السيد حسن ابن عمنا السيد محمود
ابن السيد علي ابن السيد محمد الأمين ابن أحمد أبي الحسن موسى ابن السيد محمد ابن السيد إبراهيم ابن السيد أحمد الحسيني العاملي الشقرائي المنتهي نسبه الشريف إلى الحسين ذي الدمعة ابن زيد الشهيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
مولده ووفاته ومدفنه ومأتمه
ولد سنة 1299 في قرية عيترون التي كان قد انتقل إليها والده من شقراء وتوفي في شهر جمادي الآخرة سنة 1368 بمدينة بيروت وصلى عليه هذا الفقير في الجامع العمري الكبير وشيع تشييعا حافلا من جميع الطبقات ونقل نعشه إلى قرية خربة سلم من بلاد جبل عامل التي كان قد توطنها أخيرا وخرج لتشييع نعشه من بيروت مالا يقل عن مائة سيارة مع ما انضم إليها في الطريق ولما مر النعش بصيدا كان قد خرج لتشييعه عامة أهلها من جميع الطبقات يتقدمهم المحافظ ورجال الحكم والأكليروس والوجهاء فاستقبلوا النعش إلى خارج المدينة وحمل على الأكف حتى أوصلوه إلى هذه المدينة من الجهة الأخرى وكذلك أهل الغازية وما جاورها وخرج أهل صور كافة إلى البص وباقي القرى التي مر بها النعش في الطريق وأدت له التحية العسكرية الجيوش التي كانت مرابطة في الطريق بمناسبة حوادث فلسطين كما إلى خربة سلم جموع كثيرة من قرى جبل عامل القريبة والنائية. وفي اليوم السابع من وفاته أقيم له مأتم حافل مهيب تبارى فيه الشعراء والخطباء وألقيت فيه الخطب البليغة والقصائد الرنانة التي قلما ألقي ما يشابهها في مأتم. منها كان غاية في البراعة والبلاغة والمتانة والرصانة على ما يستجاد منها في آخر الترجمة.
وفي آخر أيام حياته كنت عنده فقال: إني قد يئست من الحياة ثم التفت إلى أولاده فقال لهم: هذا عمكم مكان أبيكم فكونوا بأمره ولا تخالفوه وأوصى إلي بما أهمه.
وكانت وفاته فاجعة كبيرة أثرت في نفسي أثرا كبيرا وأحدثت لي حزنا عميقا لم يحدثه فقد غيره من قريب أو حميم فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه في أعلى عليين مع أجداده الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
ترجمة أحواله
كان عالما فاضلا فقيها بارعا محققا مدققا حاد الفهم سريع الانتقال ذكيا مسلم الفضيلة والفقاعة مرجوعا إليه في فصل القضايا والأحكام وكان أديبا شاعرا متميزا في حسن نظمه ورصانة شعره وقوته وانجازه ظاهر التميز ليس فيه ليت ولا لو يميل كثيرا إلى مجالس الشعر والأدب.
قرأ أولا في شقراء في مدرسة أخيه السيد علي ابن السيد محمود نحوا من ست سنين ثم هاجر إلى العراق سنة 1316 فقرأ فيها على هذا العاجز في علمي الأصول والفقه في السطوح وبقي يقرأ علي فيهما حتى خرجت من النجف سنة 1319وطلب مني أن أختار له من يقرأ عليه في بعض الكتب الفقهية فأرشدته إلى رجل كنت أظن قدوته على ذلك فقرأ عنده يوما واحدا وعاد إلي غير راض عن تدريسه فقلت له: نعم ما صنعت وعلمت من ذلك فطنته وذكاءه فأرشدته إلى غيره وسكن معي في دار واحدة نحوا من ثلاث سنوات كان فيها مكبا على التحصيل والدرس والتدريس وقرأ أيضا على الشيخ أحمد ابن الشيخ علي من آل الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء وعلى الشيخ علي ابن الشيخ باقر حفيد صاحب الجواهر ثم سافرت إلي الشام سنة 9ا13 وبقي هو في النجف نحوا من عشر سنين يحضر دروس الخارج ويقرأ عليه الطلاب وجل قراءاته في هذه المدة على الشيخ علي الجواهري الآنف الذكر والشيخ ملا كاظم الخراساني والسيد كاظم اليزدي وغيرهم وعاد إلى جبل عامل سنة 1330 وأراد السكني في مسقط رأسه عيترون فذهب إليها فلم تستقر به الدار ثم وقعت فتنة فخرج منها إلى شقراء وبقي فيها عدة سنين قرأ عليه فيها جماعة واستفادوا من علمه منهم الشيخ محمد جواد الشري قبل ذهابه للعراق ثم انتقل إلى خربة سلم بطلب من أهلها فأكرموا وفادته وأقاموا بما وجب عليهم من حقه حيا وميتا جزاهم الله خير الجزاء وتوطنها إلى حين وفاته.
مؤلفاته
(ا) مجلد في الطهارة لم يتم.
(2) رسالة في رد الوهابية.
(3) منظومة في الرضاع سماها فصيلة اليراع في مسائل الرضاع.
(4) منظومة في الاجتهاد والتقليد وسنورد المنظومتين في آخر الترجمة إن شاء الله.
