المحيوي أيدمر المحيوي فخر الترك عتيق محيي الدين أبي المظفر محمد بن محمد بن سعيد بن ندى. نقلت من خط ابن سعيد المغربي في كتاب المشرق في أخبار المشرق في ترجمة هذا، قال: بأي لفظ أصفه، ولو حشدت جيوش البلاغة لفضله، لم أكن أنصفه. نشأ في الدوحة السعيدية فنمت أزاهره، وطلع بالسماء الندائية فتمت زواهره، جمعت لأقرانه أعلام الفنون حتى خرج آية في كل فن، وبرع في المنثور والموزون، مع الطبع الفاضل الذي عضده، وبلغه من رياسة هذا الشأن ما قصده. وكنت قبل أن أرتقي إلى السماء المحيوية كثيرا ما أسمع الثناء في هذه الطريقة عليه، فيهوى السمع والعين والقلب إليه، لاسيما حين سمعت قوله الذي أتى فيه بالإغراب، وترك مهيارا معلقا منه بالأهداب:
بالله إن جزت الغوير فلا تغر | بالميل منك معاطف الغزلان |
واستر شقائق وجنتيك هناك لا | ينشق قلب شقائق النعمان |
الروض مقتبل الشبيبة مونق | خضل يكاد غضارة يتدفق |
نثر الندى فيه لآلئ عقده | فالزهر منه متوج وممنطق |
وارتاع من مر النسيم به ضحى | فغدت كمائم نوره تتفتق |
وسرى شعاع الشمس فيه فالتقى | منها ومنه سنا شموس تشرق |
والغصن مياس القوام كأنه | نشوان يصبح بالنعيم ويغبق |
والطير ينطق معربا عن شجوه | فيكاد يفهم عنه ذاك المنطق |
غردا يغني للغصون فتنثني | طربا جيوب الظل منه تشفق |
والنهر لما راح وهو مسلسل | لا يستطيع الرقص ظل يصفق |
وسلافة باكرتها في فتية | من مثلها خلق لهم وتخلق |
شربت كثافتها الدهور فما ترى | في الكأس إلا جذوة تتألق |
يسعى بها ساق يهيج به الهوى | ويري سبيل العشق من لا يعشق |
تتنادم الألحاظ منه على سنا | خد تكاد العين فيه تغرق |
راق العيون غضاضة ونضارة | فهو الجديد ورق فهو معتق |
ورنا كما لمع الحسام المنتضى | ومشى كما اهتز القضيب المورق |
وأظلنا من فرعه وجبينه | ليل تألق فيه صبح مشرق |
وكأن مقلته تردد لفظة | لتقولها لكنها لا تنطق |
فإذا العيون تجمعت في وجهه | فاعلم بأن قلوبها تتفرق |
بطل تهيم عداته بسنانه | عشقا وقد الرمح مما يعشق |
فتضمه ضم الحبيب قلوبها | يوم الوغى وهو العدو الأزرق |
وافاك شهر الصوم يخبر أنه | جار بأيمن طائر مأمون |
ما زال يمحق بدره شوقا إلى | لقياك حتى عاد كالعرجون |
حللنا مقاما كلنا عبد ربه | فلا غرو أن نهدي له درر العقد |
رعى الله ليلا ما تبدى عشاؤه | لأعيننا حتى تطلع صبحه |
كأن تغشيه لنا وانفراجه | لقربهما إطباق جفن وفتحه |
وأغر مصقول الأديم تخاله | زرت عليه جلابب من مسجد |
ذي منخر كفم المزادة زانه | خد قليل اللحم غير مخدد |
وكأنه نال المجرة وثبة | فرمته وسط جبينه بالفرقد |
صناه عن وسم الحديد فوسمه | بالشكر من نعم الوزير محمد |
حبذا الفسطاط من والدة | جنبت أولادها در الجفا |
يرد النيل إليها كدرا | فإذا مازج أهليها صفا |
كأنما الهالة حول بدرها | كمامة تفتقت عن زهرها |
يا سهم هاج رداك لي بلبالا | وأطار نومي والهموم أطالا |
مذ بنت ما راع الحمام حمامة | يوما ولا علق المنون غزالا |
ولطالما شوشت من سرب المها | ألفا ومن سطر الكراكي دالا |
ولطالما أوجست نبأة طائر | يوما فطرت فجست منه خلالا |
