شمس الدين الخياط محمد بن يوسف بن عبد الله شمس الدين الشاعر الخياط الدمشقي الحنفي، تردد إلى شمس الدين الصائغ وقرأ عليه، وتردد كثيرا إلى شيخنا الإمام العلامة شهاب الدين محمود وكتب عنه كثيرا وكان يثني عليه ويميل إليه، ونظم قصيدة جيمية مدح بها قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى فكتب عليها شهاب الدين محمود وقرظها وأثنى عليها وكتب عليها أيضا فضلاء العصر، وانصقل نظمه وجاد وهو طويل النفس في النظم قادر عليه يدخل ديوانه في ست مجلدات، وسافر إلى الديار المصرية ومدح أعيانها واتصل بالأمير سيف الدين ألجاي الدوادار وكان يبيت عنده، ومدح السلطان الملك الناصر بأبيات قرأها عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني فرسم له براتب على دمشق في كل يوم درهمين، وغالب ما ينظمه يقرأه علي وأسمعه من لفظه، سألته عن مولده فقال: في رجب سنة ثلاث وتسعين وست مائة بدمشق، وتوفي رحمه الله تعالى في عودة من الحج في المفازة ودفن في معان ليلة الرابعة عشرة من محرم سنة ست وخمسين وسبع مائة، سامحه الله وعامله بلطفه، وأنشدني من لفظه لنفسه:
قصدت مصرا من ربي جلق | بهمة تجري بتجريب |
فلم أر الطرة حتى جرت | دموع عيني في المزيريب |
تركت لقوم طلاب الغنى | لحب الغناء ولهو الطرب |
وعندي من زهر فضة | وعندي من خندريس ذهب |
خلفت بالشام حبيبي وقد | يممت مصرا لعنا طارق |
والأرض قد طالت فلا تبعدي | بالله يا مصر على العاشق |
يا أهل مصر أنتم للعلا | كواكب الإحسان والفضل |
لو لم تكونوا لي سعودا لما | وافيتكم أضرب في الرمل |
كم تظهر الحسن البديع وتدعي | وبياض شكلك في النواظر مظلم |
هل تصدق الدعوى لمن في وجهه | بالذقن كذبه السواد الأعظم |
لم يجزني القاضي على قدر شعري | بل حباني مضاعف الأبيات |
فلهذا أعدها صدقات | من عطاياه لا من الصدقات |
حتام شخصي بين هذا الورى | حي وفضلي عندهم ميت |
أبني بيوت الشعر في جلق | وليس يبنى لي بها بيت |
ويلاه من ظبي له وجنة | شاماتها تلعب بالأنفس |
لو لم يكن في خده جنة | لما اكتسى بالعارض السندسي |
يا كعبة الحسن التي رميت لها | في كل قلب بالهوى جمرات |
قد تم ميقات الصدود وقصدنا | لو تم منك لوصلنا ميقات |
قد طال فكري في القريض الذي | من نفعه لست على طائل |
أمرني زورا فصرت امرءا | صاحب ديوان بلا حاصل |
يا ليت شعري أي خير يرتجى | للمعتفي من هذه الأزمان |
لو لم يكن عدم الدراهم قد بدا | ما كان صار الفلس بالميزان |
حبذا مشمش يروق لطرفي | منه حسن حديثه مشهور |
قد بلاني بحبه وهو مثلي | أصفر الجسم قلبه مكسور |
يا أيها البحر الذي في ورده | ري لقلب الحائم المتعطش |
أشكو إليك هوان شعر لم يقم | لي رخصه بغلو سعر المشمش |
يا من به أدرأ عن مهجتي | من حادث الأيام ما أختشي |
قد أقبل الصيف وما في يدي | من درهم للتوت والمشمش |
لوزي جلق شيء | يذوب قلبي عليه |
كالسلسبيل ولكن | كيف السبيل إليه |
نحن إلفان ما افترقنا لبغض | لا ولا في اجتماعنا ما يريب |
نكتم السر بيننا في زمان | كاتم السر في بنيه غريب |
من ذا الذي ينكر فضلي وقد | فزت من الحسن بمعنى غريب |
عندي لمن يخذله دهره | نصر من الله وفتح قريب |
يا سائلي في وظيفتي عن | كنه حديثي وعن معاش |
ما حال من لا يزال ينوي | مسافة القصر وهو ماش |
يا شاعرا يخطئ المعاني | فيما يعاني من المعاش |
أنت شبيه الحمار عندي | مركب الجهل وهو ماش |
ألا حبذا وادي دمشق إذا سرى | نسيم الصبا في روضة المتأرج |
