التصنيفات

الشيخ علي أكبر الملا باشي للسلطان نادر شاة ومعنى الملا باشي رئيس العلماء وذلك إن من عادة ملوك العجم إن يكون لكل منهم عالم يلقب بالملا باشي يصحبه سفرا وحضرا يكون إليه المرجع في الأمور العلمية والمناظرات التي تقع واستمر هذا إلى أخر دولة القاجارية وقد كان بصحبة (تيمورلنك) ملا باشي تولى المناظرة مع علماء حلب لما فتحها كما أشار إليه ابن الشحنة في تاريخه. وكان المترجم على جانب من العلم والفضل كما يظهر من مناظرته مع السويدي الآتية:
ذكره عبد الله السويدي البغدادي في رسالة الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية، ولا نعلم شيئا من أحواله إلا من تلك الرسالة ولولاها لضاعت آثاره كما ضاعت آثار الكثيرين غيره من علماء الشيعة لعدم تدوينها.
وذلك إن نادر شاة بعد ما بايعه الإيرانيون بالسلطنة في آخر الدولة الصفوية 1137 وفتح الهند وبلخا وبخارى وأفغانستان وجميع بلاد تركستان وإيران وحاصر بغداد ثمانية أشهر وكاد يفتحها كان في تلك المدة يراسل السلطان العثماني في عدة أمور منها الاعتراف بالمذهب الجعفري كالمذاهب الأربعة وإن يكون له محراب خاص وإمام في المسجد الحرام وإن يكون من قبله أمير للحاج من طريق العراق وهو يتولى إصلاح البرك والآبار من طريق زبيدة. وفي سنة 1154 أمر ببناء مشهد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وتذهيب القبة والمنارتين والإيوان. وفي سنة 1156 غزا العراق بجيش عظيم وحاصر البصرة وبغداد والموصل وفتح السليمانية وكركوك وترددت الرسل بينه وبين أحمد باشا ابن حسن باشا والي بغداد في الصلح على شرط الاعتراف بالمذهب الجعفري كأحد المذاهب وجمع الشاة لذلك كل مفت في بلاده من الشيعة وأهل السنة حتى بلغوا سبعين مفتيا وأرسل وهو في العراق رسلا إلى الباشا يطلب منه إرسال عالم من قبله للمفاوضة مع العلماء الذين بصحبته فأرسل السويدي فأكرمه الشاة واحترمه بعد ما كان خائفا أشد الخوف حتى أنه بال دما وهو في الطريق ثم وصف دخوله على الشاة وإن عنده أربعة آلاف بنادقي يحرسون ليلا ونهارا وانه جعله في ضيافة اعتماد الدولة ولم يترك نادر شاة من وسيلة في التقريب بين أهل السنة والشيعة إلا توسل بها كما يعلم من مراجعة الرسالة وما سننقله عنها مع ما فيها من التحامل العظيم على الشيعة وعلى نادر شاة ووصفه بأقبح الصفات مثل الباغي الخارجي وغيرها مع كل هذا الإكرام لكن كل هذه الوسائل ذهبت إدراج الرياح بسبب التعصب وعدم الميل إلى الألفة ولولا ما حال دونها من هذه التعصبات لأنتجت نتائج حسنة للمسلمين.
