وكم لهن قتيل |
وعليها من لا يخاف علينا | وإذا قال: لا نطيق، نقول |
وهو من تيهه بلفظة إيا | ك وحاشاك أو تنح بخيل |
ما الذي عنده تدار المنايا | كالذي عنده تدار الشمول |
فلك العذر أيها الخل إن لم | آت أو يأت من جهاتي رسول |
سيدي من زيارتي أنت معفى | وعلينا مزاركم والمثول |
أنا أسعى إليك سعي محب | ومحق بفعله ما يقول |
لوغدت داركم بنجد أتينا | لم ترعنا حزونها والسهول |
والصخور الكبار بالعجل العا | جل الخيل إذ تراها جفول |
ورجال يحملن ما سلخ الجز | ار منه الدماء سحا تسيل |
وبكال ملئن من وسخ المسـ | ـلخ ما للدواب منه حمول |
وبقلبي إذا الكلاب من المسـ | ـ لخ وافين وانتفضن عليل |
ولكم رابني وعيد سرير | من جريد به العمائم حول |
وقميصي من قطع بنتكة=الفوال=شلت يمينهـ | ـمشلول |
ثم شقا يرش بالقربة السو | ق سريعا ذيلي به مبلول |
وزحام والجرح في كتف المنـ | ـبل يجري ونصله مسلول |
وحمية الترس إذ زجروها | حيث أنا عن صدهن غفول |
ودفوف المزكلشين وللنا | س عليهم تزاحم دخول |
وجمال الأجناد إذ تجلب الأحـ | ـطاب والسيروان فدم جهول |
وطبا لي الشواء مع بطة الز | يات لم ينق طبعها الغاسول |
وحمار الأسطار يدعى بإقليد | س تشكيل ضبطه محلول |
وبرجلي معالج صخرة إن | هي زلت علي إني قتيل |
ولو أن البليغ يستوعب الأنـ | ـكاد فيها لكان شرحا يطول |
ياخليلي أنتما المأمول | ومناي من الورى والسول |
بكما راقت الفضائل وانسا | غت بطيب كما تساغ الشمول |
عجبا منكما صديقين صدقا | لكما عن مزار كل عدول |
لا يصد الخليل عن زورة الخـ | ـل إذا ما أتاه أمر مهول |
لا ولا زحمة الخلائق في الأسـ | ـواق كل عليه جهلا يميل |
وحمير البلاط والجبس تجري | والورى في الزحام عنها غفول |
وحمار الزبال يعثر الزبـ | ـل أمامي والريح ريح قبول |
وغبار النحات والسبل المنكـ | ـي ودمعي إذ قابلتني همول |
ولكم قد وقعت من طعنة القبا | ن حيث الوزان فدم جهول |
ومنادي السيوف زاهية حيـ | ـث ينادي وسيفه مسلول |
ولقدر الشرايحي سخام | في ثيابي بالغسل لا يستحيل |
وكذاك الإمراق من مطبخ السلـ | ـطان يجري بها الغلام العجول |
وزحام المجذمين مع البر | ص فقلبي من لمسهن عليل |
ووقوع المياه من دار قوم | فوق رأسي بالوه أو لم يبولوا |
ولكم سلحة من الطاق ترميـ | ـها فتاة إذ طفلها مسهول |
وبرأسي منها علامة ذمـ | ـي كأني أبو العلا شمويل |
وحمار مطر مذ عجل إن | نال ظهري إني إذا لقتيل |
وسراب الحمام يحفر إذ ضا | ق ففيض المياه منه تسيل |
وسقوط الأحجار من كل هدم | وذراعي من وقعها مشلول |
ورجال قد زاحموني بأثقا | ل لهم عند عتلها ترتيل |
والذي يذبح الدجاج ويرميـ | ـهن والدم سايح مطلول |
وارتياعي إذا المجرس وافى | مقبلا مدبرا به تنكيل |
وعصاة الضرير تخرح كعبـ | ـي وذيلي بطينها مبلول |
كل ذا هين على صاحب الشو | ق وإكثاره عليه قليل |
فذرا أيها الخليلان عذرا | هو عندي إن زرتما مقبول |
وخذاه نظما حكى البرد وشيا | ولأهدابه عليه فضول |
قلت للثغر والبحر معا | إن تاج الدين والدنيا حضر |
فاهد يا ثغر ثناياك له | واهد يا بحر له منك الدرر |
حسن أنت وما تأتي به | من مقال وفعال وأثر |
إن أكن تاجا فقد حليتني | من معانيك بمكنون الدرر |
ولكم أعربت من معجزة | غبرت في وجه من قبل غبر |
قد أمرت البحر أن يهدي لنا | وهو وقف حيثما المولى أمر |
ولذا الثغر التقاني باسما | ولكم قبلك عن ناب كشر |
من يكن عبدك هذا شأنه | لا يرى في الدهر إلا أن يسر |
ومدى نظمك من يبلغه | فاقتنع مني بمنزور حضر |
من لقلب نظمت أشواقه | ولجفن نثرت منه سلوك |
ولقد قلت وقد راع الحشا | فرقة التاج وداعيها الوشيك |
ما فراق التاج عندي هينا | لفراق التاج ترتاع الملوك |
أنا التاج الذي رصعت درا | بدر ثناك والنثر السبيك |
ثبوت لا تغيرني الليالي | خلاص ليس بي في الود توك |
ويا حسن الفعال ملكت رقي | بإحسان فليس به شريك |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 25- ص: 0