أبو العباس العباسي الحويزي أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان أبو العباس العباسي من أهل الحويزة من خوزستان. قدم بغداذ وتفقه بالنظامية وكانت له معرفة بالأدب ونقول واختص بالديوان ورتب ناظرا في الأعمال وعلت منزلته وظلم الناس وتعدى وارتكب العظائم، وكان مع ذلك عابدا قانتا متهجدا كثير البكاء والخشوع والأوراد. وربما أتاه الأعوان فقالوا: إن فلانا ضربناه ضربا عظيما ولم يحمل شيئا وهو عاجز، فيبكي ويقول: يا سبحان الله قطعتم علي وردي، واصلو عليه الضرب، ثم يعود إلى ورده ولا يخون في مال الدولة حتى في الشيء اليسير. هجم عليه الحمام ثلاثة من الشراة فقطعوه بالسيف، ومن شعره:
إن أعر من طل ومن تهتان | فلأنني فوق السحاب مكاني |
ألفت مزاحمة الكواكب همتي | فبليلها بدد من الشهبان |
سدك التغرب بي فقلت لصاحبي | إن العلى تقصى عن الأوطان |
أو ما ترى البيض المؤللة الظبي | ينكسن مهما دمن الأجفان |
أحببت ريا طامعا في ريها | فكرعت منها في رياض هيام |
قد جرت إذ قسمت منك حظوظنا | أعزز بهذا الجائر القسام |
كل ينازعني دعاوي ودكم | فعلام أفرد في ضنى وغرام |
نسبوا بكم ونسبت إلا أنكم | سويتم المنطيق بالتمتام |
وخلطتم سور الكتاب ببعضها | فجعلتم الشعراء في الأنعام |
خير الأنام يسوس خير وزارة | في خير أيام لخير إمام |
يا بحر أفسدت العفاة على الورى | هيهات أن يرضوا بصوب غمام |
شاموا بوجهك غير برق خلب | واستمطروا بيديك غير جهام |
لا افتر منك الدست عن عدم ولا | شابت لديك ذوائب الأقلام |
الصب مغلوب على آرائه | فهبوه معشر عاذليه لدائه |
ومتى يرجي اللائمون سلوه | باللوم وهو يزيد في إغرائه |
والعذل كالنفس الضعيف بعثته | يطفي الضرام فجد في إذكائه |
ما كنت أبخل بالفؤاد على لظى | لولا حبيب حل في حوبائه |
ولقد سكنت إلى مصاحبة الضنى | لما حمدت إليه حسن وفائه |
وسلبت من ظمأ المطامع نطفة | في الوجه قد حبست على إروائه |
أين الخليل فما أرى إلا الذي | إن بر أعقب بره بجفائه |
ولرب خل كان قبل بلوغه | أقصى العلى، حدبا على خلطائه |
وكذلكم قرص الغزالة كلما | يعلو يكف علاه من أفيائه |
إني يهشمني أذل عشيرتي | وكذاك روض الحي أكلة شائه |
فضل الذي يجني علي وربما | ضحك الفتى أفضى إلى إبكائه |
ولرب ذي قدر يفاق بخامل | كالبحر يعلى ماؤه بغثائه |
أنا للعلى كالزند إن مارسته | بدرت إليك النار من أنحائه |
دل الجهول على أذاي تحملي | كالماء دل على القذى بصفائه |
والحلم ينفع ربه لكنه | إن زاد حدا زاد قي إيذائه |
كالنور يهدي الطرف معتضد السنا | ومتى يزد ينهض إلى إعشائه |
يا خلتي عطفا علي فإنني | ممن يفدي داءه بشفائه |
ولقد عرفت بكم كما عرف السهى | ببنات نعش في نقاب خفائه |
إني أضر بي الزمان وريبه | بأبي فتى يعدي على ضرائه |
فعلت نوائبه بحر تجلدي | فعل العزيز لدى الندى بثرائه |
أما الحويزي الدعي فإنه | نذل يشوب رقاعة بتكبر |
يكنى أبا العباس وهو بصورة | حكمت عليه وأسجلت بمعمر |
في كف والده وفي أظفاره | آثار نيل لا تزال وعصفر |
وإذا رأى الفرجيل رعد خيفة | ذي الهاشمية أصلها من خيبر |
نسب إلى العباس ليس شبيهه | في الضعف غير الباقلاء الأخضر |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 8- ص: 0