ثم أمر الشاة باجتماعه مع الملا باشي للمناظرة وجعل على هذا المجلس ناظرا وعلى الناظر ناظرا وعلى الآخر ناظرا آخر وكل لا يعلم بصاحبه فخرج الملا باشي لاستقباله راجلا وأجلسه فوقه وجلس متأدبا والسويدي يقول أنه جلس كهيئة التلميذ ولكن هي عادة العجم في جلوسهم على ركبة في مجالسهم مع كل أحد. (قال السويدي) ثم سألني الملا باشي عن حديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (فقلت) أنه حديث مشهور فقال أنه يدل بمنطوقه ومفهومه. على إن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب حيث أثبت له جميع منازل هارون ولم يستثن إلا النبوة والاستثناء معيار العموم فتثبت إن الخلافة لعلي لأنها من جملة منازل هارون فإنه لو عاش لكان خليفة عن موسى (عليه السلام) ودليل العموم الإضافة الدالة على الاستغراق بقرينة الاستثناء فقلت أولا إن هذا الحديث اختلف فيه المحدثون فمن قائل أنه صحيح ومن قائل أنه حسن ومن قائل أنه ضعيف حتى بالغ ابن الجوزي فادعى أنه موضوع فكيف تثبتون به الخلافة وأنتم تشترطون النص الجلي فقال نعم نقول بموجب ما ذكرت ودليلنا ليس هذا إنما هو قوله صلى الله عليه وسلم، ’’سلموا على علي بإمرة المؤمنين’’ وحديث الطائر لكنكم تدعون إنهما موضوعان وكلامي في هذا الحديث لم لم تثبتوا الخلافة لعلي به قلت والاستغراق فيه ممنوع إذ من جملة منازل هارون كونه نبيا مع موسى وعلي ليس كذلك باتفاق ونبوته مع النبي صلى الله عليه وسلم، لم تستثن وإنما استثنيت بعده ومن جملتها كونه أخا شقيقا لموسى وعلي ليس باخ والعام إذا تخصص بغير الاستثناء صارت دلالته ظنية فليحمل على منزلة واحدة كما هو ظاهر التاء التي للوحدة فتكون الإضافة للعهد وهو الأصل فيها وإلا بمعنى لكن نحو فلان جواد إلا أنه جبان فالقضية مهملة يراد منها بعض غير معين وإنما نعنيه من خارج وهو المنزلة المعهودة حين استخلف موسى هارون على بني إسرائيل أخلفني في قومي ومنزلة علي استخلافه على المدينة في غزوة تبوك فقال الملا باشي والاستخلاف يدل على أنه أفضل والخليفة بعده فقلت لو دل على ذلك لكان ابن أم مكتوم خليفة لأنه استخلفه على المدينة واستخلف غيره أيضا ولو كان هذا فضيلة لما وجد علي في نفسه وقال أ تجعلني مع النساء والأطفال والضعفة فقال صلى الله عليه وسلم، تطييبا لنفسه أما ترضى الخ فقال ذكر في أصولكم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب قلت إني لم أجعل خصوص السبب دليلا وإنما هو قرينة تعين ذلك البعض المبهم فانقطع ملخصا يقول المؤلف ما أجاب به السويدي لا يوجب الانقطاع ولكن ما لنا وله انقطع أو لم ينقطع وليس للغائب إن يحكم على ما غاب عنه فلنذكر ما عندنا في ذلك فنقول قد جرت العادة واستمرت الطريقة على أنه إذا ورد حديث في فضل علي عليه السلام وتقديمه أو استدل به مستدل يعمد أولا إلى سنده فينكر ولو كان من المتواترات أو مستفيضا فيتنزل من الصحة إلى الحسن إلى الضعف إلى الوضع وتسليم السويدي إن هذا الحديث مشهور وإن قال بعض المحدثين بصحته أو حسنه يوجب تميزا للسويدي وبعد بذل الجهد في إنكار السند ولو كان مما لا ينكر والتشبث في ذلك بكل متشبث ينتقل إلى الدلالة فتحتمل فيها الاحتمالات وتنتابها التأويلات ولو كانت واضحة جلية أو نصا لا يحتمل التأويل شنشنة أعرفها من أخزم ثم إن ما ذكره السويدي هنا لا يخلو من اضطراب فهو قد ذكر اختلاف المحدثين في السند فما ربط ذلك بجلاء النص وخفائه وهو راجع إلى الدلالة وكيف يقول له الملا باشي إن دليلنا حديث المنزلة وكيف سكت عن الاعتراض عليه بذلك وكيف سلم له وضعه وهو مشهور رواه المحدثون من الفريقين أما قول السويدي في منع الاستغراق إن من جملة منازل هارون أنه نبي مع موسى وأخ شقيق له وقد خصصا بغير الاستثناء والعام إذا خصص بغير الاستثناء صارت دلالته ظنية فعجيب إذا الإضافة في نفسها ظاهرة في العموم كالتعريف بال على ما تقرر في الأصول والظاهر