التصنيفات

ألجيبغا الأمير سيف الدين المظفري تقدم أيام المظفر حاجي إلى الغاية ولم يكن عنده أحد في رتبته، ولم يزل اثيلا أثيرا إلى أن جرى للمظفر حاجي ما جرى على ما سيأتي في ترجمته. وتولى الناصر حسن أخو المظفر فاستمر معظما. وكان أحد أمراء المشور الذين تصدر الأوامر عنهم، ولم يزل إلى أن وقع الاختلاف بين هؤلاء الأمراء، فأخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير حسام الدين لاجين أمير آخور. وطلب الأمير حسام الدين المذكور إلى مصر في تاسع شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة. قيل: إنهم اختلفوا بعد إخراج الأمير شهاب الدين أحمد أمير شكار إلى صفد، فعملوا يوما مشورا وهو في الجملة فقال: أيش تريدون؟ قالوا له: تروح أنت إلى طرابلس نائبا! فقال: إذا كان لا بد من إخراجي فأكون في حماة نائبا. فقالوا له: نعم! وطلبوا له تشريفا لبسه وأخرجوه إلى حماة. فلما كان في أثناء الطريق ألحقوه بمن قال له: تروح إلى دمشق أميرا! فحضر إلى دمشق على ما تقدم، ولم يزل بها مقيما على إمرته إلى أن حضر الأمير سيف الدين قجا السلاحدار الناصري في أثناء شعبان سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فأخذه وتوجه به إلى طرابلس نائب سلطنة بها عوضا عن الأمير بدر الدين ابن الخطير‎، فأقام بها نائبا إلى أوائل شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبعمائة.
وورد كتابه على أرغون شاه نائب الشأم يقول له فيه: إنني أشتهي أن أتوجه إلى الناعم لأتصيد به، وما يمكنني ذلك إلا بمرسومك. فقال: بسم الله، المكان مكانك! وأذن له، فحضر إلى الناعم وأقام على بحرة حمص أياما يتظاهر بالصيد، ثم إنه ركب في ليلة بمن معه من العسكر الطرابلسي وساق إلى خان لاجين ونزل به، وأقام من الثانية في النهار إلى أن اصفرت الشمس وركب بمن معه وجاء إلى الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب دمشق وهو مقيم في القصر الأبلق فأمسكه من فراشه وأخرجه وجهزه إلى زاوية المنيبع وقيده، وذلك بمعونة الأمير فخر الدين أياز السلحدار. ويقال: إنه ما وصل إلى سوق الخيل بدمشق حتى إن الأمير فخر الدين أياز دق باب القصر الأبلق وأخرج أرغون شاه وأمسكه، ثم لما انفجر الصبح نزل بالميدان الأخضر وطلب أمراء الشأم والمقدمين وأخرج لهم كتاب السلطان وقال: هذا مرسوم السلطان بإمساك أرغون شاه! فما شك أحد في ذلك. ثم إنه احتاط على أموال أرغون شاه وأخذها وأخذ جواهره، وكان ذلك بكرة الخميس ثالث عشرين شهر ربيع الأول. ولما أصبحت الجمعة ظهر الخبر بأن أرغون شاه ذبح نفسه، وأحضروا نائب الحكم والعدول وأروهم أرغون شاه مذبوحا وبيده سكين، ولما أخذ الأموال حصلها عنده في القصر الأبلق بعد ما جهز بريدا إلى باب السلطان وطالع بإمساك أرغون شاه وأنه ذبح نفسه وجهز ذلك على يد الأمير عز الدين أيدمر الشمسي، وأقام والأمراء في خدمته إلى يوم الثلاثاء، فتحدث الأمراء فيما بينهم لأنه أراد أن ينفق فيهم ويحلفهم فأنكروا ذلك، ولبسوا آله الحرب ووقفوا بسوق الخيل وليس هو وجماعة من الجراكسة والأمير فخر الدين أياز ومماليكه وخرجوا إلى العسكر، وكانت النصرة لألجيبغا وقتل جماعة من عسكر الشأم، ورموا الأمير بدر الدين ابن الخطير والأمير سيف الدين طيدمر الحاجب عن الفرس وقطعت يد الأمير سيف الدين ألجيبغا العادلي أحد مقدمي الألوف بدمشق وأخذ أموال أرغون شاه وجواهره وتوجه بها العصر وخرج على المزة وتوجه على البقاع إلى طرابلس وأقام بها. فما كان بعد أيام إلا وقد جاءت الملطفات إلى أمراء الشأم بإنكار هذه القضية وأن هذا أمر لم نرسم به ولا علمنا به، فتجتهدوا على إمساك ألجيبغا وأستاذداره تمربغا وتجهيزهما والكتاب الذي ادعى أنه بمرسومنا إلى الأبواب الشريفة! وكتب بذلك إلى سائر نواب الشام، فتجردت العساكر إليه وربطوا عليه الدروب وسدوا عليه المنافس. فبلغته الأخبار فخرج من طرابلس، وخرج خلفه العسكر الطرابلسي إلى أن جاء إلى نهر الكلب عند بيروت، فوجده موعرا وأمراء الغرب وتركمان وجبلية وأهل بيروت واقفين في وجهه، فوقف من الثانية في النهار إلى العصر فكر راجعا، فوجد العسكر الطرابلسي خلفه، فواقفوه ولم يزالوا به إلى أن كل ومل فسلم نفسه، فجاءوا به إلى عسكر الشأم وكان أياز قد تركه وانفرد عنه وهرب في ثلاثة أنفار من مماليكه، فأمسكه ناصر الدين ابن معين في قرية العاقورة، وأحضره إلى قلعة بعلبك فقيد بها. وقدم العسكر الشامي بأياز وبألجيبغا مقيدين إلى قلعة دمشق واعتقلا بها، ثم إنهم جهزوا ألجيبغا إلى باب السلطان صحبة الأمير سيف الدين باينجار الحاجب، فوصل من مصر يوم الأربعاء الأمير سيف الدين قجا السلاحدار وعلى يده كتاب السلطان بأن يوسط ألجيبغا وأياز في سوق الخيل بحضور العساكر الشامية ويعلقا على الخشب إلى أن يقعا من نتنهما. فلما كان يوم الخميس ركب العسكر الشامي جميعه والأمير شهاب الدين أحمد نائب صفد وأنزلوا ألجيبغا وأياز من القلعة ووسطوهما وعلقت أشلاؤهما على الخشب بالحبال في البكر على وادي بردا بسوق الخيل، وذلك في حادي عشري شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبعمائة. وتألم بعض الناس على ألجيبغا ورحم شبابه لأنه كان ابن تسع عشرة سنة كما بقل عذاره وطر شاربه وكان شابا ظريفا ممشوقا تام الشكل حلو الوجه ظريف الحركات. وقيل: إن أياز هو الذي غره وحسن له هذا الفعل. والله يعلم حقيقة الحال.
وقلت فيه:

