التصنيفات

أمير المؤمنين المعتضد بالله أحمد بن طلحة أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو العباس ابن ولي العهد أبي أحمد الموفق بالله ابن المتوكل. ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومائتين أيام جده وتوفي في رجب وقيل في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين. قدم دمشق لحروب خمارويه الطولوني وهزمه على حمص وكان قد استخلف بعد عمه المعتمد في شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. كان شجاعا مهيبا أسمر نحيفا معتدل الخلق أقنى الأنف إلى الطول ما هو، وكان في مقدم لحيته امتداد وفي مقدم رأسه شامة بيضاء - ولذلك لقب الأغر- ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد خلفاء بني العباس، كان يقدم على الأسد وحده لشجاعته. قال خفيف السمرقندي: كنت معه في الصيد وانقطع عنا العسكر فخرج علينا أسد، فقال: أفيك خير؟ قلت:لا، قال: ولا تمسك فرسي؟ قلت: بلى، ونزل وتحزم وسل سيفه وقصد الأسد فقصده وتلقاه بسيفه فقطع عضده فنشأ على الأسد بها فضربه ضربة فلقت هامته ومسح سيفه في صوفه وركب وصحبته إلى أن مات ما سمعته يذكر ذلك لقلة احتفاله بذلك. وكان يبخل ويجمع المال. وولي حرب الزنج وظفر بهم. وفي أيامه سكنت الفتن لفرط هيبته وكان يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس وكان قد خلق وضعف وكاد يزول لأنه كان في اضطراب من وقت موت المتوكل. وكانت أيامه طيبة كثيرة الأمن والرخاء، وسقط المكوس ونشر العدل ورفع المظالم عن الرعية، وأنشأ قصرا أنفق عليه أربع مائة ألف دينار. وكان مزاجه قد تغير من إفراطه في الجماع وعدم الحمية بحيث إنه أكل في علته زيتونا وسمكا وشكوا في موته فتقدم الطبيب فجس نبضه ففتح عينه ورفس الطبيب فدحاه أذرعا فمات الطبيب ثم مات المعتضد، وقيل إنه غم في بساط إلى أن مات.
وبويع ابنه المكتفي فكانت ولاية المعتضد تسع سنين وتسعة أشهر وأياما. وكانت أمه يقال لها ضرار توفيت قبل خلافته في آخر سنة ثمان وتسعين.
وهو أحد من ولي الخلافة ولم يكن أبوه خليفة وهم: السفاح والمنصور والمستعين والمعتضد. وكان المعتضد حسن الميل إلى آل رسول الله صلى الله عليه وسلم لرؤيا رآها. وكاتبه أبو القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب ثم ابنه القاسم بن عبيد الله. ونقش خاتمه: فوضت أمري إلى الله. وقيل أحمد يؤمن بالله. وقيل الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء. وتزوج قطر الندى بنت خمارويه أصدقها ألف ألف درهم وأنفذ الحسين بن عبد الله الجوهري المعروف بابن الجصاص فحملها إليه. ومن شعره:

وحكى ابن حمدون النديم أن المعتضد كان قد شرط علينا أنا إذا رأينا منه شيئا تنكره نفوسنا نقول له وإن اطلعنا له على عيب واجهناه به، قال: فقلت له يوما: يا مولانا في قلبي شيء أردت سؤالك عنه منذ سنين، قال: ولم أخرته إلى الآن؟ قلت: لاستصغاري قدري ولهيبة الخلافة، قال: قل ولا تخف، قلت: اجتاز مولانا ذلك اليوم ببلاد فارس فتعرض الغلمان للبطيخ الذي كان في تلك الأرض فأمرت بضربهم وحبسهم وكان ذلك كافيا ثم أمرت بصلبهم وكان ذنبهم لا يجوز عليه الصلب، فقال: أوتحسب أن المصلوبين كانوا أولائك الغلمان؟ وبأي وجه كنت ألقى الله تعالى يوم القيامة لو صلبتهم جزاء البطيخ؟ وإنما أمرت بإخراج قوم من قطاع الطريق قد وجب عليهم القتل وأمرت أن يلبسوا أقبية الغلمان وقلانسهم إقامة للهيبة في قلوب العسكر ليقولوا إذا صلب أخص غلمانه على غصب البطيخ فكيف يكون على غيره؟ وكذلك أمرت بتلثيمهم ليستتر أمرهم على الناس.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 6- ص: 0