حجة والاستثناء يزيدها ظهورا ووضوحا ويجعلها نصا فيه أو كالنص لأنه إخراج ما لولاه لدخل كما تقرر في علم العربية أما إن العام إذا خصص بغير الاستثناء صارت دلالته ظنية فلا يفهم له معنى إذ العام لا يخرج عن الدلالة الظنية خصص أو لم يخصص بل المعتبر في الدلالة الظهور لا الظن الشخصي نعم الظهور يوجب الظن النوعي وعلى الظهور مدار الحجة في أمور الدين والدنيا والاستثناء إذا أفاد الظهور زيادة أو نصوصية فلا يخرج عنها إذا لم يعلم تخصيصه بمخصص معلوم غير ما أخرجه الاستثناء مثل إن عليا ليس شريكا في النبوة ولا أخا فما رتبه على ذلك من حمل المنزلة على منزلة واحدة ساقط لتمسكه بان ظاهر التاء الوحدة فان ظاهرها الوحدة لولا الإضافة الظاهرة في العموم والاستثناء المؤكد لهذا الظهور الذي يجعله بمنزلة النص وقوله الأصل في الإضافة العهد غير صحيح بل الأصل فيها العموم كال وإنما يحمل على العهد بقرينة وهي مفقودة وما زعمه قرينة من استخلاف موسى هارون والنبي صلى الله عليه وسلم، عليا في غزوة تبوك لا يصلح قرينة لان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما قال الملا باشي وجواب السويدي عنه بأنه لم يجعل خصوص السبب دليلا وإنما جعله قرينة على تعيين البعض المبهم ساقط فانا قد بينا بقاء العام على عمومه وعدم صيرورة القضية مهملة بما ذكره على إن الكلام ظاهر ظهورا تاما في أنه ليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم، إني استخلفتك على النساء والضعفاء والأطفال كما استخلف هارون موسى على قومه فان هذا ليس فيه شيء من التطييب لقلبه لظهور الفرق بين المقامين فموسى استخلف هارون على قومه وجعل له منزلته فيهم والنبي صلى الله عليه وسلم، استخلف عليا على النساء والضعفاء فلم يأت له النبي صلى الله عليه وسلم، بشيء يرفع ما وقع في نفسه أو نفس غيره من الحزارة بل أقرها وأثبتها فلا بد إن يكون أراد شيئا أعلى من ذلك وارفع ولو أراد ذلك لم يحتج إلى قوله إلا أنه لا نبي بعدي بل يكون فضولا وزيادة لا محل لها في كلام من هو أفصح من نطق بالضاد وأبلغهم هكذا تكون التأويلات المصادمة للبديهة وأما استثناء النبوة بعده وعدم استثنائها معه فلان ذلك محط النظر وموضع الفائدة في إثبات منزلة هارون من موسى له وجعل إلا بمعنى لكن مع كونه خلاف الظاهر ومبنيا على بطلان العموم الذي بينا فساده لا يضر في تأكيد العموم لان لكن وإلا التي بمعناها لا يخرجان عن إرادة الاستثناء والإخراج من العموم السابق سواء سمي استدراكا واستثناء كما لا يخفى قال ثم احتج الملا باشي بآية المباهلة وأنه لا يقدم إلى الدعاء إلا الأفضل قلت هذا من باب المناقب لا الفضائل وكل صحابي اختص بمنقبة لا توجد في غيره كما لا يخفى على من تتبع كتب السير قال المؤلف ولكن عليا (عليه السلام) شارك جميع الصحابة في مناقبهم وانفرد عنهم بمناقب كثيرة لم يشاركوه فيها كما لا يخفى على من تتبع كتب السير وأنصف وهذه من المناقب التي انفرد بها فتكون من الفضائل قال السويدي وأيضا القرآن نزل على أسلوب كلام العرب ومحاوراتهم فإذا وقع حرب وجدال بين كبيرين من عشيرتين يقول أحدهما للآخر أبرز أنت وخاصة عشيرتك وأبرز أنا وخاصة عشيرتي دون الأجانب فلا يدل على أنه ليس في عشيرتهما أشجع من خاصتهما قال المؤلف لا ندري من أين أتى السويدي بهذه العادة العربية ولم نسمع إن أحدا من العرب فعلها في حروبهم ومخاصماتهم في الجاهلية والإسلام وهذا علي لما طلب معاوية للمبارزة في حرب صفين لم يقل له أبرز أنت وعشيرتك وابرز أنا وعشيرتي بل كان ينهي بني هاشم عن المبارزة ويكف الحسنين (عليه السلام) عن الحرب مطلقا والأصحاب والأصدقاء لا تقدم عليهم العشيرة عند العرب ولا غيرهم في حرب ولا جدال لا سيما إذا كانوا أفضل منها قال السويدي: وأيضا الدعاء بحضور الأقارب يقتضي الخشوع لسرعة الإجابة فقال ولا ينشأ الخشوع إلا من كثرة المحبة فقلت هذه محبة جبلية