فما بان فضل البان حتى رأيته | مطلا عليه من جبال البنفسج |
لربوتنا واد حوى كل بهجة | وعيش الورى يحلو لديه ويعذب |
تروق لنا الأنهار من تحت جنكه | فلا عجب أنا نخوض ونلعب |
ما خلعة العقد على شاعرنا | يوم الهنا إلا شقاء وعنا |
رأيته فيها وقد أرخى له | ذؤابة تبدي عليه الحزنا |
فقلت من هذا الذي سواده | بين الورى سوده قال أنا |
نباتة كان أبي فقلت ما | أنبتك الله نباتا حسنا |
ما خلعة ابن نباتة إلا كمن | ألقى الرياض على الكنيف المنتن |
واختص عمته بفضل ذؤابة | هي في القلوب قبيحة والأعين |
فكأنها ذنب لكلب نابح | تحت الدجى من فرط داء مزمن |
فالله يجعلها له كفن البلى | ويكون غاية كل سوء يقتني |
حتى يقول مسير في هجوه | هذا لعمر أبيك شر مكفن |
معنى الفضائل والندى والبأس لي | والسيف مشتهر بمعنى واحد |
بالنفس أضرب من نضار ذائب | والناس تضرب في حديد بارد |
قل للذي وصف الدواة وحسنها | ما جئت عن لفظي بمعنى زائد |
أسخنت عينك في نضار ذائب | وذبحت نفسك بالحديد البارد |
قضى ما قضيت منكم لبانات | متيم عبثت فيه الصبابات |
ما شان مدحي لكم ذكر المدام ولا | أضحت جوامع لفظي وهي حانات |
ولا طرقت حمى خمارة سحرا | ولا اكتست لي بكأس الراح كاسات |
عن منظر الروض يغنيني القريض وعن | رقص الزجاجات تلهيني الجزازات |
عشوت منها إلى نور الكمال ولم | يدر على خاطري دير ومشكاة |
ويوم شديد البرد حجب شمسه | عن العين نوء لاح في الجو أسود |
فأمطر أجفاني وميض بروقه | وصيرني من شدة البرد أرعد |
رثاثة حالي عن رثاثة منزلي | تبين وفي هذين قد كمل النقص |
وبالدفء قلبي ليس بالدف مولع | ولي أضلع بالبرد شيمتها الرقص |
سر الفصاحة في كتابك ظاهر | وله ضياء الحسن عنك مذيع |
وكذا الثناء المحض في أثنائه | بنوافج الذكر الجميل تضوع |
فلذاك يحفظ في الصدور لفضله | وسواه ينسى ذكره ويضيع |
لله روض في جنان جناسه | هو للقلوب وللعيون ربيع |
كم أثمرت أغصانه بفوائد | كم طاب فيها للفؤاد ولوع |
ما زال يمطره الجنان سحائبا | يضحي بها القرطاس وهو مريع |
في طيه نشر العلوم تأرجت | أرجاؤه فتعطر المجموع |
سفر عن الفضل المحقق سافر | وله على القمر المنير طلوع |
بينت فيه لنا الأصول فأينعت | لجنى العقول من الأصول فروع |
وشرعت في حل الرموز وقد حلا | للفهم في ذاك الشروع شروع |
لم يبق في علم المعاني ناطق | إلا وبان به لديك خضوع |
فابن الأثير وإن تأثل مجده | وعصى لكان لما بنيت يطيع |
سيرت أمثالا لها حكم فما | لنجومها مثل النجوم رجوع |
أعليت بنيان البديع مشيدا | ما لم يشيد للزمان بديع |
وأذبت لابن أبي الحديد جوانحا | لم يطف منها للحريق دموع |
وأدرت أفلاكا على أمثاله | أضحت تروق بحسنها وتروع |
وطعنت في ابن سنان عند خفاجة | لغة فأودت بالصدور صدوع |
وأنرت ما لا نور المصباح في | علم البيان وفي سناه لموع |
وتخلف المعتز إذ زل ابنه | وبدا بمنطقه لديك خشوع |
هذا كتاب قد كبت به العدى | فجنابه عن حاسديه منيع |
أتعبت من يسري وراءك في النهى | ومتى تساوى ظالع وضليع؟ |
ورفعت قدر العلم حين وضعته | فتشرف الموضوع والمرفوع |
نثر حكته من الكواكب نثرة | فيها لصفحة أوجه ترصيع |
ونظام شعر دونه الشعرى وإن | أمست ومنزلها عليه رفيع |
شعر يروق طباقه وجناسه | والسبر والتقسيم والتصريع |
يسمو حبيبا بالمحاسن إن بدا | ويرى الوليد لديه وهو رضيع |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 5- ص: 0