التصنيفات

‌ابن محرز ركن الدين الوهراني محمد بن محرز أبو عبد الله المعروف بركن الدين الوهراني وقيل جمال الدين أحد ظرفاء العالم وأدبائهم.
قدم من المغرب إلى مصر وهو يدعي الإنشاء فرأى الفاضل والعماد وتلك الحلبة فعلم أنه ليس من طبقتهم فسلك ذاك المنهج الحلو والأنموذج الظريف وعمل المنام المشهور وله ديوان ترسل.
قدم دمشق وأقام بها مدة وبها توفي سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
ووهران مدينة كبيرة وبينها وبين تلمسان يومان بنيت سنة تسعين ومأتين.
والمنام الذي عمله سلك فيه مسلك أبي العلاء المعري في رسالة الغفران لكنه ألطف مقصدا وأعذب عبارة.
وكان قد سلطه الله تعالى على الشيخ تاج الدين الكندي وعلى المهذب ابن النقاش الطبيب وعلى القاضي الفاضل.
أما القاضي الفاضل فإنه ما كان يجسر على التصريح بذكره بل يعرض به كقوله في رسالة كتبها إلى مجد الدين ابن المطلب وقد ذكر الحمام الفيوم: فلم أشعر إلا والحائط الشمالي قد انشق، وخرج منه شخص عجيب الصورة ليس له رأس ولا رقبة البتة وإنما وجهه في صدره ولحيته في بطنه مثل بعض الناس، فهذا تعريض بالفاضل رحمه الله.
وأما المهذب فذكره صريحا كقوله في جملة المنام الذي رآه: وإن القيامة قد قامت والخلق في الموقف، وإذا بحلقة عظيمة بعيدة الأقطار فيها من الأمم ما لا يحصى كلهم يصفقون ويلعبون وثلاثة في وسطهم يرقصون إلى أن تعبوا ووقعوا إلى الأرض، فسألنا بعض الحاضرين عن ذلك الفرح وعن الثلاثة الذين يرقصون فقال: أما الثلاثة فعبد الرحمن بن ملجم المرادي والشمر بن ذي الجوشن والحجاج بن يوسف مجرمو هذه الأمة، وأما الفرح الذي ألهاهم عن توقع العقاب حتى رقصوا من الطرب مع ما كانوا عليه من رجاحة العقل ونزاهة النفس فهو الطمع في رحمة الله تعالى بعد اليأس منها، والسبب فيه كون البارئ عز وجل غفر اليوم للفقيه المجير والمهذب ابن النقاش فخذوا أنتم بحظكم رحمكم الله من الفرح والسرور، فقلت: وأي شيء ينالنا نحن من نجاة هذين الرجلين ومن فوزهما بالرحمة والرضوان ونحن إلى الحزن أقرب منا للسرور؟ فقال: قد أجمع الناس على أنه لم يولد مولود في الإسلام أرق دينا من هذين الرجلين ولا أقل خيرا مهما فإذا غفر لهما فما عسى أن يكون ذنوب الحجاج وأصحابه وما ذنوبهم في جنب ذنوب هذين إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود.
ثم أن الوهراني استطرد بعد هذا في ذكره من شيء إلى شيء في ذكر معائب وقبائح بمقاصد غريبة خفية الكيد، وكرر ذكره في ترسله رماه بكل عظيمة.
وأما تاج الدين الكندي فذكره أيضا في غير موضع من ذلك في رسالة منها وقد ذكر قصيدة للكندي أولها:

ومع هذا فما ينبغي أن يبتدئ مثل هذه البداءة إلا مصعب بن الزبير أو يزيد بن المهلب أو مسلم بن قتيبة الذين جمعوا الشجاعة والكرم، وأما الرجل السوقة إذا قال هذا الكلام فما يجاوب إلا بمكاوي البيطار في اليأفوخ والأصداغ.
وأما قوله:
فإنه وإن كان من الشعر الذي تمجه الأسماع وتأباه النفوس فما له عندي جواب إلا الضراط المغربي الصلب يصفى في جوف لحية قائله من مكان قريب.
وأما قوله:
فلو أن لي به قوة أو آوي إلى ركن شديد لكتبت هذا البيت بالخرا على روق القنبيط ثم ألزمته أن يأكله فيكون الخرا قد أكل الخرا من خرا على خرا في خرا.
وأما قوله:
فهذا البيت المصيبة العظمى والطامة الكبرى وليس ينبغي أن يجاوب في هذا بجواب إلا أن يحضره بعض السلاطين ويقول له: أنت قلت ’’سبقت إلى غايات كل فضيلة’’؟ فيقول: نعم، فيرمي قوسا ويقول: جر هذا القوس، فيقول: ما أقدر، فيقول: اصفعوه فيصفع ثم يقدم له فرسا ورمحا ودرعا ويقول له: قاتل هذا الغلام بهذا السلاح، فيقول: ما أقدر، فيقول: اصفعوه، فيصفع فيقول له: فحل لنا شكلا من إقليدس، فيقول: لا أعلم، فيقول: اصفعوه، فيصفع فيقول: مسالة من المجسطي، فيقول: ما أعلم، فيقول: اصفعوه فيصفع فيقول له: مسألة من النجوم، فيقول: ما أعلم، فيقول: اصفعوه فيصفع فيقول له: يا ابن عشرة آلاف قحبة فأي شيء تعلم؟ فيقول: أعلم شيئا في النحو والتصريف لا غير، فيقول له: ولأجل النحو والتصريف تقول ’’سبقت إلى غايات كل فضيلة’’؟ رحم امرأة سيبويه! ‍‍‍والكلب على عيال الأخفش! ‍واصفع الفارسي عشرة آلاف فلعة قفاه! فيصفع حتى يعمى.
ومن كلامه: عشرة أشياء من أبواب البر تسخط الله وترضي الشيطان وهي: انقطاع ابن الصأبوني إلى الله عز وجل في القرافة، وتعصب الخبوشاني لقبر الشافعي رحمه الله، وتنفل القاضي الأثير قبل صلاة الجمعة وبعدها وظهور سجادة في هذه الأيام على وجهه، وصلاة السديد الطبيب التراويح في شهر رمضان، وبكاء الفقيه البهاء على المنبر يوم الجمعة.
وقراءة الوهراني السبع في صباح كل يوم، وسماع ابن عثمان الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعة واحدة ورواية ذلك على رؤوس الأشهاد، وحضور ابن مماتي مجالس الوعظ في القرافة وبكاؤه عند قراءة القرآن، وإنكار أبي عبد الله البغداذي على المزارين خاصة ولا يلتفت إلى غيره من الذنوب، وبنيان ابن أبي الحجاج لقبر آسية رضي الله عنها وترتيب القراء فيه في كل جمعة، ذكر أن هذه الأعمال الصالحة لا يعبأ الله بها وهي أحب إلى إبليس من كبائر الذنوب.
قلت: وعلى الجملة فما كاد يسلم من شر لسانه أحد ممن عاصره، ومن طالع ترسله وقف على العجائب والغرائب وما كان يخلو - سامحه الله- من تجر.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 4- ص: 0