أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ابن عبد الله المسعودي الهذلي المؤرخ الشهير
(وفاته)
توفي سنة 346 بمصر هكذا أرخ وفاته صاحب كشف الظنون وفوات الوفيات وغيرهما وما في البحار نقلا عن النجاشي أنه مات سنة 333 اشتباه نشأ من قول النجاشي الآتي أنه بقي إلى سنة 333 وهو لا يدل على وفاته في تلك السنة كما قاله الشهيد الثاني في حواشي الخلاصة. والنجاشي يظهر أنه أخذه من قول المسعودي في أواخر مروج الذهب أنه انتهى من تأليفه سنة 333 مع أنه في أواخره أيضا قال: ذكر تسمية من حج بالناس من أول الإسلام سنة 335 ثم ذكر ما يدل على أنه فرع منه سنة 336 كما يأتي وعن الحاوي قيل في كتاب ابن طاوس أنه على نسخة كتابه: يقول محمد بن معد الموسوي كتابه الموسوم بالتنبيه والأشراف يتضمن أنه أرخه إلى سنة 345 أقول وفي النسخة المطبوعة من التنبيه والأشراف أنه في سنة 344 تهدم نحو من ثلاثين ذراعا من قبة ابن طولون وفيه أيضا: ذكر ملوك الروم من الهجرة إلى سنة 345 وفي مجالس المؤمنين يروي أنه بقي إلى سنة 345. وما في بعض المواضع أنه توفي سنة 345 ليس بصواب. (نسبته)
المسعودي نسبة إلى مسعود والد عبد الله بن مسعود الصحابي والمترجم من ذرية عبد الله بن مسعود هذا، صرح بذلك غير واحد منهم صاحب فوات الوفيات. والهذلي بضم الهاء وفتح الذال المعجمة بعدها نسبة إلى هذيل قبيلة عربية مشهورة ينتسب إليها عبد الله بن مسعود.
(أقوال العلماء فيه)
لم يذكر الشيخ في رجاله ولا في فهرسته وإنما ذكر المسعودي كما ستعرف الذي يحتمل أنه هو وفي روضات الجنات: قال صاحب رياض العلماء: العجب إن المسعودي قد كان جد الشيخ الطوسي من طرف أمه كما يقال مع أنه لم يذكر له ترجمة في فهرسته ولا رجاله وإنما أورده النجاشي والعلامة وأمثالهما.
وقال النجاشي: علي بن الحسين بن علي المسعودي أبو الحسن الهذلي هذا رجل زعم أبو الفضل الشيباني رحمه الله أنه لقيه واستجازه وقال لقيته وبقي هذا الرجل إلى سنة 333. وقال الشيخ في الفهرست في باب من عرف بقبيلته أو بلده أو لقبه: المسعودي له كتاب رواه موسى بن حسان فلعله هو وذكره العلامة في الخلاصة وابن داود في رجاله في القسم الأول من كتابيهما المعد لمن يعتمد عليه. وقال أبو علي في رجاله: المسعودي هذا من أجلة العلماء الإمامية ومن قدماء الفضلاء الاثني عشرية ويدل عليه ملاحظة أسامي كتبه ومصنفاته وهو ظاهر النجاشي والعلامة وابن داود أيضا لذكرهما أيها في القسم الأول وكذا الشهيد الثاني لعدم تعرضه في الحاشية لردهما كما في غيره من المواضع وممن صرح بذلك السيد ابن طاوس في كتاب فرج الهموم عند ذكر العلماء العالمين بالنجوم حيث قال ومنهم الشيخ الفاضل الشيعي علي بن الحسين بن علي المسعودي مصنف كتاب مروج الذهب إلى أخر كلامه وقد عده المجلسي في الوجيزة من الممدوحين وذكر في جملة الكتب التي أخذ عنها في البحار كتاب الوصية وكتاب مروج الذهب وقال كلاهما للشيخ علي بن الحسين بن علي المسعودي وقال في الفصل الذي بعده في بيان الوثوق بالكتب التي أخذ منها: والمسعودي عده النجاشي من رواة الشيعة وذكره في موضع آخر من البحار وقال هو من علمائنا الإمامية وفي فوات الوفيات: علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي المؤرخ من ذرية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال الشيخ شمس الدين عداده في البغداديين وأقام بمصر مدة وكان إخباريا علامة صاحب غرائب وملح ونوادر مات سنة 346 وفي رياض العلماء الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الهذلي