بشتاك الناصري بشتاك، الأمير سيف الدين الناصري؛ كان شكلا تاما أهيف القامة حلو الوجه. قربه السلطان وأدناه وأعلى منزلته، وكان يسميه في غيبته بعد موت بكتمر بالأمير. وكان زائد التيه والصلف، لا يكلم أستاذ الدار ولا الكاتب إلا بترجمان. وكان إقطاعه سبع عشرة طبلخاناة، أكبر من إقطاع قوصون، وما يعلم قوصون بذلك. ولما مات الأمير سيف الدين بكتمر الساقي، ورثه في جميع أحواله: في داره وإسطبله الذي على البركة وفي امرأته أم أمير أحمد، وشرى جاريته خوبى بستة آلاف دينار ودخل معها ما قيمته عشرة آلاف دينار، وأخذ ابن بكتمر عنده، وكانت الشرقية تحمى له بعد بكتمر الساقي. وزاد أمره وعظم محله، وثقل على السلطان وأراد الفتك به فما تمكن. وتوجه إلى الحجاز، وأنفق في الأمراء وأهل الركب والفقراء المجاورين بمكة والمدينة شيئا كثيرا للغاية من آلاف الدنانير إلى الدينار، على مراتب الناس وطبقاتهم. ولما عاد من الحجاز لم يدر به السلطان إلا وقد حضر إليه في نفر قليل من مماليكه وقال: إن أردت إمساكي، فها أنا قد جئت إليك برقبتي؛ فكابره السلطان، وطيب خاطره. وكان غير عفيف الذيل عن المليح والقبيح، وبالغ في ذلك وأفرط حتى في نساء الفلاحين وغيرهم، ورمي بأوابد ودواهي من هذه المادة. وكان سبب قربه أن السلطان قال لمجد الدين السلامي: أريد تشتري لي من البلاد مملوكا يشبه بو سعيد - يعني ملك التتار - فقال له: هذا بشتاك يشبهه. وجرده السلطان لإمساك الأمير سيف الدين تنكز، فحضر إلى دمشق بعد إمساكه هو وعشرة أمراء، ونزل القصر الأبلق وفي خدمته الأمير سيف الدين أرقطاي وبرسبغا، وطاجار الدوادار وغيره. وحال نزوله حلف الأمراء كلهم للسلطان وذريته، واستخرج ودائع تنكز، وعرض حواصله ومماليكه وخيله وجواربه وكل ما يتعلق به. ووسط طغاي وجنغاي مملوكي تنكز في سوق الخيل وأوزان أيضا في سوق الخيل بحضوره يوم الموكب. وأقام بدمشق خمسة عشر يوما أو ما حولها، وعاد إلى مصر وبقي في نفسه من دمشق، وما يجسر يفاتح السلطان في ذلك. فلما مرض السلطان وأشرف على الموت، ألبس الأمير سيف الدين قوصون مماليكه، فدخل بشتاك وعرف السلطان ذلك، فقال له: افعل أنت مثله. ثم إنه جمع بينهما وتصالحا قدامه، ونص السلطان على أن يكون الملك بعده لولده المنصور أبي بكر، فلم يوافق، وقال: ما أريد إلا سيدي أحمد. فلما مات السلطان وسجي، قام قوصون إلى الشباك وطلب بشتاك، وقال له: يا أمير تعال، أنا ما يجي مني سلطان، لأني كنت أبيع الطمسا والبرغالي والكشاتوين، وأنت اشتريت مني وأهل البلاد يعرفون ذلك مني، وأنت ما يجي منك سلطان لأنك كنت تبيع البوزا وأنا اشتريت منك وأهل البلاد يعرفون ذلك منا، فما يكون سلطانا من عرف ببيع الطمسا والبرغالي ولا من عرف ببيع البوزا، وهذا أستاذنا هو الذي أوصى لمن هو أخبر به من أولاده، وهذا هو في ذمته، وما يسعنا إلا امتثال أمره حيا وميتا، وأنا ما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره أو لو أردت كل يوم تعمل سلطانا ما خالفتك. فقال بشتاك: كل هذا صحيح والأمر أمرك. وأحضرا المصحف وحلفا عليه بعضا لبعض، وتعانقا وتباوسا، ثم قاما إلى رجلي السلطان فقبلاهما، ووضعا ابن السلطان على الكرسي، وباسا الأرض له، وحلفا له، وسمياه المنصور. ثم إن بشتاك طلب من السلطان الملك المنصور أبي بكر نيابة دمشق، فرسم له بذلك وكتب تقليده، وبرز إلى ظاهر القاهرة، وبقي هناك يومين، ثلاثة، ثم إنه طلع إلى السلطان ليودعه، فوثب