قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى أحمد بن محمد بن سالم ابن أبي المواهب الحافظ بن صصرى الشيخ الإمام العالم قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس الربعي التغلبي الدمشقي الشافعي قاضي قضاة الشام. ولد سنة خمس وخمسين وحضر على الرشيد العطار في سنة تسع والنجيب عبد اللطيف. وسمع بدمشق من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر وجده لأمه المسلم بن علان وتفقه على الشيخ تاج الدين ودخل ديوان الإنشاء ونظم ونثر وشارك في فنون. وكان فصيح العبارة قادرا على الحفظ يحفظه أربعة دروس: درسا للغزالية ودرسا للعادلية ودرسا للناصرية ودرسا للأتابكية؛ وكان طويل الروح مسالما محسنا إلى من أساء إليه، بلغه أن الشيخ صدر الدين نظم فيه بليقة فتحيل إلى أن وقعت بخطه في يده فتركها عنده إلى أن قيل له يوما: إن الشيخ صدر الدين بالباب، فقال: يدخل، ووضع تلك الورقة مفتوحة على مصلاه قد أمه فرآها الشيخ صدر الدين وعلم أنها خطه، ولم يزل القاضي إلى أن تحقق أن صدر الدين رأى الورقة وعرفها، فقال للطواشي: أحضر للشيخ ما عندك، فأحضر له بقجة قماش بزبكند وبدلة وشاش وصرة فيها ستمائة أو خمسمائة درهم، على ما قيل، وقال: هذه جائزة تلك البلقية. وكان يوما قد توجه مغلسا إلى صلاة الصبح بالجامع، فلما كان في الخضراء ضربه إنسان بمطرق كبير رماه إلى الأرض وظنه مات، فلما أفاق حضر إلى بيته وكان يقول: أعرفه وما أذكره لأحد.
وأخبرني من لفظه الشيخ نجم الدين الصفدي رحمه الله قال: تراهنا فيما بين الموقعين على أن أحدنا يسبقه بالسلام فلم نقدر على ذلك. وكان سريع الكتابة، قيل لي إنه كتب في يوم خمس كراريس، وكان ينطوي على دين وتعبد وله أموال وخدم ومماليك وهو من بيت حشمة. وقيل لي إنه قال يوما للشيخ صدر الدين وغيره: فرق ما بيننا أنني اشتغلت على الشمع الكافوري وأنتم على قناديل المدارس. وكان اشتغل بمصر على الأصبهاني في أصول الفقه ودرس بالعادلية الصغرى وبالأمينية ثم بالغزالية مع قضاء العسكر ومشيخة الشيوخ بالشام وولي القضاء سنة اثنتين وسبعمائة إلى أن مات. وأذن لجماعة في الفتوى. وخرج له الشيخ صلاح الدين العلائي مشيخة فأجازه عليها بجملة. وقيل إنه لم يقدر أحد يدلس عليه قضية ولا يشهد زورا. وكان متحريا في أحكامه بصيرا بقضاياها ولم أسمع عنه أنه ارتشى في حكومة. وتوفي بعد تعلل أصابه ببستانه فجاءة في نصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة.
وكان موته مفتاحا لموت رؤساء دمشق وعلمائها. ورثاه شعراء، ورثاه المرحوم شهاب الدين محمود. ولشعراء زمانه فيه مدائح كثيرة. وكان القاضي شهاب الدين محمود كتب للأمير علم الدين سنجر الدواداري يهنئه بفتح طرابلس ويذكر جراحة أصابته بقصيدة أولها:
ما الحرب إلا الذي تدمى به اللمم | والفخر إلا إذا زان الوجوه دم |
ولا ثبات لمن لم تلق جبهته | حد السيوف ولا يثنى له قدم |
وافى كتابك فيه الفضل والكرم | فجل قدرا وجلت عندي النعم |
وجاء من بحر فضل قد طما وسما | در المعاني في الألفاظ تنتظم |
وصفت حالي حتى خلت أنك قد | شاهدتها ولهيب الحرب يضطرم |
وما جرى في سبيل الله محتسب | فهو الذي لم يزل تسمو له الهمم |
وجاءنا النصر والفتح المبين فلو | شاهدت نور الظبى تجلى به الظلم |
غدا العدو ذليلا بعد عزته | حلي أجيادهم بعد العقود دم |
قد فرق الجمع منهم عزم طائفة | لم يثن همتها يوم الوغى سأم |
ترك إذا ما انتضوا عزما لهم تركوا | أمامهم كل جمع وهو منهزم |
لما بقتل العدى خاضت سيوفهم | صلت فقبلها يوم الوغى القمم |
حازوا الثواب الذي راموا وبعضهم | فازوا بما كسبوا منها وما غنموا |
وكنت مشتغلا في وقت كسبهم | عنه بما كسبه عندي هو النعم |
فكيف يطلب مني الأرفغان وقد | شهدت لي ولهذا بيننا حكم |
ألست أنت الذي قد قال مبتدئا | وذاك قول بحكم الحق ملتزم |
هجمته وسيوف الهند مصلتة | وعدت والسبي والأموال تقتسم |
وكان همك في الأرواح تكسبها | وهم غيرك فيها المال والنعم |
ومذ خفيت عني بدور جمالهم | غدا سقمي في حبهم وهو ظاهر |
وقد بت ما لي في الغرام مسامر | سوى ذكرهم يا حب ذاك المسامر |
وإني على قرب الديار وبعدها | مقيم على عهد الأحبة صابر |
ودمعي سريع والتشوق كامل | ووجدي مديد والتأسف وافر |
وما لي أنصار سوى فيض أدمعي | إذا بات من أهواه وهو مهاجر |
أأحبابنا غبتم فغابت مسرتي | وأصبح حزني بعدكم وهو حاضر |
وما القصد إلا أنتم ورضاكم | وغير هواكم ما تسر السرائر |
وما في فؤادي موضع لسواكم | ولا غيركم في خاطر القلب خاطر |
وما راقني من بعدكم حسن منظر | ولا شاقني زاه من الروض زاهر |
وما كلفي بالدار إلا لأجلكم | وإلا فما تغني الرسوم الدواثر |
وما حاجر إلا إذا كنتم بها | إذا غبتم عنها فما هي حاجر |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 8- ص: 0