الفاضل العالم الكامل الجامع المؤرخ المقبول قوله عند العامة والخاصة المعروف بالمسعودي الشيخ الجليل المتقدم من أصحابنا الإمامية المعاصر للصدوق وصاحب كتاب مروج الذهب وغيره من المؤلفات الكثيرة وعن السيد الداماد في حاشية اختيار رجال الكشي للشيخ الطوسي أنه قال في حق المسعودي: الشيخ الجليل الثقة الثبت المأمون الحديث عند العامة والخاصة علي بن الحسين المسعودي أبو الحسن الهذلي وفي تكملة الرجال علي بن الحسين بن علي المسعودي بخط التقي المسعودي شيعي وكتاب مروج الذهب لا يظهر منه تشيعه والمعتمد كتبه الآخر بخط ولده المجلسي: (أقول) عندنا كتاب إثبات الوصية له ويدل على أنه من أكمل الشيعة وخواصهم وقال السيد ابن طاوس في كتاب النجوم عند ذكر العارفين بعلم النجوم من الشيعة ما هذا لفظه:
ومن أفضل الموصوفين بعلم النجوم الشيخ الفاضل الشيعي علي بن الحسين بن علي المسعودي مصنف كتاب مروج الذهب وله تصانيف جليلة ومنزلة في العلوم والتواريخ والرياسة كبيرة وقوله إن كتاب مروج الذهب لا يظهر منه تشيعه في غير محله فتشيعه منه ظاهر كالنور على الطور في مواضع كثيرة نعم قد سلك فيه مسلك المؤرخين الذين يذكرون كل ما قيل لا مسلك المتحيزين لجهة خاصة. وفي فهرست ابن النديم: المسعودي هذا الرجل من أهل المغرب يعرف بأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي من ولد عبد الله بن مسعود مصنف لكتب التواريخ وأخبار الملوك. وفي معجم الأدباء: علي بن الحسين بن علي المسعودي من ولد عبد الله بن مسعود مصنف لكتب التواريخ وأخبار الملوك. وفي معجم الأدباء: علي بن الحسين بن علي المسعودي المؤرخ أبو الحسن من ولد عبد الله ابن مسعود صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره محمد بن إسحاق النديم فقال هو من أهل المغرب مات فبما بلغني سنة 346 بمصر قال وقوله أنه من أهل المغرب غلط لأن المسعودي ذكر في السفر الثاني من كتابه المعروف بمروج الذهب وقد عدد فضائل الأقاليم واعتدالها وانحرافها ثم قال: وأوسط الأقاليم إقليم بابل الذي مولدنا به وإن كانت ريب الأيام أنات بيننا وبينه وساحقت مسافتنا عنه وولدت في قلوبنا الحنين إليه إذ كانت وطننا ومسقطنا إلى إن قال وأشرف هذه الأقاليم مدينة السلام ويعزز علي بما أصارتني إليه الأقدار من فراق هذا المصر الذي عن بقعته فصلنا لكنه الدهر الذي من شيمته التشتيت والزمن من شريطته الآفات ومن علامة وفاء المرء دوام عهده وحنينه إلى أخوانه وشوقه إلى أوطانه ومن علامة الرشد إن تكون النفس إلى مولدها تائقة والى مسقط رأسها شائقة. قال فهذا يدلك على إن الرجل بغدادي الأصل وإنما انتقل إلى ديار مصر فأقام فيها وهو يحكي في كتبه كثيرا ويقول رأيت أيام كوني بمصر كيت وكيت.
وقال الدكتور صالح أحمد العلي:
تتميز الحركة الفكرية في القرنين الثالث والرابع الهجري بميزات معينة واضحة، طبعت معظم العلماء الذين ظهروا فيهما، ولعل من أبرز تلك الميزات هو تعدد نواحي ثقافة العلماء والمفكرين، إذ كان كل منهم بدرس مواضيع متعددة من لغة وفقه وحديث وفلسفة وتاريخ وجغرافية، وكثيرا ما كان العالم منهم يبرز في أكثر من ميدان من ميادين المعرفة، فالطبري كان مبرزا في الفقه والتفسير واللغة والتاريخ والحديث، واليعقوبي من أعظم المؤلفين في الجغرافية والتاريخ، ومن قبلهم الكندي كان مبرزا لا في الفلسفة فحسب بل في معظم فروع المعرفة، والجاحظ لم يكن أديبا فحسب بل كان متكلما ومؤرخا وعالما طبيعيا أيضا. والفارابي برز في الفلسفة والموسيقي.