شعره
أما شعره ففي الطبقة العالية ونورد منه هنا ما وصل إلينا وصل ومنه تعلم صدق ما قلناه وبعضه لم يصلنا.
الغزل
قال:
يكلفني كتم الصبابة منصبي | ويطغى الهوى في مهجتي فأبوح |
حكت شجنى ورق الحمام فكلنا | تغني أغني أو تنوح أنوح |
وقال:
لي جسم أظناه ذكر المغاني | وفؤاد أصماه حب الغواني |
وضلوع من الغرام تثقفـ | ـن فها هن كالقسي حواني |
وقال:
رافل أنت في برود التصابي | بعد أن جزت عنفوان الشباب |
تركتك العين الكواعب مرمى | لنبال الأجفان والأهداب |
سلبتك النهى فلست تبالي | لنعيم عقباك أم لعذاب |
في تلاع العذيب آرام رمل | باديات في صورة الأعراب |
بارزات لم تألف الخدر لكن | حجبت من جمالها بحجاب |
الربيع والشيب والشباب
هذا الربيع بعنفوان شبابه | يختال كالحسناء في جلبابه |
يفتر ثغر الأقحوان إذا بكت | في روضه الزاهي عيون سحابه |
والورد سيد زهره فمتى بدا | سجدت ملوك الدهر في أعتابه |
يبدو إذا انفتقت كمائمه كما | يبدو أسيل الخد بعد حجابه |
وإذا تمثلت الشباب ترقرقت | عيني ولج الدمع في تسكابه |
ووددت لو ودعت نفسي عندما | ودعته وذهبت حين ذهابه |
مذ حل بازي الشيب فوق مفارقي | سار الشباب مودعا بغرابه |
ولقد أحال ضيا الصباح دجنة | لما انجلى ليلي بضوء شهابه |
المديح
قال في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:
طلبوا شأوه فعادوا حيارى | وسكارى وما هم بسكارى |
لمعت من سناه لمعة قدس | غشيتهم فأغشت الأبصارا |
واستطالت فسدت الأفق حتى | ضربت دون مجده الأستارا |
فكيف لا يعجز الورى نعت مولى | طبقت معجزاته الأمصارا |
فهي شهب بل دونها الشهب حصرا | ومقاما ورفعة وفخارا |
وهي كالصبح كلما ازددت منه | نظرا زاد في الفضاء انتشارا |
للنبي الأمي أسرار فضل | أظهرت باحتجاجها الأسرارا |
لم يطر لاقتناصها الفكر إلا | قد رأيناه واقعا حيث طارا |
لو زففنا إليه شمس المعالي | وجعلنا شهب السماء نثارا |
وسبكنا من النضار مقالا | أو سبكنا من المقال نضارا |
وأصبنا بمدحه كل مرمى | ما أصبنا من مدحه المعشارا |
وقال في مدح أمير المؤمنين علي عليه السلام:
فرقان مدحك يجلو ظلمة الريب | وآية الصدق تمحو آية الكذب |
تأبى علي القوافي أن أردت سوى | ثناك لكن له ينقاد كل أبي |
كالشمس مجدك يرنو وهو مرتفع | عن المنال لو أن الشمس لم تغب |
فما سناك عن النائي بمبتعد | ولا علاك من الداني بمقترب |
ما رام طائر فكر نحوه صعدا | إلا هوى واقعا عنه إلى صبب |
لو جال ما جال فكر المرء مرتقبا | إليك من سبب عال إلى سبب |
وجاء بالشعر درا واستعان على | تبيان فضلك بالأنباء والكتب |
ستنطق الخرس من أقلامه فأتت | بالمعجزين بديع النظم والخطب |
ورام داني علاك ارتد منقلبا | نكسا على الرأس أو نكسا على العقب |
مناقب لك قد سارت شواردها | في كل أفق مسير الأنجم الشهب |
لم يحرز القوم ما أحرزت من قصب | ولم ينالوا وإن وجدوا سوى النصب |
ما القوم كفؤك في علم ولا عمل | ولا فخار ولا مجد ولا حسب |
ولدت في البيت بيت الله فارتفعت | أركانه بك فوق السبعة الحجب |
وتلك منزلة لم يؤتها بشر | بلى ومرتبة طالت على الرتب |
ورحت تدرج في حجري ندا وعلا | ما بين أكرم أم في الورى وأب |
صحبت أحمد قبل الناس كلهم | ولم تكن عنه في حال بمنقلب |
صحبته وهو مغلوب فكنت له | في كل حادثة كالعين والهدب |
كأول الناس بالكرار آخرهم | فخرا وبدؤهم بالفخر كالعقب |
أضاف مجدا إلى مجد أبيه به | إضافة الذهب الإبريز للذهب |
ولم تزل عين خير الرسل ناظرة | إليه تلكؤة من أعين النوب |
ومذ ترعرع أدناه وقربه | منه وأنزله بالمنزل الخصب |
بحجره ضمه في يوم مسغبة | مخففا عن أبيه وطأة السغب |
وكان يقطف من أزهار حكمته | ما شاء من أثر غض ومن أدب |
قد طهرته يد الباري فلا دنس | به يلم ولا ريب من الريب |
ما عفرت تربة الأصنام جبهته | كغيره لا ولم يذبح على النصب |
ساوى النبي وواساه بمحنته | ولم يكن حبله عنده بمنجذب |
ما عد من سنه إلا كأنمله | حتى أصاب الذي بالعد لم يصب |
ونال أعلى مراقي الفضل وارتفعت | عليه أعلامه خفاقه العذب |
وحينما صدع الهادي بدعوته | للناس لباه قبل الناس للطلب |
أعطاه من نفسه ما لم يكن أحد | يعطاه من أحد في سالف الحقب |
وراح يكشف عنه كل داجنة | من الخطوب ويجلو قسطل الكرب |
وقام من دونه بالسيف مصطليا | نار الوغى غير هياب ولا نكب |
ويوم ندب ذوي القربى لنصرته | هل غيره من ذوي القربى بمنتدب |
