ابن البراء التجيبي أحمد بن محمد بن عبد الله بن البراء التجيبي من أهل الجزيرة الخضراء. قال ابن الأبار في تحفة القادم: هو معدود في المجيدين من الشعراء وله ديوان نظم ونثر كبير. فارق وطنه وهو صغير منتزحا إلى بلاد الصحراء، ممتدحا من كان بها من الأمراء، وأراه لم يعد إلى ذراه، كما لم يعد الحنين إليه في تأويبه وسراه، فمن شعره في ذلك:
عندي على الخضراء دمع واكف | والقلب أبرد حره الرمضاء |
أودى ثقاف فراقنا بقناتنا | فانآدت اليزنية السمراء |
نزحت بي الأقدار عن دار الهوى | وقذفنني حيث الفؤاد هواء |
فإقامتي ما بين أظهر معشر | سيان عندهما الدجى وذكاء |
أحن إلى أرض لبست بها الصبا | فعندي لها من أجل ذكر الصبا وجد |
ومن أجل نصل السيف أكرم جفنه | ومن جهة الريا سما العنبر الورد |
سقى واكف القطر الجزيرة إنني | إليها وإن جد الفراق لوامق |
ديارا بها فارقت عصر شبيبتي | فيا حبذا عصر الشباب المفارق |
شباب شفى نفسي وودع مسرعا | كما زار طيف أو تبرج بارق |
بي جؤذر هام الفؤاد بحبه | عنيت لواحظه بقتل محبه |
قد أتلف المهجات بين لطافة | في وجنتيه وقسوة في قلبه |
وإذا رأى المرآة هام فؤاده | في حسن صورته فرق لصبه |
يجري النسيم على غلالة خده | وأرق منه ما يمر عليه |
ناولته المرآة ينظر بوجهه | فعكست فتنة ناظريه إليه |
أبن لي يا أبا موسى بحال | بدت لي منك يضحك من رآها |
تكيل الأرض باعا بعد باع | كأنك قد عزمت على شراها |
وتنبحك الكلاب بكل أرض | كأنك قد طبعت على أذاها |
ما خيم المجد إلا في منازلنا | فليس يعد لنا في الأرض من أحد |
إذا بلوت فأخلاق مهذبة | وإن سألت فبذل من فم ويد |
من كل مكرمة فزنا بأوفرها | حفظ الجوار لنا والأخذ بالقود |
لنا نفوس عن الجارات معرضة | وفي التقى لأفاعيهن بالرصد |
إن شئت من كلم الأعراب أفصحها | فخذه عن والد منا وعن ولد |
تنبو حداد الظبى عن غرب منطقنا | نبو ظفر الفتى عن مخلب الأسد |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 8- ص: 0
ابن البراء التجيبي
أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن البراء التُّجِيبي: من أهل الجزيرة الخضراء، ومعدودٌ في المجيدين من الشعراء، وله ديوان نظم ونثر كبير. فارق وطنه وهو صغير منتزحاً إلى بلاد الصحراء، وممتدحاً من كان بها من الأمراء، وأراه لم يعد إلى ذَراه، كما لم يعدم الحنين إليه في تأويبه وسُراه، فمن شعره في ذلك:
عندي على الخضراءِ دَمْعٌ واكفٌ | والقلبُ أبرَدُ حَرّهِ الرمضاءُ |
أودى ثِقافُ فراقِنَا بقناتنا | فانآدتِ اليَزَنِيَّةُ السمراءُ |
نزحِتْ بيَ الأقدارُ عن دارِ الهوَى | وقَذَفْنَني حيثُ الفؤادُ هواءُ |
فإقامتي ما بينَ أظهرِ معشرٍ | سيَّان عندهُم الدُّجى وذُكاءُ |
أحنُّ إلى أرضٍ لَبِسْتُ بها الصِّبا | فعندي لها من أجل ذِكْرِ الصِّبا وجدُ |
ومن أجلِ نَصْلِ السَّيفِ أُكرِمَ جَفْنُهُ | ومن جهَةِ الرّيَّا سما العنبرُ الوردُ |