طبيعية كمحبة الإنسان نفسه وولده أكثر ممن هو أفضل منه ومن ولده بطبقات فلا تقتضي وزرا ولا أجرا والمقتضي أحدهما هي الاختيارية قال المؤلف كل هذا إن أمكن ففي حق غير الأنبياء ولا سيما أفضلهم الذي خضوعه على قدر معرفته بالله تعالى وعلى قدر صفاء ذاته وطهارته لا يؤثر فيه حضور الأقارب ولا غيبتهم والذين حبهم وبغضهم في الله تعالى وطبيعتهم وجبلتهم على ذلك لأنهم متفانون في حبه تعالى لا يشركه فيه أحد من قرابة ولا غيرها والقريب والبعيد عندهم في ذلك سواء ولهذا قال سلمان منا أهل البيت وهو فارسي والقول بان النبي صلى الله عليه وسلم، يحب نفسه وولده أكثر ممن هو أفضل منهم بدرجات إزراء بمقامه صلى الله عليه وسلم، ونسبة له إلى ما لا يرضى به بعض الأتقياء لأنفسهم وإذا كان حضور الأقارب يوجب زيادة الخشوع من النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبة له إلى ما لا يرضى في الفضل فلما ذا لم يجمع النبي صلى الله عليه وسلم، جميع أقاربه من بني هاشم عند المباهلة ليزداد خشوعه الموجب لسرعة الإجابة واقتصر على هؤلاء الأربعة وإذا كانت فاطمة وولداها أقرب إليه فعلي ليس أقرب من عمه العباس وأولاده قال الملا باشي وفيها وجه آخر يقتضي الأفضلية حيث جعل نفسه نفس علي في قوله: وأنفسنا وأنفسكم فقلت الله اعلم أنك لم تعرف الأصول ولا العربية فالأنفس جمع قلة مضاف إلى الدالة على الجمع ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي تقسيم الآحاد صرح بذلك في الأصول غايته أنه أطلق الجمع على الاثنين وهو مسموع واستعمله أهل الميزان في التعاريف وأطلق الأبناء على الحسنين والنساء على فاطمة مجازا نعم لو كان بدل أنفسنا نفسي لربما كان له وجه ما بحسب الظاهر ولو دلت الآية على خلافة علي لدلت على خلافة الحسنين وفاطمة فانقطع قال المؤلف دعاء الإنسان نفسه محال والمجاز خلاف الأصل فيكون المراد بأنفسنا على وحده مجازا كما أطلق على فاطمة نساءنا وعلى الحسنين أبناءنا لأنا نقول المجاز على ما نقوله في أنفسنا فقط بإطلاقه على الواحد وعلى ما تقولونه في أنفسنا بإطلاقه على الاثنين وفي ندعو باستعماله في دعاء الإنسان نفسه وغيره بلفظ واحد وتقليل المجاز في الكلام أولي من تكثيره وأما اقتضاؤه خلافة الحسنين وفاطمة (عليه السلام) فنقول بها في الحسنين بعد أبيهما ولا نقول به في فاطمة لمكان الإجماع ثم (احتج الملا باشي) بآية {وإنما وليكم الله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}.
وقال أجمع المفسرون على إنها نزلت في علي حين تصدق بخاتمه على السائل وهو في الصلاة وإنما للحصر والولي بمعنى الأولى منكم بالتصرف فقلت لهذه الآية عندي أجوبة كثيرة وقبل إن أشرع في الأجوبة قال بعض الحاضرين من الشيعة للملا باشي باللغة الفارسية اترك المباحثة مع هذا فإنك كلما زدت في الدلائل فأجابك عنها انحطت منزلتك فنظر إلي وتبسم وقال إنك رجل فاضل تجيب عن هذه وغيرها قال المؤلف وفي اقتران ولايته بولاية الله وولاية رسوله وحصرها فيهم أقوى دليل على إمامته وكان ينبغي للسويدي إن لا يترك الجواب عنها لقول بعض الحاضرين ولا لقول الملا باشي ولا يترك للشك مجالا فإنه لا عطر بعد عروس وإذا ترك الجواب عنها في المجلس فكان ينبغي إن يذكر أجوبتها في رسالته التي أكثر فيها من التشنيع على الشيعة بغير حق وأبان فيها غلبته للملا باشي وقطعه قال السويدي ثم قلت له أريد إن أسألك عن مسالتين لا تستطيع الشيعة الجواب عنهما فقال وما هما قلت الأولى ما حكم الصحابة عندكم قال ارتدوا إلا خمسة حيث لم يبايعوا عليا بالخلافة قلت كيف زوج علي ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطأب فقال أنه مكره فقلت أنكم اعتقدتم في علي منقصة لا يرضى بها أدنى العرب فضلا عن بني هاشم الذين هم سادات العرب وأكرمها أرومة وأفضلها جرثومة وأعلاها نسبا وأعظمها مروءة وحمية وأكثرها نعوتا سمية وأدنى العرب يبذل نفسه