لم يحفلوا بوعيد لا ولا عدة | لشر منقلب أو خير منقلب |
شتان بين مجيب للنداء ومن | أصمه الغي لم يسمع ولم يجب |
ويوم ضجت ثنايا مكة ودوت | شعابها بصدى الضوضاء والشغب |
وبات كل قبيل من قبائلها | يراقب الصبح أن يبصر سنا يثب |
وأجمح القوم أن يلقوا نبيهم | عند انبساط السنا في هوة العطب |
من في فراش رسول الله بات وقد | مدت إليه يد الرامين عن كثب |
رامت قريش به كيدا فكادهم | بالمرتضى وبه إن يرمهم يصب |
وقاه بالنفس والأعداء راصدة | تستنهض الموت بين السمر والقضب |
فأنزل الله من يشري بمدحته | ومن شرى نفسه لله لم يخب |
من مثله وبه باهى ملائكة | ومن له مثل ذاك الموقف العجب |
كم غمرة خاض يوم الشعب دونهم | وكم أنالهم في الشعب من أرب |
وكم له من يد بيضاء أخرجها | من غير سوء ولم تضمم من الرهب |
غرما وجدك من أدى أمانته | ومن تحمل عنه مغرم الطلب |
أم من بأظعانه قد سار منفردا | ولم يكن لسوى الماضي بمصطحب |
قد حاطهن بعزم غير منثلم | لدى الكفاح وبأس غير منثلب |
كفاه فخرا مؤاخاة النبي له | يوم المؤاخاة بين الصحبة النجب |
لو لم يكن خيرهم ما كان دونهم | لذلك الشرف الأعلى بمنتخب |
على علي رحى الإسلام دائرة | وهل تدور رحا إلا على قطب |
كم كربة عن رسول الله فرجها | بمقول ذرب أو صارم درب |
سائل عتاة قريش يوم نفرهم | للحرب من ردهم بالويل والحرب |
خفوا لبدو سراعا غير أنهم | ناؤوا بثقل المواضي والقنا السلب |
مالت بهم خيلاء طالما ظهرت | عليهم في ظهور الخيل والنجب |
أغراهم أنهم جم عديدهم | عند التصادم جم المال والأهب |
سرعان ما ضربوا فيها قبابهم | حتى هوت نكس الأعماد والطنب |
زيعوا بأغلب نظار على شوس | رفت عليه بنود النصر والغلب |
تقسموا فغدا للسيف بعضهم | حظا وبعضهم للأسر والهرب |
من آب منهم فبالخسران أوبته | ومن علا هامه الصمصام لم يؤب |
لا تعجبن إذا أردى الكمي ولم | يسلبه فالليث لا يلوي على السلب |
قد أحصيت عدة القتلى فكان له | نصف ونصف لباقي الذادة الغلب |
وأسأل بأحد سراياهم وقد نسلت | إلى الكفاح كمن ينحط من حدب |
ودار كأس الردى والسمر قد خطرت | والبيض غنت على الأدراع واليلب |
وفر من فر عن نصر النبي وقد | ضاق الخناق وشدت عقدة اللبب |
من غيره فوق الجيش اللهام ومن | سواه أودى بكبش الفيلق اللجب |
قد ضارب القوم حتى عاد صارمه | كضده رافلا في بردة الشجب |
وآب كالأعزل الشاكي فقلده | بمصلت غير ناب الحد خير نبي |
لم يدخر لسواه ذو الفقار ولم | تخمد بغير شباه جمرة العرب |
تراه عند اشتداد الأمر مبتهجا | لم تذهب الحلم منه سورة الغضب |
واسأل بعزور والرهط الذين سعوا | من حوله في ظلام الحالك الأشب |
راموا على غرة قتل النبي وما | راموا سوى قتل وحي الله والكتب |
من حال من دون ما راموا وصدهم | عن قصدهم غير ذاك الباسل الحرب |
أذاق عزور كأس الحتف مترعة | وألجأ النفر الباقين للهرب |
وكر ثانية في صحبه فقضى | عليهم بشبا عزم وذي شطب |
ألقى على حصنهم والملتجين له | قذائفا من شظايا الخوف والرعب |
آل النضير وإن شيدت حصونهم | ليسوا من النبع إن عدوا ولا الغرب |
واسأل به فارس الأحزاب يوم سرا | وحوله عصب تأوي إلى عصب |
تقحم الخندق المشهور وهو على | مطهم يعقد الآذان بالذنب |
كالطير مرتقبا والسيل منحدرا | يعلو على الهضب أو يهوي عن الهضب |
ستون عاما قضاها في الحروب ولم | توجس حشاشته خوفا ولم تجب |
إن شب عن طوقه عمرو وشاب ولم | يشب عن طوقه عمرو ولم يشب |
قد جال إذ جال والأبطال محجمة | كأنهم وهم الأشهاد في الغيب |
كم قد دعا معلنا في المسلمين ألا | مبارز منكم يلقى المنية بي |
فلم يكن بينهم إلا أبو حسن | وهم ثلاثة آلاف بمنتدب |
هناك قد وقف الإسلام أجمعه | والكفر أجمعه في موقف عجب |
ليثان كرا وصالا والعجاج بنى | عليهما قببا مسدولة الحجب |
والناس من عسكري هذا وذاك رنت | إليهما وأدارت طرف مرتقب |
فلم يكن غير رد الطرف ناظره | حتى بدت لعلي آية الغلب |
أقام عمرا على ساق وأثكله | بأختها فمشى زحفا على الركب |
وافاه عند اللقا كالطود منتصبا | فخر كالطود لكن غير منتصب |
لوقع صارمه في الخافقين صدى | يمشي مع الدهر من حقب إلى حقب |
هبت عليه من الكرار عاصفة | ذرته ذرو سوافي الريح للكثب |
بقتله نال دين الله بغيته | وأحرز السبق واستولى على القصب |
واستوسق الأمر للإسلام وانقلبت | عساكر الشرك عنه أي منقلب |
وقال في مؤلف هذا الكتاب عند عودته من العراق وإيران سنة 1353.