قد كنت أعجب للقسي سقيمة | صفرا ترن كأنهن ثكالى |
فإذا بها علما بيومك في الردى | كانت عليك تكابد الأهوالا |
عجبا من الآجال كيف تقسمت | فيه وكان يقسم الآجالا |
كم لدينا هماينا | قد حوت محكم العمل |
فارغات من الدنا | نير ملأى من الأمل |
ذو قصر بين طويـ | ـلمين قد اجتاز بنا |
كأنه بينهما دمامة | نون ’’لنا’’ |
غضب البحر من حجاب منيع | حائل بينه وبين أخيه |
نزقته حمية الشوق حتى | خرق الحجب عله يلتقيه |
أحييت بالقصد الجليل | ما مات من علم الخليل |
فجزيت عنه خير ما | يجزى الخليل عن الخليل |
بات وسماره النجوم=ساهر فمن ترى | علمك السهد يا جفون |
صبا إلى مذهب التصابي | صاب لا يعدل |
فجنبه خافق الجناب | ناب مبلبل |
والطرف من دائم انسكاب | كاب مخبل |
لسانه للهوى كتوم=ساتر لما جرى | والشأن أن تستر الشؤون |
سباه مستملح المعاني عان | به البصر |
بذكره عن شدا الأغاني غان | إذا ادكر |
يقول ما ناظر يراني | ران إلى القمر |
يرنو إلى وجهي الحليم=حائر لما يرى | مرأى به تفتن العيون |
من أين للبدر في الكمال مالي | فيوصف |
والغصن هل عطفه بحالي حال | مزخرف |
وعارض النقص للهلال لالي | والكلف |
ولا فم الشمس منه ميم=ظاهر لمن قرا | ولا من الحاجبين نون |
ما كنت لولا درى بشاني شاني | أخشى افتضاح |
أفدي الذي راح للمثاني ثاني | عطف المراح |
إذا لمن صد أو جفاني فاني | فلا جناح |
لما لوى الجيد قلت ريم نافر=ثم انبرى | يمشي كما تتثنى الغصون |
أيا نداماي إن بالي بال | فغردوا |
صوتا أنا عنه لانتقالي قال | فرددوا |
في رتب المجد والمعالي عال | محمد |
دام له العز والنعيم قاهر=مقتدرا | يعز من شاء أو يهين |
طبتم وطابت لكم أصول=صولوا | بها وإن |
شئتم على الدهر أن تطولوا=طولوا | فما ومن |
وقطر جدواك إذ تنيل=نيل | هذا الزمن |
وعرف ذكراكم نسيم=عاطر إذا سرى | طاف به السهل والحزون |
ومجدكم بين ذا العباد=باد | لا يختفي |
فوق الربى منه والوهاد=هاد | من يقتفي |
قلتم له قم بكل ناد=ناد | هل معتفي |
فاعجب له وهو لا يريم=سائر=مشمرا | تحدى به العيس والسفين |
صلب على حادث يقاسي=قاس | للزمن |
طود لدى موقف المراس=راس | لا ينثني |
يلقى الوغى منه في لباس=باس | محصن |
ليث إذا التفت الخصوم=خادر من الشرى | له القنا في الوغى عرين |
كم موقف ليس للسلاح=لاح | في الأرؤس |
وكاتب الموت بالرماح=ماح | للأنفس |
جنابه ظاهر افتضاح=ضاح | لم يرمس |
رزنت إذ خفت الحلوم=شاهر مجوهرا | يفعل ما تشتهي المنون |
عهد البين إلى عيني البكا | ثم أوصاها بأن لا تهجعي |
في سبيل الحب قد هلكا | شيع الركب ولما يرجع |
حاش لله أراه ملكا | مثل ذا فاعشق وإلا فدع |
أيها البدر تغيب ويحكا | ما احتياج الناس للبدر معي |
أبصر البحر نداه فحكى | فهو إن ظن سوى ذا مدعي |
لي حسن الذكر والمال لكا | فاقترح تعط وقل يستمع |
وهو في المال كثير الشركا | ومن الحمد كثير الشيع |
في طوى السؤدد فاخلع نعلكا | وادعه يأت بكبرى يوشع |
لابسا لما تجلى فنكا | وبدت شمس الضحى في برقع |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 10- ص: 0