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 9- ص: 0

ألجيبغا الأمير سيف الدين المظفري الخاصكي. تقدم في أيام الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد. لم يكن عنده أحد في رتبته، ولم يزل أثيلا عنده أثيرا، إلى أن جرى للمظفر ما جرى، على ما سيأتي في ترجمته. وتولى السلطان الملك الناصر حسن، فاستمر معظما.
وكان أحد أمراء المشور الذين تصدر عنهم الأوامر والنواهي إلى أن وقه الاختلاف بين هؤلاء الأمراء، فأخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير حسام الدين لاجين أمير أخور، وطلب أمير آخور إلى مصر، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
يقال: إنهم اختلفوا بعد إخراج أحمد الساقي إلى صفد، فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: تخرج نائبا إلى طرابلس. فقال: إذا كان لا بد من خروجي فأكون في حماة. فقالوا له: نعم. وألبسوه تشريفا، وخرج. ولما كان في أثناء الطريق ألحقوه بمن قال له: تروح إلى دمشق أميرا. فجاء إليها. ولم يزل بها على إمرته إلى أن حضر الأمير سيف الدين قجا السلاح دار في أثناء شعبان سنة تسع وأربعين فأخذه وتوجه به إلى طرابلس نائبا عوضا عن الأمير بدر الدين أمير مسعود بن الخطير، فأقام بها نائبا إلى أوائل شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبع مئة، وورد كتابه على أرغون شاه نائب الشام، ويقول فيه: أشتهي أن أتوجه إلى الناعم أتصيد به، وما يمكنني ذلك إلا بمرسومك. فقال له: ’’بسم الله’’. المكان مكانك.
فحضر إلى الناعم، وأقام على بحرة حمص أياما يتظاهر بالصيد، ثم إنه ركب ذات ليلة بمن معه من العساكر، وساق إلى خان لاجين، ونزل به، وأقام من الثانية في النهار إلى أن اصفرت الشمس، وركب بمن معه وجاء إلى أرغون شاه وهو مقيم في القصر الأبلق، وجرى له ما جرى على ما تقدم في ترجمة أرغون شاه.
ويقال: إنه ما وصل إلى سوق الخيل حتى قضى له الشغل الأمير فخر الدين أياز السلاح دار. ثم إنه لما انفجر الصبح نزل بالميدان الأخضر، وطلب أمراء الشام، وأخرج لهم كتاب السلطان، وقال: هذا مرسوم السلطان بإمساك أرغون شاه، فما شك أحد في ذلك، واحتاط على أموال أرغون شاه وجواهره وجميع موجوده، وذلك في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول.
ولما كان في يوم الجمعة بكرة ظهر الخبر أن أرغون شاه ذبح روحه.
وكان قد جهز بريدا إلى باب السلطان بإمساكه، ومعه سيفه، وأقام والأمراء في خدمته إلى يوم الثلاثاء، فتحدث الأمراء فيما بينهم؛ لأنه أراد أن ينفق فيهم ويحلفهم، فأنكروا ذلك، ولبسوا السلاح، ووقفوا بسوق الخيل، ولبس هو وجماعة من الجراكسة وفخر الدين أياز ومماليكه، وخرجوا إلى العسكر، وكانت النصرة لألجيبغا، وقتل جماعة من أمراء الشاميين، ورموا الأمير بدر الدين أمير مسعود والأمير سيف الدين طيدمر أمير حاجب عن الفرس إلى الأرض، وقطعت يد الأمير سيف الدين ألجيبغا العادلي، على ما سيأتي، وأخذ ألجيبغا الأموال والجواهر، وخرج العصر من دمشق على المزة، وتوجه على البقاع إلى طرابلس، وأقام بها، فما كان بعد أيام إلا وقد جاءت الملطفات إلى