لمعت من سناك لمعة قدس | في كلا الأمتين عرب وفرس |
قرأت منك فارس علم رسطو | ووعت يعرب فصاحة قس |
سرت رغم السبعين تطوي وهادا | بوهاد ووعس أرض بوعس |
مفردا من سوى صلاح وهدي | أعزلا من سوى يراع وطرس |
تتلقى صعب الأمور بصعب | من صعاب على الحوادث شمس |
من أباة شم الأنوف نماهم | هاشم للفخار لا عبد شمس |
لم تزدك السبعون إلا نشاطا | في طلاب العلى وشدة بأس |
كاد علم الرجال يدرس لولا | أن تداركته ببحث ودرس |
قد أعدت الماضين قبل معاد | ونشرت الفانين من طي رمس |
وأصبت المرمى البعيد برأي | لم يطش سهمه وقوة حدس |
فاستوى حاضر لدينا وماض | وتجلت في اليوم صورة أمس |
إن يوما صباحه عنك يجلى | لهو يوم اجتماع بدر وشمس |
مزج العلم بالسياسة قوم | قد بنوا علمهم على غير رأس |
حبس الدين أنفسا عن هواها | وهواها أن لا يكون بحبس |
فأرادوا أن يطمسوه ولكن | قد أبى الله أن يصاب بطمس |
حملوا حملة الذئاب عليه | وفروا لحمه بناب وضرس |
سودوا الصحف بالقبيح ونالوا | من رجال بيض الصحائف ملس |
منهم الخير أن أصيبوا بخير | ومن الدين أن أصيبوا ببؤس |
أمروا باجتناب رجس فقالوا | كيف يقضي دين يتنجيس رجس |
لم يكن قصدهم بذلك إلا | أن يدينوا بدين خبل وتعس |
قد وصلنا حبل الوفاء بحبل | ومزجنا كأس الصفاء بكأس |
ورمينا قلب العدو بسهم | واتقينا سهم العدو بترس |
أولسنا فرعين من خير أصل | وجنى دوحتين من خير غرس |
جلت في حلبة الفخار وجالوا | فظفرتم لكن بسعد ونحس |
بالأجل الأجل فزت وفازوا | حين جاروك بالأخس الأخس |
التقريض
قال مقرضا ملحمة الغدير للشاعر بولس سلامة بهذه الأبيات نظمها وهو على فراش الموت وهي:
تشابه الأمر لا أدري أبولس قد | أهدى لنا الشعر أم أهدى لنا الدررا |
وهل أراد عليا في مدائحه | ونجله أم أراد الشمس والقمرا |
كل إمام وكل سيد علم | تجري الصلاة عليه أينما ذكرا |
فليهنا بولس فيما جاء من مدح | فيها ارتقى وبها قد أعجز الشعرا |
وقال في تقريض كتابنا الروض الأريض في حكم منجزات المريض.
سبرت الفقه بابا ثم بابا | وميزت الصحيح من المريض |
فما وقعت يداي على كتاب | بعلم الفقه كالروض الأريض |
المراسلات والعتاب
أرسل إليه أخوه السيد محمد هذه الأبيات وقد جاء ليزوره فوجده نائما.
سعينا كي نزوركم جميعا | فلم يوجد سوى عبد الحسين |
وعبد حسين ثانية وموسى | حليف المجد صدقا غير مين |
وكان القصد أنتم لا سواكم | فحال النوم بينكم وبيني |
ومن رام النمير فلم يجده | كفاه الترب ضربا باليدين |
فإن جئتم فيا أهلا وسهلا | وإلا فاستنيبوا غير ذين |
فأجابه بقوله:
مثال علاك في قلبي وعيني | على الحالين من قرب وبين |
أرى سنة الكرى تدني إليكم | فكيف تحول بينكم وبيني |
وأنت القصد دون الناس طرا | ولا موسى ولا عبد الحسين |
المراسلات بيننا وبينه
كتب إلي من النجف بهذه الأبيات بعد معاتبتي له على بعض الأمور.
