شرف الدين القدسي محمد بن موسى الكاتب شرف الدين القدسي، كاتب أمير السلاح ثم كتب في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل، أخبرني الشيخ الإمام الحافظ أثير الدين أبو حيان من لفظه قال: هو رجل حسن الأخلاق كريم العشرة محتمل فيه كرم وله خط حسن ونثر كثير ونظم، جالسته مرارا وكتبت عنه وقرأ علينا من نظمه ونثره كثيرا وقد خمس شذور الذهب في صنعة الكيمياء تخميسا حسنا يقضي له بسبق النظم وجودة حوك الكلام ومطابقة الفضل، وأنشدني قال: أنشدني المذكور من لفظه لنفسه:
اليوم يوم سرور لا شرور به | فزوج ابن سحاب بابنه العنب |
ما أنصف الكاس من أبدى القطوب لها | وثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب |
صرف بصرف الحميا ما حمى طربا | فإن فيها لسم الهم درياقا |
دنياك معشوقة والراح ريقتها | فارشف مراشفها إن كنت عشاقا |
أيا علم الدين الذي عين علمه | تريه المعالي نثرها ونظامها |
قذفت لنا يا بحر أي جواهر | وها هي فالبس فذها وتؤامها |
رأى الملك المنصور أنك صالح | لدولته يلقي إليك زمامها |
فولاكها إذ كنت في الرأي شيخها | وكنت إذا نادى الصريخ غلامها |
فما احتفلت إلا وكنت خطيبها | ولا استبقت إلا وكنت إمامها |
فلو غاب بدر الأفق نبت منابه | بل الشمس لو غابت لقمت مقامها |
نهضت بعبء الملك والأمر فادح | وسست الرعايا مصرها وشآمها |
تبسم فاستبكى ببارق ثغره | سحائب جفن ما أخلت بعارض |
مليح أصبناه بعين ونظرة | فمن أجل هذا قد أصيب بعارض |
بي فرط ميل إلى الغزلان والغزل | فكيف لا يقصر العذال عن عذلي |
مالوا علي ولاموا في الهوى عبثا | من لم يمل سمعه مذ كان للملل |
أضحى الغرام غريمي في هوى رشإ | يغنيه عن كحله ما فيه من كحل |
فالبدر من حسنه قد راح ذا كلف | والورد من خده قد راح في خجل |
تشاغل الناس في الأسمار بي وبه | وإنني عن حديث الناس في شغل |
وأهيف تهفو نحو بانة قده | قلوب تثبت الشجو فهي حمائم |
عجبت له إذ دام توريد خده | وما الورد في حال على الغصن دائم |
وأعجب من ذا أن حية شعره | تجول على أعطافه وهو سالم |
إذا ما بار فضلك عند قوم | قصدتهم ولم تظفر بطائل |
فخلهم خلاك الذم واقصد | كريم الدين فهو أبو الفضائل |
لقد رق تخميس الشذور وأصبحت | مداما ولكن كرمها حضرة القدسي |
هي الشمس والأشعار في جنب حسنها | نجوم وما قدر النجوم مع الشمس |
إذا ناب في التقبيل عن شفتي طرسي | وعن بصري في رؤيتي لكم نفسي |
وواصلني منكم خيال مخصص | بروحي في حلم فما لي وللحس |
ومن لي بمرآك الجميل الذي به | لعيني غنى عن طلعة البدر والشمس |
على أنني مستأنس بعد وحشتي | بأنس ولي الدولة الأرخن القس |
غدوت به بعد البطالة عاملا | ولا مثلما أعملت في زاده ضرسي |
وإن ابنه الشيخ الخطير لمسعفي | بما شئت من رفد جزيل ومن أنس |
وأقسم ما للابن والأب عندهم | حياة بلا روح تجيء من القدسي |
يا ليلة بت أستجلي محياها | كأنما بت أستجلي حمياها |
أولت يدا ثم ألوت بي فقلت إذا | ما كان أرخصها عندي وأغلاها |
بيوسف الحسن جزء من محاسنه | فاعجب لها وهي كنز كيف جزاها |
طال النهار انتصارا فانطوت قصرا | كأن في شفقيها كان فجراها |
يدير من لحظه أو لفظه لطفا | لو نستطيع لها شربا شربناها |
والزير والبم والمثنى ومثلثه | محركات من الأوتار أشباها |