ولا ريب إن تعدد نواحي المعرفة يساعد العالم على معرفة العلاقات بين العلوم المختلفة، ويساعد على تطعيم هذه العلوم ببعضها فالمنطق يعين على النقد والتفكير والتنظيم، والأدب على إظهار جمال الأسلوب، والتاريخ يساعد على معرفة التطور وتقدير أهمية وحدة العلوم وترابطها مع بعضها.
وتعدد جوانب المعرفة من شانه إن يوسع أفق نظر الإنسان، ويخرجه من نطاق التخصص الذي كثيرا ما يؤدي إلى التعصب، هذا إلى أنه يساعد على تقدير مكانة كل علم ومركزه بين العلوم، وإن العالم الذي تعدد جوانب معرفته يكون ذا نظرة واسعة، وصدر رحب، وروح نقدية، ويتصف بعدم الاستسلام والتعصب الأعمى. ومن ميزات القرنين الثالث والرابع الهجري تشبع الناس بروح الدولة الإسلامية، فالفرد منهم صار يعتز بكونه بأصله وعشيرته، حتى إن كثيرا من العلماء الذين ظهروا في هذه الفترة، لا نعلم إلى أي عشيرة ينتمون، بل إن كثيرا ما لا نعلم هل إن أصلهم عربي أم أعجمي، والواقع إن معظم العلماء والمفكرين الذين ظهروا في هذين القرنين كانوا ينتسبون إلى المحلات التي ولدوا فيها، أو المحلات التي أقاموا فيها، أو الأقاليم التي ترعرعوا فيها. كما إن العالم قلما يكتفي بالإقامة في مكان واحد، بل كان يقوم برحلات وسفرات، ليتصل بالعلماء ويسمع منهم أو يدرس على يدهم ويستفيد من عملهم. وقد شجعت أحوال المجتمع هذه الرحلات، فان الحج من أركان الإسلام الخمسة، وهو يلزم كل قادر على زيارة مكة المكرمة للحج، مما يحمل الناس على السفر، ثم إن الرخاء الاقتصادي في القرنين المذكورين وتوزع مراكز الإنتاج والمدن، وقلة العراقيل بوجه التجار والمسافرين ساعد على هذه الرحلات والسفرات. ولا ريب إن التنظيمات القائمة آنذاك كانت تساعد الناس، والعلماء خاصة على القيام بمثل هذه الرحلات، فقد كانت الجوامع تقدم لكثيرين منهم المأوى، والتبرعات كانت توفر للفقراء منهم ما يحتاجونه من زاد وغذاء. وينبغي إلا يغيب عن ذهننا إن معظم العلماء كان دافعهم حب العلم والمعرفة، دون الاهتمام بالمطامع المادية، لذلك لم يكونوا ليحتاجوا في طلب العلم إلى مبالغ طائلة.
ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين ظهروا في هذه الحقبة من الزمن، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الذي ينحدر أصله من عبد الله بن مسعود الصحابي المشهور. ولد في المنتصف الثاني من القرن الثالث ببغداد، ويظهر أنه ترعرع وتثقف فيها وكان يحن إليها في سفراته، ولا أدل على هذا الحنين من قوله في مروج الذهب (وأواسط الأقاليم إقليم بابل) الذي مولدنا به. وإن كانت ريب الأيام أنات بيننا وبينه، وساحقت مسافتنا عنه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه، ! إذ كان وطننا ومسقطنا إلى آخر ما قاله في كلامه. إن هذا النص يدل على مدى تعلق المسعودي بالعراق، أنه نشأ وترعرع فيه، ودرس على علمائه فتركوا في نفسه كل هذا الأثر العميق.
لا تذكر المصادر شيئا واضحا عن نشاة المسعودي الأولى، ولا عن وضعه المالي أو العلماء الذين تتلمذ عليهم أو ناقشهم أو اتصل بهم، ولكننا نستطيع إن نحدس ذكاءه وتتبعه وسعة اطلاعه من الكتب التي روى أنه ألفها، ففي كتابه التنبيه والأشراف الذي أنجز تأليفه في سنة 345 هـ. ذكر أسماء أربعة وثلاثين كتابا من مؤلفاته، في الفقه، والكلام، والأدب، والأخبار والتاريخ، والجغرافية، ولكن لم يبق من هذه الكتب إلا كتاب مروج الذهب، وكتاب التنبيه والأشراف، والأول أطول من الثاني إلا إن الثاني يبدو فيه الاتساق والنضج، وهو يروي إن بعض كتبه الأولى كبيرة. ولكن الزمان لم يبق عليها فضاعت كما ضاع كثير من كنوز المعرفة الإسلامية العظيمة.