عذلت فما ألفيت للعذل موضعا | وعنفت من أمسى بحبك مولعا |
سعيت على لحب الطريق فإن أصب | فقد فزت أو أخطي فعذرا لمن سعى |
أكان قياد الناس طوع أوامري | فأهملت من أمسى لأمري طيعا |
ألست ترى أن الخديعة دأبهم | وما خلق الإنسان إلا ليخدعا |
ترى الشهد تعطيه حلاوة لفظهم | ولكنه سم غدا فيه منقعا |
فقلت في جوابها:
عذلتك إذ لم ألف للعذر موضعا | وأوشك حبل الصبر أن يتقطعا |
ومن يتخذ ظهر التواني مطية | فأحر به أن لا ينال ويمنعا |
وما رجل الدنيا سوى ذي عزيمة | إذا اختبرت كانت من السيف أقطعا |
يرى الحزن سهلا والبعيد مقاربا | إذا رامه والشامس الصعب طيعا |
ومن أوسع الأبواب قرعا تفتحت | له وإذا ما مل بالخسر أقلعا |
وإن تمس في حبي مدى الدهر مولعا | تجدني مدى دهري بحبك أولعا |
وإن كان دأب العالمين خديعة | لها خلقوا قدما فكن أنت أخدعا |
ومن يك سم منقع شاب شهده | فبالشهد منك السم ألعقه منقعا |
ومن كان أمر الناس طوع يمينه | فما فخره إن كان في الأمر أسرعا |
وشتان من أمسى بلحب طريقه | على مهل يمشي ومن سار مسرعا |
وجاءتني منه أيضا هذه الأبيات عقيب نهيي إياه عن القراءة على من لا ترتضى أخلاقه.
عذيري من أخي رأي مصيب | وفهم خارق حجب الغيوب |
أراني من مقالته عجيبا | كذاك الدهر يأتي بالعجيب |
مقال قال للحسرات هبي | إلى قلبي وللأحشاء ذوبي |
يرى الحسنات من أردى فعالي | وينظمهن في سلك الذنوب |
رأيت السهم يخطئ من بعيد | ولست أراه يخطئ من قريب |
ومن يأتي أخو الأسقام يوما | إذا كان السقام من الطبيب |
يعنفني على كسب المعالي | وأخذي من معادنها نصيبي |
وطيي في تطلبها الفيافي | وكسري سورة الأسد المهيب |
وكم لي في الدياجي من مسير | بقصر خطوة الفرس النجيب |
فيا من عزمه كالسيف ماض | لدى اللزبات في اليوم العصيب |
ومن أخلاقه تزهو كروض | أصيب بعارض الغيث الصبيب |
طليق في السماح إذا تبدت | سنو المحل بالوجه القطوب |
له حلم كشامخة الرواسي | وطبع مثل معتل الجنوب |
أودك في البعاد وفي التداني | وفي حال الحضور وفي المغيب |
ولست مداهنا أبدي مقالا | وأخفي ضده فعل المريب |
عهدتك لا تميل إلى صدودي | وتفضي عين صفحك عن عيوبي |
وتلقاني إذا ما ضاق أمر | علي بذلك الصدر الرحيب |
فكيف تروم هجراني وبعدي | وإسلامي لطارقة الخطوب |
وشعري وصلة لرضاك عني | وإن الصفح من شيم اللبيب |
فقلت في جوابها:
صبوت وهمت من بعد المشيب | بنازلة على سفح الكئيب |
وقد ذهبت بلبك شمس حسن | تقول إذا بدت للشمس غيبي |
تميس كغصن أسلحة وترنو | إليك بمقلة الظبي الربيب |
لها قد القضيب وأين منها | غداة تمايلت قد القضيب |
وطرف فاتر اللحظات يوحي | بأسرار الغرام إلى القلوب |
جرى ماء الشباب بوجنتيها | كجري الماء في الغصن الرطيب |
أرتك الليل أطلع بدر تم | على غصن رهيب في كثيب |
وعبقت المنازل مذ تثنت | ببرد غير مزرور الجيوب |
وما مرت عليها الريح إلا | تأرج نشرها من غير طيب |
دمي من غير ما جرم أحلت | ووصلي حرمت من غير حوب |
رأت رأسي يلوح الشيب فيه | فصدت حين لاح لها مشيبي |
وقد كان الشباب شفيع ذنبي | فأمسى الشيب من أدهى ذنوبي |
وما إن شبت من كبر ولكن | هموم شيبت قبل المشيب |
أدلس بالخضاب بياض شيبي | وما أر بي من الشيب الخضيب |
يروقك حين تنظره صباحا | وينصل لونه عند الغروب |
رمى جسمي جفاها بالشحوب | وقلبي بالبلابل والوجيب |
وقال الناس لو تبغي طبيبا | وكيف وممرضي أمسى طبيبي |
وذي رحم نصحت فكان نصحي | لديه يعد من بعض الذنوب |
رأى فيما يرى قولي ثقيلا | وإني جئت بالأمر الغريب |
كذاك الحق محمله ثقيل | وقد ينبو عن الصدر الرحيب |
إذا ما الداء كان دواه مر الـ | ـمذاق فأي ذنب للطبيب |
جذبت بضبعه عن وطئ دحض | وعن إجراء جامحة شبوب |
وليس بغير رأي العين قولي | ولست أقول رجما بالغيوب |