عليه الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري وأمسك سيفه؛ وتكاثروا عليه، فأمسكوه، وجهزوه إلى الإسكندرية واعتقلوه بها. ثم إنه قتل في الحبس أول سلطنة الملك الأشرف كجك في شهر ربيع الآخر تقريبا سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة. وأعطاه السلطان في يوم واحد ألف ألف درهم ليشتري بها قرية يبنا من عمل ساحل الرملة. وأخبرني طغاي مملوك أمير حسين ابن جندر - وكان أمير مجلس عند بشتاك - قال لنا: رأيت برسم الفحم للمشوي في كل يوم يمضي عشرون درهما. ولما توجه بأولاد السلطان إلى دمياط، رأيته في كل يوم يذبح لسماطه خمسين رأس غنم وفرسا، لا بد منه، خارجا عن الدجاج والإوز. وبشتاك المذكور هو أول من أمسك من أمراء الدولة بعد الملك الناصر محمد بن قلاوون وفتك به وقتل. وفيه قلت أنا:
قال الزمان وما سمعنا قوله | والناس فيه رهائن الأشراك |
من ينصر المنصور من كيدي وقد | صاد الردى بشتاك لي بشباك |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 10- ص: 0
بشتاك بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وتاء ثالثة الحروف وبعدها ألف وكاف: الأمير سيف الدين الناصري.
قربه السلطان وأدناه وأعلى محله، وكان يسميه بعد موت بكتمر الساقي بالأمير في غيبته، وكان زائد التيه والصلف، لا يكلم أستاذ داره وكاتبه إلا بترجمان. وكان يعرف بالعربي ولا يتكلم به، وكان إقطاعه سبع عشرة طبلخاناه، اكبر من إقطاع قوصون، وما يعلم قوصون بذلك.
ولما مات الأمير سيف الدين بكتمر الساقي ورثه في جميع أحواله، في داره وإصطبله الذي على بركة الفيل، وفي امرأته أم أمير أحمد، واشترى جاريته خوبي بستة آلاف دينار، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، واخذ ابن بكتمر عنده. وكانت الشرقية تحمى له بعد بكتمر الساقي.
وزاد أمره وعظم وثقل على السلطان، وأراد الفتك به فما تمكن، توجه إلى الحجاز، وأنفق في الأمراء وأهل الركب والفقراء والمجاورين بمكة والمدينة شيئا كثيرا إلى الغابة، وأعطى من الألف دينار إلى الدينار على مراتب الناس وطبقاتهم. ولما عاد من الحجاز لم يدر به السلطان إلا وقد حضر إليه في نفر قليل من مماليكه، وقال: إن أردت إمساكي فها أنا قد جئت إليك برقبتي. فكابره السلطان وطيب خاطره، ورمي بأوابد ودواهي من أولاد الزنا، وكان السبب في تقدمه أن قال السلطان يوما لمجد الدين السلامي: يا مجد الدين، أريد أن تحضر من البلاد مملوكا يشبه بوسعيد - يعني ملك التتار -. فقال: هذا مملوكك بشتاك يشبهه، وكان ذلك سببا لتقدمه.
وجرده السلطان لإمساك الأمير سيف الدين تنكز، فحضر إلى دمشق بعد إمساكه هو وعشرة أمراء، ونزلوا القصر الأبلق، وفي خدمته الأمير سيف الدين أرقطاي وبرسبغا وطاجار الدوادار وغيره. وحال نزوله حلف الأمراء كلهم للسلطان ولذريته، واستخرج ودائع تنكز وعرض حواصله ومماليكه وجواريه وخيله وكل ما يتعلق به، ووسط طغاي وجنغاي ملوكي تنكز في سوق الخيل، ووسط أوران أيضا بحضوره يوم المواكب، وأقام بدمشق خمسة عشر يوما أو حولها، وعاد إلى مصر، وبقي في نفسه من دمشق وما يجسر يفاتح في ذلك السلطان، فلما مرض السلطان وأشرف على الموت ألبس الأمير سيف الدين قوصون مماليكه، فدخل بشتاك وعرف السلطان ذلك، فقال له: افعل أنت مثله، ثم إنه جمع بينهما وتصالحا قدامه، ونص السلطان على أن الملك بعده لولده المنصور أبي بكر، فلم يوافق بشتاك، وقال: ما أريد إلا سيدي أحمد.