دون عرضه فكيف تثبتون لعلي وهو الشجاع الصنديد ليث بني غالب أسد الله في المشارق والمغارب مثل هذه المنقصة التي لا يرضى بها أجلاف العرب قال يحتمل إن تكون جنية تصورت بصورة أم كلثوم قلت هذا أشنع ولو فتحنا هذا الباب لانسدت جميع أبواب الشريعة قال المؤلف لا يقول أحد من الشيعة بان ترك المبايعة بالخلافة موجب للارتداد بمعنى الخروج عن دين الإسلام لأن الخلافة ليست عندهم من ضروريات الدين يكفر منكرها وليس فيهم من يقول بارتداد أحد من الصحابة سوى من أجمع أهل السنة والشيعة عالي ارتداده كمن أنكر الرسالة أو أنكر ما ثبت وجوبه أو تحريمه بالضرورة من دين الإسلام كوجوب الصلاة والحج والصيام وتحريم الزنا والخمر والكذب وغير ذلك وكيف يتصور متصور أو يتوهم متوهم إنهم يقولون بالارتداد بمعنى الخروج عن دين الإسلام في حق من يلتزم بضروريات الإسلام وأحكامه فكيف ينسبه الملا باشي إلى الشيعة إن هذا ما لا يظن صدوره منه أما استدلاله بما أطال به نعوت بني هاشم وأكثر فيه من الأسجاع بالأرومة والجرثومة والحمية والنعوت السمية وفي أوصاف علي بالشجاع الصنديد وليث بني غالب وأسد الله في المشارق والمغارب التي تذكر عند الاحتياج إليها في نصرة الرأي ولم يطل العهد على إنكاره إن تكون لعلي فضيلة انفرد بها وإنما له مناقب كما لغيره فالجواب عنه إن عليا (عليه السلام) مهما بلغت به الشجاعة لم يكن أشجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مساويا له وقد بقي محصورا بالشعب ثلاث سنين وهو وبنو هاشم الذين هم سادات العرب وأكرمها أرومة وأفضلها جرثومة وأعظمها حمية ونعوتا سمية كما وصفهم السويدي مسلمهم وكافرهم لا يبايعون ولا يناكحون ولا يعاشرون حتى كادوا إن يهلكوا وصبروا على هذه الخطة المضيمة ولم تدفع عنهم تلك الحمية والأوصاف السمية والنفوس الأبية والنسب العالي وتلك الجرثومة والأرومة وبعد خروجهم من الشعب بقي صابرا على أذى قريش لمن آمن به وتعذيبهم إياهم ليفتنوهم عن دينهم وفيه شجاعة النبوة التي لا تصل إليها شجاعة ليث بني غالب وفارس المشارق والمغارب ثم فر من قومه مختفيا في الغار مع صاحبه الذي لم ينفرد عنه علي بفضيلة الشجاعة كما يقول السويدي وقبل عام الحديبية في صلحه مع قريش بالشروط المجحفة بحقوق المسلمين التي منها إن من جاءه مسلما فعليه إن يرده إلى قريش يقيدونه بالسلاسل والأغلال ويعذبونه ومن جاءهم مرتدا أو غير مرتد ليس عليهم إن يردوه إليه ولم يكن علي عندكم أشجع من موسى وهو نبي من أولي العزم حين قال ففررت منك لما خفتكم ولا من نوح وهو كذلك إذ يقول رب إني مغلوب فانتصر ولا من هارون إذ قال إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ولا من شعيب حين قال لو إن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد إلى غير ذلك. وهذا ليس معناه أننا نعتقد بأنه كان مكرها على ذلك ولكننا نقول إن هذا الدليل لا ينفي عدم الإكراه. وأما احتمال الجنية فهو السخافة بمكان ولا يحتمله أحد من الشيعة ولا نظن إن الملا باشي فاه به ولو فعل لكان جاهلا قال ثم سألته عن أم محمد بن الحنيفية فقال من بني حنيفة فقلت من سبيهم فقال: لا أدري وهو كاذب فقال بعض الحاضرين من علمائهم من سبيهم فقلت كيف ساع لعلي إن يأخذ جارية من السبي والإمام الجائر على زعمكم لا تنفذ أحكامه فقال لعل أهلها زوجوه بها فقلت هذا يحتاج إلى دليل فانقطع والحمد لله قال المؤلف لا ندري كيف انقطع بهذا الجواب ولا نظن ذلك واقعا ومتى وجد الاحتمال بطل الاستدلال فما زعمه السويدي من أنه استولدها بملك اليمين لا بالعقد هو المحتاج إلى الدليل على إن سبي بني حنيفة وقتل مالك بن نويرة منهم وتزوج خالد بزوجته أول من أنكره عمر بن الخطاب ونقم على خالد في ذلك ونزع السهام التي كان وضعها في عمامته حين دخل المسجد وكسرها وطلب من الخليفة إن يقيم عليه الحد والقصاص والقصة مشهورة فأين موضع الاستدلال بسبي بني حنيفة.