وقال رأيت إحساني قبيحا | فيا لله للأمر العجيب |
وقال السهم يخطئ من بعيد | ولست أراه يخطئ من قريب |
لعمر أبيك ما هذا بسهم | ولكن قول ذي نصح أريب |
وقال على اكتسابي للمعالي | وأخذي من معادنها نصيبي |
تعنفني وتوسعني ملاما | فلست أراك ذا رأي مصيب |
رأى شبها توهمه نضارا | وآلا ظنه ري القلوب |
ومرعى أنبتته يد الغوادي | على دمن المنازل وهو موبي |
يروق لناظر قبل اختيار | وليس بذلك المرعى الخصيب |
وقال لقد عهدتك ذا وداد | وتغضي عين صفحك عن عيوبي |
ولو أغضيت عن أمر أراه | بعين العقل من أدهى الخطوب |
لكنت مداهنا وعلمت أني | عدو لابس ثوب الحبيب |
وأرسل نظمه كالدر يزهو | فيبهر كل ذي لسن أديب |
قواف كاللئالىء لم تغادر | لقس في الفصاحة من نصيب |
وصاغ فرائدا لم تبق ذكرا | لأحمد والوليد ولا حبيب |
وذاك ذريعة لرضاي عنه | عداك اللوم عندي بالغضوب |
وإن أغضب فلم أغضب لنفسي | ولست اليوم عندي بالمريب |
وودي خالص لك لم يشبه | صدود في الحضور وفي المغيب |
فقابل واستدم بالشكر نصحي | فإن الشكر من شيم اللبيب |
وجاءتني منه هذه القصيدة أيضا من النجف الأشرف:
امباري الرشأ الغرير | ومحاكي الغصن النضير |
رفقا بقلب متيم | يطوى على نار السعير |
أيرق لي وفؤاده | قد قد من صم الصخور |
بالنفس جدت له وكم | قد ضن بالنزر الحقير |
قلبي أسير لحاظه | يا من يمن على الأسير |
يعييه حمل حليه | ويضره لمس الحرير |
يبدو الهلال بوجهه | ويغيب في ليل الشعور |
يا غيث رو ربوعه | بعهاد عارضك المطر |
كم من سرور هزني | فيه فملت من السرور |
لهو بأبلج وجهه | يزهو على البدر المنير |
متعاطيين من المدا | مة بالكبير وبالصغير |
ويديرها عذب اللمى | واللحظ منه ذو فتور |
لا تحسبن مدامة | لكنها طبع المدير |
حسبي بمحسن جنة | من حادث الدهر العسير |
جار الدخيل المستجيـ | ـر ومطلق العاني الأسير |
المقتني غرر الثنا | والمرتقي فوق الأثير |
رب الفضائل والندى | والمجد والشرف الخطير |
يا سائلا عن فضله | مني سقطت على الخبير |
جود كشئبوب الحيا | يهمي وعلم كالبحور |
ويرى بفطنته الذكيـ | ـة ما تحجب بالستور |
يبدي الضمير كأنما | هو عالم ما في الضمير |
قسما بوافر فضله | وبعلمه الطامي الغزير |
ما في الأنام نظيره | حاشاه جل عن النظير |
لا تطلبن لحاقه | والو العنان عن المسير |
هل حك ناصية السهى | بالكف ذو الباع القصير |
من هاشم البطحاء أهـ | ـل الفضل والشأن الكبير |
الراكبون إلى الوغى | وهم الأسود على الصقور |
والنازلون من العلى | بين الترائب والنحور |
فهم الذين مديحهم | بالذكر جاء وبالزبور |
يكفيهم ما جاء في | تفضيلهم يوم الغدير |
يا من فرائد نظمه | أمست قلائد في النحور |
ما مثل نظمك للفرز | دق في القديم ولا جرير |
يزهو فيحسب أنه | قطع من الروض النضير |
لا زلت في برد المسر | ة رافلا عمر الدهور |
فأجبته بقولي:
يا دار مية بالسدير | حياك فيض حيا مطير |
ولقيت معتل النسا | ثم في العشية والبكور |
دار الأحبة أنت لا | طرقتك نائبة الدهور |
وملاعب الرشأ الأغن | ومطلع البدر المنير |
لله كم أطلعت من | قمر على غصن نضير |
كم ليلة بك قد مضت | كانت شفاء للصدور |
حيث الحبيب مواصل | والروض مبتسم الثغور |
والغصن بات مضاجعي | والبدر قد أمسى سميري |
والأرض فاخرت السما | بسنا الأهلة والبدور |
والغصن يرقص والحما | م شدت لتصفيق الغدير |
فكأننا في جنة | ما بين ولدان وحور |
أشبيهة البدر المنير | وشقيقة الظبي الغرير |
أيحل في شرع الهوى | قتل امرئ عف الضمير |
قلبي أسير عندكم | الله في القلب الأسير |
وعلى العذيب جآذر | يفتكن بالليث الهصور |
أمست وحظ الصب منـ | ـها اللمح من خلف الستور |
شقي الفؤاد بها وفا | ز الطرف بالنزر اليسير |