ولما مات السلطان وسجي، قام قوصون إلى الشباك، وطلب بشتاك، وقال: يا أمير تعال، أنا ما يجيء مني سلطان، لأني كنت أبيع الطسما والبرغالي والكشاتوين. وأنت اشتريت مني، وأهل بلاد يعرفون ذلك مني، وأنت ما يجيء منك سلطان لأنك كنت تبيع البوزا وأنا اشتريت منك، وأهل البلاد يعرفون ذلك منا، ولا يكون سلطانا من بيع الطسما والبرغالي ولا من عرف ببيع البوزا، وهذا أستاذنا هو الذي أوصى لمن هو أخبر به من أولاده، وهذا هو في ذمته وما يسعنا إلا امتثال أمره حيا وميتا، وأنا فما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره، ولو أردت تعمل كل يوم سلطانا ما خالفتك. فقال بشتاك: كل هذا صحيح والأمر أمرك. وأحضر المصحف وحلفا عليه بعضا لبعض، وتعانقا وتباوسا، ثم قاما إلى رجلي السلطان فقبلاهما ووضعا أبا بكر ابن السلطان على الكرسي، وباسا له الأرض، وحلفا له وسمياه المنصور.
ثم إن بشتاك طلب من السلطان الملك المنصور نيابة دمشق، فرسم له بذلك وكتب تقليده، وبرز إلى ظاهر القاهرة، وبقي هناك يومين ثلاثة، ثم إنه طلع إلى السلطان ليودعه، فوثب عليه الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري، وأمسك سيفه، وتكاثروا عليه فأمسكوه وجهزوه إلى الإسكندرية واعتقلوه بها، ثم إنه قتل في الحبس في أول سلطنة الأشرف كجك في شهر ربيع الآخر تقريبا سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى شابا أبيض اللون ظريفا، مديد القامة نحيفا، خفيف اللحية كأنها عذار، أوليقة عنبر دار بها البركار، على حركاته رشاقة، وفي سكناته لباقة، حسن العمة يتعمم الناس أنموذجها، وكأنهم يتناولون منها حلوى فالوذجها، إلا أنه - رحمه الله كان غير عفيف الفرج، زائد الهرج والمرج، لم يعف عن مليحة ولا قبيحة، ولم يدع أحدا يفوته ولو كانت بفرد عين صحيحة، يمسك حتى نساء الفلاحين، ومن هي من زوجات الملاحين، واشتهر بذلك ورمي فيه بأوابد، وأثار الناس عليه من ذلك لبؤات لوابد.
وكان زائد البذخ، منهمكا على ما يقتضيه عنفوان الشبيبة والشرخ، كثير الصلف والتيه، لا يظهر الرحمة ولا الرأفة في تأتيه.
ولما توجه بأولاد السلطان ليفرجهم في دمياط رأيته في كل يوم يذبح لسماطه خمسين رأس غنم، وفرسا لا بد منه، خارجا عن الإوز والدجاج. وأخبرني سيف الدين طغاي مملوك الأمير شرف الدين حسين بن جندر، وكان أمير مجلس عنده قال: لنا راتب في كل يوم من الفحم برسم المشوي مبلغ عشرين درهما خارجا عن الطوارئ، وأطلق له السلطان في كل بقجة قماش من اللفافة إلى الخف إلى القميص واللباس والملوطة والبغلطاق والقباء، والقباء الفوقاني بوجه إسكندري على سنجاب طري بطرز زركش رقيق وكلوتة وشاش، ولم يزل يأخذها إلى أن مات السلطان، وأطلق له في يوم واحد ثمن قرية ’’يبنى’’ بساحل الرملة مبلغ ألف درهم، وهو أول أمير أمسك بعد وفاة الملك الناصر، وما أغنى المسكين عنه ماله، وأوبقته في السجن أعماله. وقلت أنا فيه:
قال الزمان وما سمعنا قوله | والناس فيه رهائن الأشراك |
من ينصر المنصور من كيدي وقد | صاد الردى بشتاك لي بشباك |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 1- ص: 690