أمراء الشام من باب السلطان بإنكار هذه القضية، وأن هذا أمر لم نرسم به ولا لنا به علم فتجتهدوا في إمساك ألجيبغا وأستاذ داره تمربغا وتجهيزهما والكتاب الذي ادعى أنه منا، وكتب بذلك إلى سائر نواب الشام، فجردت العساكر إليه، وربطوا الطرقات عليه، وسدوا عليه المنافس. فبلغه الخبر، فخرج من طرابلس، وخرج عسكر طرابلس خلفه إلى أن جاء إلى نهر الكلب عند بيروت، فوجده موعرا، والعساكر عنده، فوقف من الثانية في النهار إلى العصر، وكر راجعا، فوجد العسكر الطرابلسي خلفه، فواقفوه. ولم يزل إلى أن كل ومل وسلم نفسه، فجاؤوا به إلى عسكر الشام.
وكان أياز قد تركه وانفرد عنه، وقدم العسكر الشامي بالجيبغا ومعه أياز مقيدين، واعتقلا بقلعة دمشق، ثم إنهم جهزوا ألجيبغا مقيدا إلى باب السلطان صحبة الأمير سيف الدين باينجار الحاجب، فوصل من مصر يوم الأربعاء سيف الدين قجا السلاح دار، وعلى يده مرسوم السلطان بأن يوسط ألجيبغا وأياز في سوق الخيل بحضور العساكر، ويعلقا على الخشب حتى يقعا من نتنهما.
فلما كان يوم الخميس ركب العسكر الشامي جميعه والأمير شهاب الدين أحمد الساقي نائب صفد، وأنزلوا ألجيبغا وأياز، وعلقت أشلاؤهما على الخشب بالحبال والبكر على وادي بردى بسوق الخيل، وذلك في حادي عشري شهر ربيع الأخر سنة خمسين وسبع مئة، وتألم بعض الناس على ألجيبغا وتحققوا أن أياز غره وحسن له ذلك الفعل، والله يعلم حقيقة الحال.
وكان ألجيبغا شابا عضا، طريا في شبيبته بضا، يميس قده قضيبا، ويميل من الصبا غصنا رطيبا، ممشوق القوام، مرموق الحسن على الدوام، لما بقل عذاره، وطر شاربه، بدا في سماء الحسن كالبدر إذا حفت به كواكبه.
وكان عمره يوم وسط تسع عشرة سنة. فيا أسفا له كيف ما تورع عما فيه تورط، ويا عجبا له في أول شبابه كيف توسط، قد السيف أضلاعه قدا، وألبس كافور جسمه بردا من عقيق دمه به تردى، وعفر جسده في الثرى، وغسل بدموع جماعة من الورى، وظهر له ثبات عند الممات، وقوة جنان أصمت قلوب عداه بالصمات بخلاف أياز فإنه أظهر جزعا شديدا، وأعلن بالبكاء صوتا مديدا.
وقلت أنا في ألجيبغا:

  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 1- ص: 594

ألجيبغا المظفري ألجيبغا المظفري كان عالي الرتبة عند المظفر حاجي فلما قتل استمر من جملة أمراء المشورة في دولة الناصر حسن الأولى إلى أن وقع الخلف بين الأمراء فأخرج إلى دمشق ثم ولي نيابة طرابلس فأقام بها سنة ثم ورد كتابه إلى أرغون شاه نائب دمشق يستأذنه أن يتصيد في أتباعه فأذن له فأقام على بحيرة حمص أياما ثم ساق إلى خان لاجين واحتال على قتل أرغون شاه وأشاع أنه ذبح روحه وأخرج للأمراء كتابا زعم أنه مرسوم السلطان واحتاط على موجود أرغون شاه ثم ضربوا معه مصافا فغلب هو واحتاط على ما استطاع من الأموال ورجع إلى طرابلس فوصل الخبر من السلطان بإنكار ما فعل وحرض على إمساكه فتواردت عليه العساكر حتى قبضوا عليه ثم جهز إلى القاهرة فوصل الأمر بتوسيطه فوسط بسوق الخيل وعلق على خشبة بوادي بردا وذلك في ربيع الآخر سنة 705 ولم يكمل العشرين

  • مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 1- ص: 0