هذا ينعم في الجنا | ن وذا يعذب في السعير |
سبحان مسعدا ذا ومشـ | ـقي ذاك من رب قدير |
يا ناظما غر القصا | ئد كالقلائد في النحور |
ومجليا في حلبة الـ | ـبلغاء جل عن النظير |
فت الكهول وأنت في | عصر الشاب بلا نكير |
ونشرت في الأفاق ذكـ | ـرا نشره نشر العبير |
ووردت مشرعة العلو | م ففزت بالعذب النمير |
ورددت من يبغي بلو | غ مداك ذا طرف حسير |
وبعثت نظما قد سما | حسنا على الدر النضير |
يكسى بأثواب الفصا | حة والبلاغة لا الحرير |
فنفى الهموم جميعها | وملى القلوب من السرور |
وأعادني ثلج الجوا | نح منه ذا طرف قرير |
وجاءتني منه هذه القصيدة أيضا:
لحاني ولم ينظر إلى الوجه والفم | كأن عذولي عن معانيها عمي |
أقول له لما ألح بعذله | فحتى متى في ضلة وإلى كم |
ألم تر خديه ولؤلؤ ثغره | كورد ودر يانع ومنظم |
تجلى كبدر والمدام بكفه | جلاها كشمس والكؤس كأنجم |
وليست حمياه سوى الريق أصبحت | تدار علينا في زجاج وفي فم |
فقد صح أن الخمر والريق واحد | ويرمي الذي ثناهما بالتوهم |
سوى أن شرب الراح صار محرما | ورشف رضاب الثغر غير محرم |
تعشقته تركي لحظ وأنه | غدا عربي القرط والحجل أعجمي |
عجبت له كالغصن ناحل خصره | ويحمل من ردفيه ركني يلملم |
وأعجب من ذا أنه خشف رملة | يصيد بعينيه حشاشة ضيغم |
غدا حجله ذا ثروة وسواره | ولكنما الزنار في زي معدم |
لقد مرت من فرط الصبابة ناحلا | ولم يبق مني حبه غير أعظم |
فكيف سلوي عن هواه وحبه | أقام مقام اللحم مني والدم |
ففي الخال قلبي مسلم وهو كافر | وكيف يراعي كافر حق مسلم |
عذيري من ورد بخديه يانع | تطرد من أس العذار المنمنم |
تلقى دمي خداه مذ كان طله | لذلك قد شيبا بحمرة عندم |
حلفت بمن حج الحجيج لبيته | ولبوا وطافوا بالحطيم وزمزم |
لقد بلغت هام المساكين همتي | وقالت على هذا الأنام تقدم |
تكلفني قطع الفيافي ووصلها | على سابق من عزمتي ومطهم |
وتوردني في غمرة بعد غمرة | لدى كل فجر في الحروب عرموم |
وتنشدني إما ونيت عن العلى | مقالة مشحوذ العزيمة لهذم |
فإن لم تمت تحت السيوف مكرما | تمت وتلاقي الذل غير مكرم |
تحاول أن ترقى مراقي محسن | وهل يرتقى نجم السماء بسلم |
فتى تنجلي من هديه كل بهمة | ويكشف من آرائه كل مبهم |
تصوب دماء كفه يوم أبؤس | كما أنها تجري ندا يوم أنعم |
إذا كهم العضب المقيل فعزمه | لدى الروع مصقول الشبا لم يكهم |
يلف على طود من الحلم برده | وينشر عن بحر من العلم مفعم |
يرد الذي يبغي مداه بمقلة | قريحة أجفان وقلب مكلم |
يريش نصولا من نوافذ فكرة | ويرمي ضمير الغيب منها بأسهم |
تقدم سبقا للعلى وهو آخر | فأعظم به آخر متقدم |
فكم مسمع من ذكره متقرط | وجيد محلى من نداه ومعصم |
غدا كفه والخلق والنظم كالحيا | ونشر الكبا واللؤلؤ المتنظم |
أصون مديحي عن سواه تكرما | ولكنني إن أمتدحه أكرم |
أبا باقر أصبحت كهفا لذي الورى | فدم للورى يا كهفه وابق واسلم |
فأجبته بقولي:
أدارهم الأولى بكاظمة أسلمى | جناه ولا عهد الحمى بمرزم |
فكم فاخرت فيك الربوع سماءها | بما أطلعته من بدور وأنجم |
على حين لا ورد الخدود ممنع | جناه ولا عهد الحمى بمذمم |
يقول لي العذال تيمك الهوى | ولا خير عندي في هوى لم يتيم |
وأغيد مصقول العوارض ناعم | كثير التجني والدلال منعم |
لقد كاد يخفي دقة منه خصره | ويدمي للطف خده بالتوهم |
أحل دمي في الحب وهو محرم | وحرم وصلي وهو غير محرم |
وجرد من بين الجفون مهندا | لك الله راع الله في دم مسلم |
ولما التقينا وامتلى منه ناظري | وناجاه طرفي قبل نطق من الفم |
تكلم منه الخد والخد صامت | فيا عجبا من صامت متكلم |
أتتني على بعد المزار رسالة | كدر بأجياد الحسان منظم |
لمن خالط الأحشاء والقلب حبه | وأمسى خليط اللحم والعظم والدم |
