القاضي فخر الدين المصري الشافعي محمد بن علي بن عبد الكريم أبو الفضائل الشيخ الإمام الفاضل العلامة ذو الفنون أعجوبة الزمان القاضي فخر الدين أبو عبد الله المصري الشافعي الأشعري سألته عن مولده فقال: سنة احدى وتسعين وست مائة بظاهر القاهرة في الحبانية، ووفاته بدمشق في داره بالعادلية الصغيرة بعد مرضة طويلة عوفي في أثنائها ثم انتكس توفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة سنة احدى وخمسين وسبع مائة وصلي عليه الظهر بالجامع الأموي ودفن في مقابر الباب الصغير وكانت جنازته حفلة.
خرج من الديار المصرية أول سنة اثنتين وسبع مائة وأقام بدمشق وقرأ القرآن على جماعة منهم الشيخ موسى العجمي وقرأ العربية والفقه أولا على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة ثم قرأ الفقه على الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين وقرأ بقية العلوم على الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني وهو أكثرهم إفادة له وكان معجبا به وبذهنه الوقاد وحفظه المنقاد يشير إليه في المحافل والدروس وينوه بقدره ويثني عليه، وقرأ على الشيخ صدر الدين وبحث على الشيخ مجد الدين التونسي وعلى الشيخ نجم الدين القحفازي كتاب المقرب في النحو وحفظ الجزولية وبحث منها جانبا على الشيخ نجم الدين الصفدي وقرأ الجست على النعمان والمنطق على جماعة أشهرهم الشيخ رضي الدين المنطقي وعلى الشيخ علاء الدين القونوي بمصر وحفظ التنبيه والمنتخب في أصول الفقه وحفظ مختصر ابن الحاجب في مدة تسعة عشر يوما وهذا أمر عجيب إلى الغاية فإن ألفاظ المختصر غلقة عقدة ما يرتسم معناها في الذهن ليساعد على الحفظ، وحفظ المحصل في أصول الدين وهو قريب من ألفاظ المختصر وحفظ المنتقى في الأحكام وشرع في حفظ أشياء لم تكمل مثل مطلع النيرين والمنهاج للشيخ محيي الدين وتصريف ابن الحاجب وكان يحفظ من المنتقى في أيام عديدة كراسة في كل يوم والكراسة قطع البلدي تضمن خمس مائة سطر.
وفي سنة خمس عشرة وسبع مائة ولي تدريس العادلية الصغيرة وفيها أذن له بالإفتاء وكان له من العمر ثلاث وعشرون سنة.
ولما توفي شيخه الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين جلس بعده بالجامع الأموي في حلقة الأشغال في المذهب وتأدب مع شيخه فأخلى مكانه وجلس دونه وعلق دروسا من التفسير والحديث والفقه مفيدة، وأقدم من سمع عليه الحديث هدية بنت عسكر وأحمد بن مشرف.
وحج إلى سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة سبع مرات جاور في الأولى بمكة بعض سنة عشرين وجاور في الثانية سنة أربعين بمكة والمدينة. ولما حضر من الحجاز كتبت له توقيعا بإعادة تدريس الدولعية ونظرها إليه وهذه نسخته:
رسم بالأمر العالي لا زال يرتفع به العلم الشريف إلى فخره، ويعيده إلى خير حبر تقتبس الفوائد من نوره وتغترف من بحره، ويجمل الزمان بولائه من هو علم عصره وفخر مصره، أن يعاد المجلس العالي الفخري إلى كذا وكذا وضعا للشيء في محله، ورفعا للوبل على طله، ودفعا لسيف النظر إلى يد هي مألف هزه وسله، ومنعا لشعب مكة أن ينزله غير أهله، إذ هو لأصحاب الشافعي رضي الله عنه حجة، ولبحر مذهبه الزاخر لجة، ولأهل فضله الذين يقطعون مفاوزه بالسرى صبح وبالمسير محجة، طالما ناظر الأقران فعدلهم، وجادل الخصوم في حومة البحث فجد لهم وجد لهم، كم قطع الشبهات بحجج لا يعرفها، وأتى بوجه ما رأى الرؤياني أحلى منه في أحلام الطيف، ودخل باب علم فتحه القفال لطالب نهاية المطلب التبري، وارتوى من معين ورد عين حياته الخضري وتمسك بفروع صح سبكها فقال ابن الحداد هذا هو الذهب المصري، وأوضح المغالط بما نسف به جبال النسفي، وروى أقوال أصحاب المذهب بحافظة يتمناها الحافظ السلفي، كم جاور بين زمزم والمقام، وألقى عصا سفره لما رحل عنها الحجيج وأقام، وكم طاب له القرار بطيبه، وعطر بالأذخر والجليل ردنه وجيبه، وكم استروح بظل نخلها والسمرات، وتملى بمشاهدة الحجرة الشريفة وغيره يسفح على قرب تربها العبرات، وكم كتب له بالوصال وصول، وبث شكواه فلم يكن بينه وبين الرسول رسول، لا جرم أنه عاد وقد زاد وقارا، وآب بعدما غاب ليلا فتوضح شيبه نهارا، فليباشر ما فوض إليه جريا على ما عهد ما إفادته، وألف من رياسته لهذه العصابة وسيادته، وعرف من زيادة يومه على أمسه فكان كنيل بلاده ولا يتعجب من زيادته، حتى يحيى بدرسه ما درس، ويثمر عود الفروع فهو الذي أنبته بهذه المدرسة وغرس، مجتهدا في نظر وقفها، معتمدا على تتبع ورقات حسابها وصفحها، عاملا بشروط الواقف فيما شرط، قابضا ما قبضه وباسطا ما بسط، وتقوى الله تعالى جنة يرتع فيها خاطره، ويسرح في رياضها الناضرة ناظره، ومثله لا ينبه عليها، ولا يومأ له بالإشارات إليها، فلا ينزع ما لبسه من حلاها، ولا يسر في مهمه مهم إلا بسناها، والله يديم فوائده لأهل العلم الشريف، ويجدد له سعدا يشكر التالد منه والطريف، والخط الكريم أعلاه حجة بمقتضاه.
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 4- ص: 0