ما ملت عنك لجفوة وملال | يوما ولا خطر السلو ببالي |
يا مانحا جسمي السقام ومانعا | جفني المنام وتاركي كالآل |
عمن أخذت جواز منعي ريقك الـ | ـمعسول يا ذا المعطف العسال |
من شعرك الفحام أم عن ثغرك الـ | ـنظام أم عن طرفك الغزالي |
فأجابني: أنا مالك أهل الهوى | والحسن أضحى شافعي وجمالي |
وشقائق النعمان أضحى نابتا | في وجنتي حماه رشق نبالي |
والصبر أحمد للمحب إذا ابتلى | في الحب من محن الهوى بسؤالي |
وعلى أسارى الحب في سجن الهوى | بين الملاح عرفت بالقفال |
وقتلت معتزلي في شرع الهوى | وطرفت بالتنبيه عين السال |
وتفقه العشاق في فكل من | نقل الصحيح أجزته بوصال |
والجوهري غدا بثغري ساكنا | يحمي الصحاح بقدي الميال |
وشهود حسني لو نظرت إليهم | بين الأنام عجبت من أفعالي |
جرح البكاء عيونهم وقلوبهم | وزكوا لقذف الدمع في الأطلال |
والشاهد المجروح عندي صادق | هل في قضاة العاشقين مثالي |
وعلى رحيق الثغر صارم مقلتي | وليته ولكل ثغر وال |
وعلى مقامات الغرام شواهد | جسمي الحريري والبديع مقالي |
ولبست من حلل الجمال مفصلا | حسن الملابس مدهش الغزال |
ولحسني الكشاف في جمل الضيا | لمعا لإيضاح الفصيح مقالي |
وأتى المطرز نحو خدي راقما | طرز العذار وحار في أشكالي |
والواقدي بنار هجري والجفا | وكلته فلكل سال صال |
وبلفظي الفراء يفري قلب من | وافى يناظر ناظري بنصالي |
ومصارع العشاق بين خيامنا | ومقاتل الفرسان يوم نزالي |
ورفضت يوم العاشقين فكل من | ذكر الفراق فدمعه متوالي |
ولدي سلوان المطاع سفاهة | لمتيم أوثقته بحبالي |
وخصصت إخوان الصفا برسائل | ولهم صفا ودي وهم آمالي |
والبيهقي بوجه كل معنف | في موقف التوديع والترحال |
وبوجهي النقاش راح مفسرا | سور الملاحة من دليل دلالي |
ورقيبي الكلبي قد أخسأته | بوقوفه في باب ذل سؤالي |
ومجاهد أضحى علي مقاتلا | خوفا من الرقباء والعذال |
وأبو نعيم منعم في حليتي | إذ بات يمليها على النقال |
ومحاسني قوت القلوب تكرما | ومناقب الأبرار حسن فعالي |
وتطلعي زاد المسير ومبسمي ال ـ | ـضحاك والمنثور حسن لآلي |
وبخدي الزهري جنات المنى | أضحى بها الثوري من عمالي |
وبمنطقي قس الفصاحة واعظ | في فترة الأجفان للضلال |
وقميص حسني قد من قبل الورى | بيدي اليمين وتارة بشمالي |
والثعلبي رأى الوجوه بجهده | وحلا له في النقل وجه الحال |
ولحسني الأنساب يرويها عن الـ | ـعدل الزكي بصحة النقال |
فيراه للتمييز نصبا واجبا | ورفعت عنه الهجر من أفعالي |
ولي الخلافة في الملاح بلحظي الـ | ـسفاح والمنصور في أقوالي |
وعلى محلي بالجمال رواية | في راية نشرت ليوم جدالي |
ومدينة العلم السخاوي أصبحت | في راحتي فعرفت بالبذال |
قال الأوائل ما رأينا مثله | غصن رطيب مثمر بهلال |
قد عمه الحسن الغريب، وخاله | ما في البرية منه قلب خال |
فوصلت عشاقي فلام معنفي | فأجبته هذا الذي يبقى لي |
القوم أبناء السبيل وعندنا | تعطى زكاة الحسن كالأموال |
قد طالما نقلوا حديث محاسني | فهم عدولي صحة ورجالي |
هذي القصيدة بالأئمة شرفت | قدري وفقت بها على أمثالي |
فكأنها العقد الثمين وهم بها الـ | ـدر النظيم مكللا بلآلي |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 5- ص: 0