ويحتمل قويا إن الملا باشي كان مأمورا من قبل الشاة بالتساهل مع السويدي وعدم إكثار النزاع معه فلذلك سكت عن رد أجوبته التي ليس فيها شيء يوجب انقطاعه كما بينا وقال السويدي: ثم أخبر الشاة بهذه المناظرة طبق ما وقعت فأمر باجتماع علماء إيران والأفغان وما وراء النهر وإن يرفعوا جميع ما يرونه منافيا وإن أكون ناظرا عليهم ووكيلا عن الشاة فاجتمع في المسقف الذي وراء ضريح الإمام علي سبعون عالما من علماء إيران فيهم سني واحد وهو مفتي أردلان كتبت أسماء المشهورين منهم.
وهم
(1) الملا باشي علي أكبر
(2) مفتي ركاب آقا حسين
(3) الملا محمد إمام لاهجان
(4) آقا شريف مفتي مشهد الرضا
(5) مرزا برهان قاضي شروان
(6) الشيخ حسين المفتي بأرومية
(7) ميرزا أبو الفضل المفتي بقم
(8) الحاج صادق المفتي بجام
(9) السيد محمد مهدي إمام أصفهان
(10) الحاج محمد زكي المفتي بكرمان شاة
(11) الحاج محمد الثماني المفتي بشيراز
(12) ميرزا أسد الله المفتي بتبريز
(13) الملا طالب المفتي بمازندران
(14) الملا محمد مهدي نائب الصدارة بمشهد الرضا
(15) الملا محمد صادق المفتي بخلخال
(16) محمد مؤمن المفتي بأسترآباد
(17) السيد محمد تقي المفتي بقزوين
(18) الملا محمد حسين المفتي بسبزوار
(19) السيد بهاء الدين المفتي بكرمان
(20) السيد أحمد المفتي بأردلان الشافعي وغيرهم من العلماء وهذا الآخر من علماء أهل السنة.
ثم جاء علماء الأفغان فكتب أسماؤهم وهم
(1) الشيخ الفاضل الملا حمزة القلنجاني الحنفي مفتي الأفغان
(2) الملا أمين القلنجاني قاضي الأفغان
(3) الملا دنيا الخلفي الحنفي
(4) الملا طه الأفغاني الحنفي المدرس بنادرآباد
(5) الملا نور محمد القلنجاني الحنفي
(6) الملا عبد الرزاق القلنجاني الحنفي
(7) الملا إدريس الايدالي الحنفي.
ثم جاء علماء ما وراء النهر يقدمهم شيخ جليل عليه المهابة والوقار يخيل للناظر أنه أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة فكتبت أسماؤهم وهم:
(1) العلامة هادي خواجة الملقب بحر العلم القاضي ببخارى
(2) مير عبد الله صدور
(3) قلندر خواجة
(4) ملا أميد صدور
(5) بادشاه خواجة
(6) ميرزا خواجة
(7) الملا ابراهيك وكلهم بخاريون حنفيون وأنت ترى إن السويدي ذكر أسماء علماء الشيعة مقتصرا عليها وذكر جماعة من غيرهم بأوصاف التعظيم وابتدأ الملا باشي يقول لملا حمزة إننا مسلمون حتى عند أبي حنيفة قال في جامع الأصول: مدار الإسلام على خمسة مذاهب وعد الخامس مذهب الإمامية وكذا صاحب المواقف عد الإمامية من الفرق الإسلامية وقال أبو حنيفة في فقه الأكبر لا نكفر أهل القبلة وقال السيد فلان وصرح باسمه ونسبته في شرح هداية الفقه الحنفي: الصحيح إن الإمامية من الفرق الإسلامية وذكر أشياء كثيرة لا فائدة فيها فلا نطيل بنقلها.
