كاتب سر دمشق محمد بن يعقوب هو القاضي ناصر الدين ابن الصاحب شرف الدين وسوف يأتي ذكر والده في حرف الياء إن شاء الله تعالى. سألته عن مولده فقال: تقريبا سنة سبع وسبع مائة بحلب، وقال لي: قرأت القرآن لأبي عمرو على الشيخ تاج الدين الرومي وعلى الشيخ إبراهيم الفتح وعلى القاضي فخر الدين ابن خطيب جبرين، قال: وقرأت التلقين لأبي البقاء والحاجبية وألفية ابن معطي على الشيخ علم الدين طلحة ثم القاضي فخر الدين ابن خطيب جبرين، قال: وحفظت تصريف ابن الحاجب وقرأت عليه، قال: وقرأت التنبيه للشيخ أبي إسحاق حفظا على القاضي فخر الدين المذكور وعلى الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني وقرأت المختصر لابن الحاجب حفظا وبحثا على الشيخ كمال الدين إلى العام والخاص والقاضي فخر الدين كاملا وحفظت نصف الحاصل قبل المختصر وبحثت على القاضي فخر الدين ثلاث سور من أول الكشاف وقرأت علوم الحديث للنووي على القاضي شمس الدين ابن النقيب وقرأت على أمين الدين الأبهري نصف التذكرة للنصير الطوسي في الهيئة وقرأت عليه رسائل الاسطرلاب وسمعت بعض البخاري على المزي وسمعت الموطأ على ابن النقيب وسنن أبي داود وأجزاء حديثية، قال: وسمعت على سنقر مملوك ابن الأستاذ في الرابعة حضورا وعلى الشيخ عز الدين ابن العجمي وأجاز لي الحجار وحججت مع والدي سنة عشرين وسبع مائة ولم أبلغ الحلم، قلت: وأذن له الشيخ كمال الدين بالإفتاء على مذهب الشافعي لما كان قاضيا بحلب وكان قد تولى في حياة والده نظر الخاص المرتجع عن العربان بحلب مدة تقارب ثمانية أشهر ثم نقل بذلك إلى كتابة الإنشاء بحلب، ثم لما كان الأمير سيف الدين أرغون بحلب نائبا جعله من موقعي الدست وكان يحبه كثيرا ويقول له يا فقيه ويجلس عنده في الليل، وتولى تدريس النورية والشعيبية بحلب في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، وتولى تدريس الأسدية سنة أربع وأربعين وسبع مائة ورسم له بكتابة سر حلب عوضا عن القاضي شهاب الدين ابن القطب سنة تسع وثلاثين وسبع مائة، وتولى قضاء العسكر بحلب تلك السنة ولم يزل بحلب إلى أن توفي تاج الدين ابن الزين خضر بدمشق في أيام الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي فسير طلبه من الكامل أن يكون عنده بدمشق كاتب سر فرسم له بذلك فحضر إلى دمشق رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبع مائة وطلع الناس وتلقوه من عز الدين طقطاي الدوادار والأمير سيف الدين تمر المهمندار والموقعين ولم أر أحدا دخل دخوله من كتاب السر إلى دمشق، ورأيته ساكنا محتملا مداريا لا يرى مشاققة أحد ولا منازعته كثير الإحسان إلى الفقراء والمساكين يبرهم ويقضي حوائجهم ويكتب كتابة حسنة وينظم وينثر سريعا ويستحضر قواعد الفقه فروعا وأصولا وقواعد أصول الدين وقواعد الإعراب والمعاني والبيان والهيئة وقواعد الطب ويستحضر من كليات الطب جملة، ولي دمشق سنة ثمان وأربعين، سمع صحيح مسلم على الشيخ محمد السلاوي وسمع سنن أبي داود على الشيخ شمس الدين محمد بن نباتة وعلى بنت الخباز وسمع عليها جملة من الأجزاء ومشيخة ابن عبد الدائم وغير ذلك، وكتب إلي ونحن بمرج الغشولة صحبة الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي نائب الشام وقد وقع مطر كثير برعد وبرق:
كأن البرق حين تراه ليلا | ظبى في الجو قد خرطت بعنف |
تخال الضوء منه نار جيش | أضاءت والرعود فجيش زحف |
يحاكي البرق بشرك يوم جود | إذا أعطيت ألفا بعد ألف |
وصوت الرعد مثل حشا عدو | يخاف سطاك في حيف وحتف |
لئن أوسعت إحسانا وفضلا | وجدت بنظم مدح فيك لائق |
فهذا الفضل أخجل صوب سحب | وهذا البشر أخجل بشر بارق |
وكأن القطر في ساجي الدجى | لؤلؤ رصع ثوبا أسودا |
فإذا ما قارب الأرض غدا | فضة تشرق مع بعد المدى |
ما مطرنا الآن في المرج سدى | ورأينا العذر في هذا بدا |
نظر الجو لما تبذله | فهو يبكي بالغوادي حسدا |
طبق الجو بالسحاب صباحا | ومطرنا سحا مغيثا وبيلا |
نسخ الري كل قحط ويبس | بغمام أهدى لنا سلسبيلا |
ارتشفنا الرضاب منه فخلنا | عن يقين مزاجه زنجبيلا |
جلت الأرض بعد يبس وقحط | من بكاء الغمام وجها جميلا |
وتثنى القضيب فيها رطيبا | وتمشى النسيم فيها عليلا |
هكذا كل بلدة أنت فيها | يجعل الغيث في حماها مسيلا |
أوضح الله للبيان سبيلا | بك يا أقوم المجيدين قيلا |
إن تثنى القضيب في الروض عجبا | أو تبدى نضاره مستطيلا |
فبأقلامك المباهاة فخرا | كل غصن رطب وحدا صقيلا |
ولئن زدت في ثنائي إني | شاكر فضلك الجزيل طويلا |
ليلة المرج خلتها ألف شهر | زلزلت أرضنا من الرعد عصرا |
خامنا فيه كاد، لولا رجال | أمسكوه، ينشق شفعا ووترا |
ويكاد العمود من شدة الريـ | ـح به أن ينحط وهنا وكسرا |
لم تزلزل أرض بها أنت لكن | رنحت عطفها بفضلك شكرا |
وكذاك الأطناب تثني وتدعو | لك من تحتها فتهتز سكرا |
وعجيب من العواميد إذ لم | تمس أوراقها بجودك خضرا |
يا إماما له الفضائل تعزى | وبليغا قولا ونظما ونثرا |
إن تفضلت بالثناء فإني | بأياديك ما برحت مقرا |
إن أمنا الزلزال فهو يقينا | رحمة تقتضي قياما وشكرا |
أنت للأرض طود فضل عظيم | منعها تهتز طوعا وقسرا |
دمت في نعمة وفضل ومجد | دائم ترتقي وهنيت عشرا |
رب يوم على ضمير تقضى | فقطعناه في عنا وبلاء |
يتمنى الحرباء من شدة الحـ | ـر لو انساب ضفدعا في الماء |
يومنا في ضمير يوم كريه | ما رأينا كحره في الفلاء |
كاد حرباؤه يموت حريقا | من لظى شمسه على الصحراء |
يوما نزلنا على ضمير | أوقد حر النهار ناره |
وصارت الشمس ذا التهاب | وقودها الناس والحجارة |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 5- ص: 0