غير أننا نستطيع إن نقدر سعة علمه من الكتب التي يورد ذكرها، ففي مقدمة مروج الذهب ذكر لتسعة وسبعين مؤلفا أو كتابا من أمهات كتب التاريخ التي قرأها، عدا الكتب التي لم ير مبررا لذكرها نظرا لوهنها وضعفها.
وتتجلى سعة اطلاعه أيضا مما يورده في مؤلفيه الذين بقيا لنا، يشير إلى الفلسفة، ويذكر الفلاسفة بالاحترام والتقدير، وينعى على مدعى الفلسفة، الذين شوهوا قيمها السامية، كما كان مطلعا على آراء أهل الملل والنحل وألف كتبا عنها. ولكن أكثر تأثره كان بالعلماء الإغريق والغرب.
فأما الإغريق فقد كانوا مبرزين في كثير من العلوم، وقد ترجمت معظم مؤلفاتهم إلى العربية، فساعدت العلماء على الاطلاع عليها والإفادة منها. وقد أورد المسعودي آراء كثير من العلماء الإغريق، وخاصة أرسطو الذي اقتبس المسعودي منه بعض الآراء والأفكار في الجغرافية الطبيعية كما تردد كثيرا في كتابه ذكر العالم الإغريقي بطلميوس، فاقتبس منه كثيرا وأشار إلى بعض آرائه وخاصة عند بحثه عن شكل الأرض وأبعادها، وامتداد المعمور والأقاليم وقسمة الأرض إلى ثلاث قارات، كما أشار إليه عند البحث عن الأنوار والفصول والبحار، وقد أشار في كتبه إلى مارينوس الصوري وهرمس.
غير أنه لم يتقبل كافة آرائهم أو يصدقها، بل نقدهم، نقد آراء بطلميوس عن امتداد المعمورة وتقسيمها إلى ثلاث قارات، أو إن البحر يحيط القارات من كافة الجهات. وقد أشار المسعودي إلى المتقدمين من العلماء العرب، فذكر من الفلكيين كتاب الثلاثين فصلا للفرغاني، والزيج للبتاني، وصورة الأرض للخوارزمي، والمدخل إلى صناعة النجرم للبلخي والزيج المأموني، واقتبس من العرب فكرة انحناء سطح الأرض وإن الأرض كالقبة، وكذلك خطوط الطول والعرض، وأفكاره عن البحار والمناخ والأمطار، ولعل أكثر المفكرين العرب أثرا في المسعودي هو الكندي وتلميذه أحمد بن الطيب السرخسي حيث يجلهما ويقر آراءهما وخاصة عن بحر الحبشة ورسم المعمور وقد تأثر بهما كثيرا.
على أنه لم يكتف بالتعلم بل قام بسفرات طويلة في العالم الإسلامي وخارجه، فقد زار فارس وخراسان والهند والسند حيث بقي فيهما أمدا ووصفهما وصفا دقيقا، كما زار سجستان وكرمان وجرجان وطبرستان وخوزستان. وزار أيضا شرقي إفريقية وسوريا ومصر حيث أقام عدة سنين ألف فيها كتابيه مروج الذهب والتنبيه والأشراف. وقد أكسبته هذه الرحلات اطلاعا واسعا وخبرات مباشرة ومرونة في التفكير. لقد كان المسعودي واسع الاطلاع، نقادة لا يرضى بالخرافات، يعتمد على خبراته الشخصية وعلى قوة تفكير في النقد، واهتم بدراسة أحوال الشعوب وأهل الأرض دراسة شاملة، فوصف الأرض التي يسكنونها فكان جغرافيا عظيما، كما وصف طبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم ومواطنهم، وبحث عن تاريخهم، وهكذا أظهر الصلة الوثيقة بين الجغرافية والتاريخ. ولم يقتصر على وصف العالم الإسلامي فحسب، بل شمل بحثه البلاد غير الإسلامية أيضا، كما لم يقصر بحثه على المصادر العربية بل حاول إن يستقى معلوماته عن تاريخ كل شعب من كتبهم، وهكذا أظهر عمليا أنه نموذج رائع للعالم الحقيقي الفطن المرن الواسع الصدر.
