مؤيد الدولة ابن منقذ أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم بن سرار بن زياد بن رغيب بن مكحول بن عمر بن الحارث ابن عامر بن مالك ابن أبي مالك ابن عوف بن كنانة ينتهي إلى قحطان. مجد الدين مؤيد الدولة أبو المظفر ذكره العماد الكاتب في الخريدة أثنى عليه ثناء كثيرا. ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وتوفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة. ودفن بدمشق بجبل قاسيون. وفي بيته بني منقذ جماعة فضلاء يأتي ذكر كل منهم إن شاء الله في موضعه. لم يزل بنو منقذ مالكين حصن شيزر معتصمين بحصانتها حتى جاءت الزلزلة سنة نيف وخمسين فخرب حصنها وذهب حسنها، وتملكها نور الدين الشهيد عليهم وأعاد بناءها فتشعبوا شعبا، وتفرقوا أيدي سبا، وكان هذا الأمير مجد الدين من أكابر بني منقذ وشجعانهم وعلمائهم. له تصانيف عديدة في فنون الأدب. وسكن دمشق مدة، ثم نبت به كما تنبو الديار بالكريم فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمرا مشارا إليه بالتعظيم، وكان قدومه أيام الظافر ابن الحافظ والوزير يوم ذاك ابن السلار العادل فأحسن إليه ولم يزل إلى أيام الصالح ابن رزيك، ثم عاد إلى دمشق وسكنها، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا فأقام به حتى ملك السلطان صلاح الدين دمشق فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين. وروى عنه ابن عساكر وأبو سعد السمعاني وأبو المواهب ابن صصرى والحافظ عبد الغني وولده الأمير أبو الفوارس مرهف وملكت نسختين بديوانه وهما بخط يده. نقلت من أحدهما في ضرس قلعه وهو مشهور:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته | يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد |
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت | عيني عليه افترقنا فرقة الأبد |
يا دهر ما لك لا يصد | ك من مساءتي العتاب |
أمرضت من أهوى ويأ | بى أن أمرضه الحجاب |
لو كنت تنصف كانت الـ | ـأمراض لي وله الثواب |
يا ليت علته بي غير أن له | أجر العليل وأني غير مأجور |
شكا ألم الفراق الناس قبلي | وروع بالنوى حي وميت |
وأما مثل ما ضمت ضلوعي | فإني لا سمعت ولا رأيت |
وما أشكو تلون أهل ودي | ولو أجدت شكيتهم شكيت |
مللت عتابهم ويئست منهم | فما أرجوهم فيمن رجوت |
إذا أدمت قوارصهم فؤادي | صبرت على الأذية وانطويت |
وجئت إليهم طلق المحيا | كأني لا سمعت ولا رأيت |
تجنوا لي ذنوبا ما جنتها | يداي ولا أمرت ولا نهيت |
ولا والله ما أضمرت غدرا | كما قد أظهروه ولا نويت |
ويوم الحشر موعدنا وتبدو | صحيفة ما جنوه وما جنيت |
لا تستعر جلدا على هجرانهم | فقواك تضعف عن صدود دائم |
واعلم بأنك إن رجعت إليهم | طوعا وإلا عدت عودة راغم |
كأن قلبي إذا عن إدكاركم | ظل اللواء عليه الريح تخترق |
أحبابنا كيف اللقاء ودونكم | عرض المهامه والفيافي الفيح |
أبكيتم دمعي دما لفراقكم | فكأنما إنسانها مجروح |
وكأن قلبي حين يخطر ذكركم | لهب الضرام تعاورته الريح |
سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا | له فكل على الخيرات منكمش |
أيامه مثل شهر الصوم خالية | من المعاصي وفيها الجوع والعطش |
وأعجب ما لقيت من الليالي | وأي فعالها بي بم يسؤني |
تقلب قلب من مثواه قلبي | وجفوة من ضممت عليه جفني |
انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها | مغاليا ثم بعد الجمع يرميها |
كالمرء يكدح في الدنيا ويجمعها | حتى إذا مات خلاها وما فيها |
خلع الخليع عذاره في فسقه | حتى تهتك في بغا ولواط |
يأتي ويوتى ليس ينكر ذا ولا | هذا كذلك إبرة الخياط |
ولوا فلما رجونا عدلهم ظلموا | فليتهم حكموا فينا بما علموا |
ما مر يوما بفكري ما يريبهم | ولا سعت بي إلى ما ساءهم قدم |
إلى الله أشكو فرقة دميت لها | جفوني وأذكت بالهموم ضميري |
تمادت إلى أن لاذت النفس بالمنى | وطارت بها الأشواق كل مطير |
فلما قضى الله اللقاء تعرضت | مساءة دهري في طريق سروري |
قالوا نهته الأربعون عن الصبا | وأخو المشيب يجور ثمت يهتدي |
كم حار في ليل الشباب فدله | صبح المشيب على الطريق الأقصد |
وإذا عددت سني ثم نقصتها | زمن الهموم فتلك ساعة مولدي |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 8- ص: 0