أمير المؤمنين المهتدي محمد بن هارون أبو إسحاق وقيل أبو عبد الله أمير المؤمنين الخليفة الصالح المهتدي بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة ومائتين، وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وله بضع وثلاثون سنة وما قبل بيعة أحد حتى أتي بالمعتز فلما رآه قام له وسلم على المعتز بالخلافة وجلس بين يديه، وجيء بالشهود فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة فاعترف بذلك ومد يده فبايع المهتدي بالله وهو ابن عمه فارتفع المهتدي حينئذ إلى صدر المجلس وقال: لا يجتمع سيفان في غمد، وكان أسمر رقيقا مليح الوجه ورعا متعبدا عادلا قويا في أمر الله بطلا شجاعا لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا على الخير، وكان يلبس في الليل جبة صوف وكساء ويصلي فيهما، ويفطر في رمضان على خبز نقي وملح وخل وزيت ويقول: فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز -وكان من التقلل والتقشف على ما بلغنا- فغرت على بني هاشم وأخذت نفسي بذلك، وكان اطرح الملاهي وحرم الغناء وحسم أصحاب السلطان عن الظلم وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، ثم إن الأتراك خرجوا عليه وحاربهم بنفسه وجرح فأسروه وخلعوه ثم قتلوه سنة ست وخمسين ومائتين، قال العمراني: إن الأتراك عصروا خصاه حتى مات وبايعوا أحمد بن المتوكل ولقبوه المعتمد على الله في سادس عشر رجب، فكانت خلافة المهتدي سنة إلا خمسة عشر يوما، جلس يوما للمظالم فاستعداه رجل على ابن له فأحضره وحكم عليه برد الحق للرجل فقال الرجل: أنت والله يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى:
حكمتموه فقضى بينكم | أبيض مثل القمر الزاهر |
لا يقبل الرشوة في حكمه | ولا يبالي غبن الخاسر |
إذا عرضت أحداج ليلى فنادها | سقتك الغوادي المزن صوب عهادها |
هجرت الملاهي خشية وتفردا | بآيات ذكر الله يتلى حكيمها |
وما تحسن الدنيا إذا هي لم تعن | بآخرة حسناء يبقى نعيمها |
أما والذي أعلى السماء بقدرة | وما زال قدما فوق عرش قد استوى |
لئن تم لي التدبير فيما أريده | لتفتقدن الترك يوما فلا ترى |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 5- ص: 0