(كلمة المؤلف)
وقال المؤلف: هذا الرجل جليل القدر عظيم المنزلة في العلم بارع في أكثر علوم الإسلام علامة فيها ولم أر من المتقدمين من وفاه حقه في الترجمة مع أنه حقيق بكل وصف جميل فجملة من المؤرخين لم يذكروه كابن خلكان وابن الأثير وغيرهما حتى إن الخطيب في تاريخ بغداد لم يذكره مع أنه ذكر كل من اجتاز بها وإن لم يكن من أهلها وهذا ولد بها وتوطنها ولم يذكره ومن ذكره من المؤلفين اقتصر في وصفه على بضع كلمات لا تفي بحقه مع أطنابهم فيمن لم يبلغ درجته في العلم والفضل والإحاطة والتبحر فابن النديم اقتصر كما سمعت على وصفه بأنه مؤرخ وجعله من أهل المغرب وهو من أهل المشرق وياقوت كما سمعت أيضا لم يزد على وصفه بالمؤرخ وأطال في الرد على ابن النديم في جعله له مغربيا، وكان كل شيء في الدنيا يحتاج إلى حظ، والدنيا حظوظ كما يقال وليس لدينا من كلمات العلماء ما نستفيد منه شرح أحواله على التمام لأنها في حقه موجزة كما سمعت أو معدومة وإنما يمكننا إن نستفيد بعض الشيء من أسماء مؤلفاته ومواضيعها ومما حكاه عن نفسه من أسفاره وتنقله في البلاد الدال على علو همته ولذلك اشتملت كتبه في التاريخ على غرائب لا توجد في غيرها كما يعلم من مطالعتها. وفي رياض العلماء عن بعض علماء مصر أنه قال في كتاب الأهرام والصنم المسمى بأبي الهول قرأت في كتب المسعودي المشتملة على العجائب والغرائب من حكاياته ورواياته ما هذا نصه وقيل إن الوليد الخ. .
كان المسعودي مؤرخا بارعا متبحرا وجغرافيا ماهرا ومتكلما أصوليا فقيها محدثا رجاليا عارفا بالفلسفة وعالما بالنجوم وما إلى ذلك أخلاقيا نسابة وقد ألف في هذه العلوم وفي أكثر علوم الإسلام فألف في أصول الفقه وفي الفقه وفي علم الكلام والدعاء وفي أصول الديانات وفي التاريخ وفي الطبيعيات ولكنه اشتهر بعلم التاريخ واشتهرت تأليفه وشاعت بين الناس وطبع ما وجد منها غير مرة وقد دل على معرفته للعلوم المهمة من علوم الإسلام ودرسه لها وتأليفه فيها ما اشتهر من مؤلفاته.
اشتكى في مقدمة كتابه مروج الذهب ومعدن الجوهر قلة العلم والعلماء بقوله على إن العلم قد بادت آثاره وطمس مناره وكثر فيه العناء وقل الفهماء فلا تعاين إلا مموها جاهلا ومتعاطيا ناقصا قد قنع بالظنون وعمي عن اليقين لم ير الاشتغال بهذا الضرب من العلوم والتفرع لهذا الفن من الآداب. ثم ذكر قسما من مؤلفاته في العلوم الإسلامية فمن العلوم التي درسها وألف فيها علم الكلام وأصول الدين كما أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه المذكور بقوله حتى صنفنا كتبنا من ضروب المقالات وأنواع الديانات ككتاب الإبانة عن أصول الديانة وكتاب المقالات في أصول الديانات وكتاب الاستبصار في الإمامة ووصف أقاويل الناس في ذلك من أصحاب النص والأخبار وحجاج كل فريق منهم وكتاب الصفوة في الإمامة وألف في ذلك أيضا كتاب إثبات الوصية لأمير المؤمنين علي وأولاده الأحد عشر (عليه السلام) وفيه إثبات إن الأرض لا تخلو من حجة وذكر كيفية اتصال الحجج من الأنبياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك الأوصياء إلى قائمهم (عليه السلام) وأول رواياته في تعداد جنود العقل والجهل، وسيأتي أنه ألف في نقض كتب الجاحظ ككتاب العثمانية وغيره.