سقى واكفُ القطرِ الجزيرةَ إنَّني | إليها وإن جَدَّ الفِراقُ لوامقُ |
دياراً بها فارقتُ عَصرَ شبيبتي | فيا حبَّذا عَصْرُ الشَّبابِ المفارقُ |
شبابٌ شَفَى نفسي وودَّعَ مسرعاً | كما زار طَيفٌ أو تبوَّجَ بارقُ |
قضيتُ به حقَّ الهوَى وأطعتُهُ | فأيامُهُ في عينِ فكري حدائقُ |
بي جُؤذَرٌ هامَ الفؤادُ بحُبِّهِ | عُنيتْ لواحظُهُ بقتلِ محبِّهِ |
قد أتلفَ المُهَجاتِ بين لَطافَةٍ | في وجنتيهِ وقسوةٍ في قلبهِ |
وإذا رأى المرآةَ هامَ فؤادُهُ | في حُسْنِ صورتِهِ فرقَّ لصبّه |
أبِنْ لي يا أبا موسى بحالٍ | بَدَتْ لي منكَ يضحكُ من رآها |
تكيلُ الأرضَ باعاً بَعْدَ باعٍ | كأنَّكَ قد عَزَمتَ على شِراها |
وتنبحُكَ الكلابُ بكلِّ أرضٍ | كأنَّكَ قد طُبِعتَ على أذاها |
تنسمْ أريجاً لم يَضُعْ من لطائمِ | وعرِّجْ على ربعٍ لميَّةَ طاسِمِ |
ترحلتُ عن أَرضي فأفضتْ بيَ النَّوى | لأرضِ ذئابٍ في ثيابِ ضراغمِ |
فكم فيهمُ من عائبٍ قمرَ الدّجى | ومستنزرٍ منهلَّ قطْرِ الغمائم |
رمى معشري بالذمِّ منطقُ يوسفٍ | وحُسْنُ الثّريّا مُفْحِمٌ كلَّ ذائم |
أبا الفضل لا ترتَبْ بأنَّك من فمي | سليمُ أفاعٍ لستَ منها بسالمِ |
أراكَ سفاهاً عبتَ خطَّ مَعَاشرٍ | بهمْ تُسْفِرُ الأيَّامُ عن وجهِ باسمِ |
فإن يكُ فضلاً ما تشي يدُ كاتبٍ | فكلُّ العُلا في ما تشي يدُ راقم |
ما خيَّمَ المجدُ إلاَّ في منازلنا | فليس يَعْدِلنا في الأرضِ من أحدِ |
إذا بَلَوْتَ فأخلاقٌ مُهذَّبةٌ | وإن سألتَ فبذلٌ من فمٍ ويدِ |
من كلِّ مكرُمَةٍ فُزنا بأوفَرِها | حفظُ الجِوارِ لنا والأخذُ بالقَوَدِ |
لنا نفوسٌ عن الجاراتِ معرِضَةٌ | وفي التّقى لأفاعيهنَّ بالرَّصدِ |
إن شئتَ من كَلِمِ الأعرابِ أفصحَها | فخُذْهُ عن والدٍ منَّا وعن وَلَدِ |
تَنْبُو حِدادُ الظُّبَا عن غَرْبِ منطقنا | نبوَّ ظُفرِ الفتَى عن مخلبِ الأسدِ |
معتوهُ قسطيلةٍ ينفي رياضتنا | ومن يُرِدْ قَنَصَ العنقاءِ لم يصدِ |
تفيظُ دون مُناها نَفْسُ حاسِدِنا | وكيف للغَوْرِ يعلو ذِرْوَةَ السَّنَدِ |
تعساً ليوسفَ أنْ مَنَّاهُ خاطرُهُ | لحاقَنَا وهلِ العرماضُ كالثمدِ |
باحَتْ بذمِّ ابن عبد البر قَوْلَتُهُ | إن الحسودَ على المحسودِ ذو حَرَد |
كم يُتْعِبُ النفسَ فيما ليس يبلغُهُ | والضبعُ يعظمُ عنها كلُّ ذي لِبَدِ |
لو حلَّ ساحةَ قومي كان مُطَّرَحاً | كَبَهْرَجٍ لَحِظَتْهُ عينُ مُنْتَقِدِ |
دعوى العلومِ تحلاَّها فأَشبههم | كما تشابَهَ لفظُ السَّعْدِ والسُّعْدِ |
تَبَّتْ يدُ البينِ كم من مهجةٍ عبثتْ | بها وكم من فؤادٍ وهو مُنْصَدِعُ |
دنوُّ رَبْعَكَ أقصى ما أُؤَمِّلُهُ | لكنْ منالُ الَّذي لم يُقضَ ممتنعُ |
وقصائدٍ تحكي الرياضَ أضعتُها | في باخلٍ ضاعتْ به الأَحسابُ |
فإذا تناشدها الرواةُ وأبصروا ال | ممدوحَ قالوا ساحرٌ كذَّابُ |
دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 14