ثم قاموا وتصافحوا ويقول أحدهم للآخر أهلا بأخي وانقضى المجلس قبيل الغروب يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة 1157 فنظرت فإذا الواقفون على رؤوسنا والمحيطون بنا من العجم ما يزيد على عشرة آلاف وجاء اعتماد الدولة من عند الشاة وقد مضى من الليل أربع ساعات فقال لي إن الشاة شكر فعلك وهو يرجو إن تحضر غدا في المكان الأول ليكتبوا جميع ما قرروه ويضعوا خواتيمهم وتكتب شهادتك في صدر الرقعة فحضرنا يوم الخميس كلنا والعجم متصلة من خارج من باب القبة إلى باب الضريح يبلغون نحو الستين ألفا فاتوا بجريدة طولها أكثر من سبعة أشبار فأمر الملا باشي مفتي الركاب آقا حسين إن يقرأ قائما ففعل وهي باللغة الفارسية مضمونها إن الله اقتضت حكمته إرسال الرسل حتى جاءت نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولما توفي اتفق الأصحاب رضي الله عنهم على أفضلهم أبي بكر الصديق رضي الله عنه فبايعوه حتى الإمام علي بن طالب بطوعه واختياره ثم نصب أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب للخلافة فبايعه الصحابة كلهم حتى الإمام علي ثم جعلها شورى بين ستة أحدهم علي فاتفقوا على عثمان بن عفان ثم استشهد فاجتمع الصحابة على علي وهؤلاء الأربعة لم يقع بينهم تشاجر ولا نزاع وكان كل منهم يحب الآخر ويمدحه حتى قال علي في الشيخين هما إمامان عادلان قاسطان كانا على الحق وماتا عليه وقال الصديق أتبايعونني وفيكم علي بن أبي طالب فاعلموا أيها الإيرانيون إن فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب فمن خالف فما له وولده وعياله ودمه للشاه قال السويدي فاعترضت على لفظة النصب المذكورة في خلافة سيدنا عمر وقلت للملا باشي ضع بدلها لفظة العهد لأن في لفظة النصب شائبة إنهم ناصبة فعارضني بعض الحاضرين وقال هذا خلاف ظاهر اللفظ والمعنى الذي ذكرته لم يخطر ببال أحد ولا يقصده أحد وأخشى إن تثور الفتنة بسببك ووافقه الملا باشي فسكت وذكر أنه اعترض على أشياء أخرى لا محل لذكرها فلم يوافقوه عليها ثم وضعوا خواتيمهم في تلك الرقعة وفيها أيضا كتابة عن لسان أهل النجف وكربلا والحلة والخوارز كذا فوضعوا فيها خواتمهم ومنهم السيد نصر الله المعروف بابن قطة والشيخ جواد النجفي الكوفي وغيرهم وكتابة عن لسان الأفغانيين وعلماء ما وراء النهر وفيها شهادة على الإيرانيين بذلك فوضعوا خواتمهم فيها وقال شهدت في أعلاها وبعث الشاة بالحلويات في صواني الفضة ومبخرة من الذهب مرصعة بالجواهر فيها العنبر فتبخرنا وأكلنا ووقف الشاة تلك المبخرة على حضرة سيدنا علي ثم أرسل إلي وقربني وقال لي جزاك الله خيرا وجزى أحمد خان أحمد باشا خيرا فما قصر في إصلاح ذات البين وحقن دماء المسلمين أيد الله سلطان آل عثمان وزاده عزا ورفعة ثم قال أريد إن تبقى غدا لأني أمرت بصلاة الجمعة في مسجد الكوفة وإن تذكر الصحابة على المنبر على الترتيب ويدعى لأخي الكبير سلطان آل عثمان ثم يدعى للأخ الصغير يعني نفسه وصبحة الجمعة ارتحل إلى الكوفة وهي فرسخ وشيء وأمر مؤذنيه فاعلنوا بآذان الجمعة فقلت لاعتماد الدولة إن صلاة الجمعة لا تصح عندنا في مسجد الكوفة لعدم المصر عند أبي حنيفة ولعدم الأربعين من البلد عند الشافعي فقال المراد حضورك لتسمع الخطبة فان شئت صليت وإن شئت لا فذهبت إلى الجامع فرأيته غاصا بالناس فيه نحو خمسة آلاف فيهم علماء إيران والخانات وعلى المنبر إمام الشاة علي مدد فتشاور الملا باشي وبعض علماء كربلاء فأمر الملا باشي بإنزال علي مدد