(ومنها) علم أصول الفقه ألف فيه كتاب نظم الأدلة ذكره في مقدمة كتابه المذكور فقال وكتاب نظم الأدلة في أصول الملة وما اشتمل عليه من أصول الفنون وقوانين الأحكام كنفي القياس والاجتهاد في الأحكام ورفع الرأي والاستحسان ومعرفة الناسخ من المنسوخ وكيفية الإجماع وماهيته والنواهي والحظر والإباحة وما أتت به الأخبار من الاستفاضة والآحاد ومعرفة الخاص والعام والأوامر والنواهي وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وما الحق بذلك من أصول الفتوى وأنباء مناظرة الخصوم فيما نازعوا فيه وموافقتهم في شيء منه ومنها علم الطبيعة والفلسفة والملاحم وما إلى ذلك.
ولعل من جملة مؤلفاته فيه كتابه سر الحياة المذكور في مقدمة مروج الذهب فان المظنون مناسبته لذلك وفيه شيء من علم الأخلاق وقد أشار في مقدمة الكتاب المذكور إلى مؤلفات آخر له في هذا المعنى بقوله مع سائر كتبنا في ضروب علم الظواهر والبواطن والخفي الداثر وإيقاظنا على ما يرتقبه المرتقبون ويتوقعه المحدثون وما ذكروه من نور يلمع في الأرض وينبسط في الجدب والخصب وما في عقب الملاحم الكائنة الظاهر أنباؤها المتجلي أوائلها، وقوله إلى سائر كتبنا في السياسة الطبيعية وانقسام أجزائها والإبانة عن المواد وكيفية تركيب العوالم والأجسام السماوية وما هو محسوس وغير محسوس من الكثيف واللطيف وما قال أهل النحلة في ذلك، وقوله في مقدمة المروج أيضا عند ذكر سنان بن ثابت بن قرة الجرجاني أنه انتهج ما ليس من صناعته وألف كتابا استفتحه بجوامع من الكلام في أخلاق النفس وأقسامها من الناطقة والغضبية والشهوانية وذكر لمعا من السياسات المدنية مما ذكره أفلاطون في كتابه في السياسة المدنية وهو عشر مقالات ولمعا مما يجب على الملوك والوزراء إلى إن قال إن عيبه أنه خرج عن مركز صناعته وتكلف ما ليس من مهنته ولو اقبل على الذي انفرد به من علم أقليدس والمعظمات والمجسطي والمدورات ولو استفتح بسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس فأخبر عن الأشياء الفلكية والآثار العلوية والمزاجات الطبيعية والنسب والتأليفات والنتائج والمقدمات والصنائع والمركبات ومعرفة الطبيعيات من الإلهيات والجواهر والهيئات ومقادير الأشكال وغير ذلك من أنواع الفلسفة لكان قد سلم مما تكلفه فان هذا يدل على معرفته بهذه الأمور ومنها علم الأخلاق فقد ذكر في كتابه إثبات الوصية جنود العقل وجنود الجهل وبحث في ذلك ومنها علم السياسة وقد أشار إلى ذلك في مقدمة مروج الذهب أيضا فقال إلى سائر كتبنا في السياسة كالسياسة المدنية وأجزاء المدنية وانقسام تكون المدنية ومنها علم النجوم وتأثيرها في السفليات وقد أشار إليه فيما مر من كلامه بقوله والأجسام السماوية الخ. وتأتي إشارته إليه في ضمن وصفه لكتاب أخبار الزمان ومر قول ابن طاوس في ذلك ويشتمل كتاب التنبيه والأشراف على قسم من ذلك ومنها الجغرافيا وأشار إليها في ضمن وصفه لكتاب أخبار الزمان أيضا. وذكر مهماته في ضمن كتاب مروج الذهب فمن أبوابه ذكر الأرض والبحار ومبادئ الأنهار والجبال والأقاليم السبعة وما والاها من الكواكب وغير ذلك وذكر مهماته أيضا في كتاب التنبيه والأشراف ومنها النحل والمذاهب فقد أشار إليها في ضمن وصفه لكتاب أخبار الزمان أيضا كما يأتي وعقد لها بابا في مروج الذهب ومما ألفه في ذلك كتاب المقالات في أصول الديانات ومنها علم الرجال وقد أشار إليه في مقدمة مروج الذهب فقال قد آتينا على تسمية جميع أهل الإعصار من حملة الآثار ونقلة