فخر الدين ابن عز القضاة إسماعيل بن علي بن محمد بن عبد الواحد ابن أبي اليمن أبو الطاهر فخر الدين المعروف بابن عز القضاة، كان في مبدإ أمره كاتبا أديبا خدم في جهات كبار، وله دخول على الملك الناصر صاحب دمشق مع الشعراء وأهل حضرته، فلما انجفل الناس من الشأم إلى مصر أيام التتار توجه إلى مصر وعاد بصورة عظيمة من الزهد والإعراض عن الدنيا، ولازم كتب الشيخ محيي الدين ابن العربي نسخ منها جملة وواظب زيارة قبره، واشتهر بالخير واعتقد الناس فيه ولم يخلف شيئا لما مات سنة تسع وثمانين وستمائة وفرغت نفقته ليلة مات، وتوفي بعقرباء، وحمل إلى جامع دمشق وكانت له جنازة عظيمة ودفن في تربة أولاد الزكي، وقرأ الناس حوله القرآن وتلوا ختمات كثيرة على قبره وتفجع الناس على فقده ورؤيت له المنامات الصالحة.
ومن شعره ما كتبه إلى الشيخ شرف الدين الرقي وهو مجاور بمكة بعد نثر: من الخادم إلى سيده أخيه في الله إن ارتضاه. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإني كنت أرجو بركة دعائه لما أظنه من عظيم عناية الله به. فكيف الآن وهو جار الله؟ فانضاف إلى عناية الله بسيدي عناية الوطن، وكان الخادم عند توجه الحاج نظم أبياتا حسنة مشوقة إلى تقبيل الحجر المكرم وهي هذه الأبيات:
أوفد الله أعطاكم قبولا | وكان لكم حفيظا أجمعينا |
إن الرحمن أذكركم بأمري | هناك فقبلوا عني اليمينا |
فإني أرتجي منه حنانا | لأن إليه في قلبي حنينا |
وأرجو لثم أيد بايعته | إذا عدتم بخير آمنينا |
نعم أسعى على بصري ورأسي | وألثم عنكم الركن اليمينا |
نعم وكرامة وأطوف أيضا | ببيت الله رب العالمينا |
وأنت أخي وخلي ثم عندي | كريم في إخائك ما بقينا |
وأرجو أن نكون غدا جميعا | إلى وجه المهيمن ناظرينا |
كم أنت في حق الصديق تفرط | ترضى بلا سبب عليه وتسخط |
يا من تلون في الوداد أما ترى | ورق الغصون إذا تغير يسقط |
النهر قد جن بالغصون هوى | فراح في قلبه يمثلها |
فغار منه النسيم عاشقها | فجاء عن وصله يميلها |
وزهر شموع إن مددن بنانها | لمحو سطور الليل نابت عن البدر |
وفيهن كافورية خلت أنها | عمود صباح فوقه كوكب الفجر |
وصفراء تحكي شاحبا شاب رأسه | فأدمعه تجري على ضيعة العمر |
وخضراء يبدو وقدها فوق قدها | كنرجسة تزهى على الغصن النضر |
ولا غرو أن تحكي الأزاهر حسنها | أليس جناها النحل قدما من الزهر |
يقولون: دع ليلى لبثنة! كيف لي | وقد ملكت قلبي بحسن اعتدالها؟ |
ولكن إن اسطعتم تردون ناظري | إلى غيرها فالعين نصب جمالها |
وأقسم ما عاينت في الكون صورة | لها الحسن إلا قلت: طيف خيالها |
ومن لي بليلى العامرية؟ إنها | عظيم الغنا من نال وهم وصالها |
فما الشمس أدنى من يدي لامس لها | وليس السها في بعد نقطة خالها |
وأبدت لنا مرآتها غيب حضرة | غدت هي مجلاها وسر كمالها |
فواجبها حبي وممكن جودها | وصالي وعدوا سلوتي من محالها |
وحسبي فخرا أن نسبت لحبها | وحسبي قربا أن خطرت ببالها |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 9- ص: 0