وصعد الكربلائي فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال وعلى الخليفة الأول من بعده على التحقيق أبي بكر الصديق وعلى الخليفة الثاني الناطق بالصدق والصواب سيدنا عمر وعلى الخليفة الثالث جامع القرآن عثمان بن عفان وعلى الخليفة الرابع ليث بني غالب سيدنا علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين وباقي الصحابة والقرابة رضوان الله عليهم أجمعين اللهم أدم دولة ظل الله في العالم سلطان سلاطين بني آدم سلطان البرين وخاقان البحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان محمود خان ابن السلطان مصطفى خان أيد الله خلافته وخلد سلطنته ونصر جيوشه اللهم أدم دولة من أضاءت به الشجرة التركمانية ملاذ السلاطين وملجا الخواقين ظل الله في العالمين قران نادر دومران ثم نزل وأقيمت الصلاة فأسبل يديه وجميع من وراءه من علماء وخواقين واضعون إيمانهم على شمائلهم فقرأ الفاتحة والجمعة وقنت قبل الركوع وجهر بتسبيحات الركوع ثم رفع رأسه قائلا الله أكبر بلا سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد وقنت ثانيا جهرا ثم سجد سجدتين جلس بينهما وجهر بالتسبيحات وقرأ في الركعة الثانية الحمد وسورة المنافقين وركع وسجد وفعل كفعله الأول وتشهد فقرأ شيئا كثيرا ما فيه من تشهدنا إلا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وجهر به وسلم على اليمين فقط واضعا يديه على رأسه ثم أرسل الشاة حلويات كثيرة. ومما انتقده السويدي على الخطيب أنه كسر راء عمر مع أنه إمام في العربية وشتم السويدي هنا الإمام أقبح الشتم مع أنه يمكن إن يكون لسانه سبقه إلى الكسر والإنسان محل السهو والنسيان وإن كان إماما في العربية سيما في مثل ذلك المجمع العظيم المهيب أو أنه لم يخلص الفتحة كما يقع كثيرا فظهرت شبيهة بالكسرة فحمل السويدي سوء ظنه الشديد على إن ظن به تعمد الكسر قال فقال لي الاعتماد كيف رأيت الخطبة والصلاة فقلت أما الخطبة فلا كلام فيها وأما الصلاة فخارجة عن المذاهب الأربعة على غير ما شرط عليهم إن لا يتعاطوا أمرا خارجا عن المذاهب الأربعة. فأخبر الشاة فغضب وأرسل لي معه يقول أخبر أحمد خان إني ارفع جميع الخلافات حتى السجود على التراب يقول المؤلف يا عجبا للسويدي لا يرضيه عن الشيعة إلا إن يتركوا مذهب جعفر الصادق إمام أهل البيت ويقلدوا المذاهب الأربعة التي ليس مذهب جعفر دونها إن لم يكن خيرها والسجود على التراب جائز في المذاهب الأربعة بل هو أفضل وأقرب إلى الخضوع لله تعالى الذي شرع السجود لأجله فكيف يمنعه نادر شاة ليرضي السويدي ومع كل هذا التشدد كيف يمكن اتفاق المسلمين الذي حاوله نادر شاة بكل جهده فحال دونه أمثال السويدي ثم ذكر أنه تذاكر مع الملا باشي في مذهب جعفر الصادق بما نقلناه في الجزء الثاني من معادن الجواهر فلا نعيده هنا وأرسل الشاة صورة الجريدة إلى أحمد باشا مع السويدي وأرسل بعد ذلك السيد نصر الله الحائري ليكون إماما في مكة المكرمة وأرسل معه هدايا إلى شريف مكة فحاول أهل مكة قتله ثم جاءه الأمر بالسفر إلى إسلامبول للسفارة بين الشاة والسلطان فاستشهد فيها لأجل التشيع فبطلت مساعي نادر شاة في جمع كلمة المسلمين. وذكرنا ملخص هذه الرسالة بطولها في هذه الترجمة وإن خرجت عن مقاصد الكتاب لما فيها من الوقائع التاريخية والمناظرة التي لا يمكن للإنسان إن يمر بها ولا يبدي رأيه فيها والشيء بالشيء يذكر والحديث شجون.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 171