السير والأخبار وطبقات أهل العلم من عصر الصحابة ثم من تلاهم من التابعين وأهل كل عصر على اختلاف أنواعهم وتنازعهم في آرائهم من فقهاء الأمصار وغيرهم من أهل الآراء والنحل والمذاهب والجدل إلى سنة 332 في كتابنا المترجم بأخبار الزمان والكتاب الأوسط. ويأتي في مؤلفاته الفهرست والظاهر أنه في الرجال ومنها علم التاريخ وهو أشهر علومه وقد فاق فيه على أقرانه ويدل على تفوقه فيه ما يشير إليه من الحوادث والمطالب التي يحيل فيها على كتابيه أخبار الزمان والأوسط ويدل عليه كتابه المشهور المتداول بين الناس المسمى مروج الذهب ومعدن الجوهر الذي طبع أكثر من مرة وقلما يخلو كتاب في معناه من النقل عنه والذي تفنن فيه في نقل نوادر الأخبار وأحوال الرجال وغرر الحوادث والوقائع وقد قال في أواخر الجزء الثاني منه أنه انتهى التصنيف فيه إلى هذا الوقت وهو جمادى الأولى سنة 336 ونحن بفسطاط مصر ثم قال وجميع ما أوردناه في هذا الكتاب لا يسع ذوي الدراية جهله فمن عد أبواب كتابي هذا ولم يمعن النظر في قراءة كل باب منه لم يبلغ حقيقة ما قلناه ولا عرف للعلم مقداره فلقد جمعنا فيه في عدة السنين باجتهاد وتعب عظيم وجولان في الأسفار وطواف في البلدان من الشرق والغرب وكثير من الممالك غير مملكة الإسلام وقد قال عن كتابه أخبار الزمان عند وصفه له في مقدمة مروج الذهب وقدمنا القول فيه في هيئة الأرض ومدنها وعجائبها وبحارها وأغوارها وجبالها وأنهارها وبدائع معادنها وأصناف مناهلها وأخبار غياضها وجزائر البحار والبحيرات الصغار وأخبار الأبنية المعظمة والمساكن المشرفة وذكر شأن المبدأ وأصل النسل وتباين الأوطان وما كان نهرا فصار بحرا وما كان بحرا فصار برا وما كان برا فصار بحرا على مرور الأيام وكرور الدهور وعلة ذلك وسببه الفلكي والطبيعي وانقسام الأقاليم بخواص الكواكب ومعاطف الأوتاد ومقادير النواحي والآفاق وتباين الناس في التاريخ القديم واختلافهم في بدئه وأوليته من الهند وأصناف الملحدين وما ورد في ذلك عن الشرعيين وما نطقت به الكتب وورد على الديانين ثم اتبعنا ذلك بأخبار الملوك والأمم الداثرة من الملوك والفراعنة والأكاسرة واليونانية ومقايل فلاسفتهم وأخبار العناصر وأخبار الأنبياء والرسل والأتقياء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرنا مولده ومنشأه وبعثته وهجرته ومغازيه وسراياه إلى وفاته والخلافة ومقاتل من ظهر من الطالبيين إلى الوقت الذي شرع فيه في تصنيف مروج الذهب في خلافة المتقي سنة 332 (ومنها) علم الأخلاق فسيأتي إن له فيه الكتاب المسمى بطب النفوس. وقد كان مولعا بالسياحة والأسفار في جميع البلدان والأقطار فشاهد الأمور بنفسه ولم يكتف بالنقل كما أشار إليه في مقدمة مروج الذهب أيضا فقال: من تقاذف الأسفار وقطع القفار تارة على متن البحر كقطعنا بلاد السند والزنج والصنف والصين والرانج وتقحمنا الشرق والغرب فتارة بأقصى خراسان وتارة بأوساط أرمينية وأذربيجان والهرات والطالقان وطورا بالعراق وطورا بالشام فسيري في الآفاق سرى الشمس في الإشراق كما قال بعضهم:
ييمم أقطار البلاد فتارة | لدى شرقها الأقصى وطورا إلى الغرب |
سرى الشمس لا تنفك تقذفه النوى | إلى أفق ناء يقصر بالركب |
واني امرؤ كسروي الفعال | أصيف الجبال وأشتو العراقا |
أيا نكبة الدهر التي طوحت بنا | أيادي سبأ في شرقها والمغارب |
قفي بالتي نهوى فقد طرت بالتالي | إليها تناهت راجعات المصائب |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 220