وخير ابن عم واصل غير قاطع | حري بأوصاف العلى والتقدم |
رقى في مراقي العز أرفع رتبة | ونال مقاما لا ينال بسلم |
يمد إلى كسب الفضائل باعه | ولو أصبحت ما بين أنياب ضيغم |
شكرت له ما ساقه من مديحه | إلي كذاك الشكر فرض لمنعم |
وجاءتني منه أيضا هذه الأبيات :
أيا ابن الأولى شادوا بناء فخارهم | بأيد طويلات وألسنة لد |
وبيض مقيلات إذا انتضيت لهم | لضرب أرتك البرق من خلل الرعد |
ألست برأس العز درة تاجه | وفي عقد بيد الفخر واسطة العقد |
تمنيت لقياكم على بعد غاية | فآل تلاقينا إلى غاية البعد |
أكان اقترابي منكم سبب النوى | ووصلي حبل الودع إلى الصد |
فيا مهجتي أنى تكلم مهجتي | ويا عضدي كيف انثنيت عن الزند |
ومجدك ما صافي الهوى بمرنق | لدي ولا وجه الوداد بمسود |
فودي ودي غير منفصم العرا | وعهدي على ما كنت تعلمه مهدي |
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته | حريا بأن يبدي من اللوم ما يبدي |
وإن كان يحظى ذو النميمة عندكم | بشيء فلا يحظى وعيشكم عندي |
هويت ربى نجد لأنكم بها | وما غرضي لولاكم في ربى نجد |
عذرتكم فالناس للناس آفة | وداء الجفا يسري وعلته تعدي |
فأجبته بقولي:
أيا عضد العليا ويا ساعد المجد | ووارثه عفوا عن الأب والجد |
كتبت وقلبي بالهموم مكلم | ودمعي كفيض السحب يجري على الخد |
وقد كنت أرجو أن تكون مساعدي | على نائبات كالكف للزند |
فكنت مع الأيام عونا على امرئ | صفا لك في حال الدنو وفي البعد |
أتنسبني ظلما إلى الصد والجفا | ولم أك حلفا للجفاء وللصد |
وما قلة الإنصاف طبعي وشيمتي | لعمري ولا النمام ذو حظوة عندي |
وكتبت إليه بهذين البيتين:
لنا مجلس في الروض قد طاب أنسه | ولكنه يحتاج أن توجدوا فيه |
فهبوا سراعا وأصبحوا من أردتم | إلى مجلس يحكي الجنان وتحكيه |
فأجاب بما صورته:
يمثلكم قلبي على القرب والنوى | غداة تجلى شخص إنسانكم فيه |
ويا حبذا ربع حللتم بسفحه | لذاك غدا يحكي الجنان وتحكيه |
الرثاء
وقال في أنصار الحسين عليه السلام:
وردوا على الهيجا ورود الهيم | ورأوا عظيم الخطب غير عظيم |
وتنازعوا كأس المنية بينهم | في غير ما لغو ولا تأثيم |
يتسابقون إلى الهجوم كأنهم | خلقوا ليوم تسابق وهجوم |
وكأنهم والحرب تزفر نارها | من شرهم في جنة ونعيم |
وكأنما بيض الظبا بيض الدمى | لاقتهم برحيقها المختوم |
تروي حديث الموت عن عزماتهم | بيض الصفاح على القضا المحتوم |
من كل أصيد قد نماه أصيد | وكريم قوم ينتمي لكريم |
في بأسهم حظ وفي أموالهم | للسائل العافي وللمحروم |
يستعجلون البذل قبل أوانه | ويسارعون لدعوة المظلوم |
نثروا كما نظموا الجماجم والطلى | فتشابه المنثور بالمنظوم |
وجدوا الحياة مع الهوان ذميمة | والموت في العلياء غير ذميم |
وتقدموا للموت قبل إمامهم | ولقد يجوز تقدم المأموم |
وقال في رثاء الملك فيصل بن الحسين ملك العراق:
لم يمت فيصل ولا مات مجده | عهده في الحياة والموت عهده |
لم يمت فيصل وفي الملك غاز | مستقل وذلك الجند جنده |
ملك ترمق الجزيرة منه | قمرا طوق الجزيرة سعده |
فهو من فيصل وفيصل منه | كحسام هذا وذاك فرنده |
أيها الشرق لا ترعك الليالي | فالليالي أماه والدهر عبده |
جل فقد المليك مذ جل شأنا | كل من جل شأنه جل فقده |
قد دهته في الغرب أم الدواهي | حيث في الشرق قد تعاظم مجده |
قربته لكي تنال مناها | ومناها عند الحقيقة بعده |
فهي مطبوعة على الغدر تجري | في سبيل الوداد والقصد ضده |
ومتى أظهرت مودة شخص | فتيقن بأنها لا توده |
حمل البرق نعيه وهو صوت | هائل طبق البسيطة رعده |
طار في الخافقين منه وميض | وورى في جوانب الأفق زنده |
لا أرى البرق وهو مسلول نصل | يسلب الليل درعه أو يقده |
أترى نوره استحال ظلاما | عندما للحشى تحول وقده |
نزع الدهر من يد العرب سيفا | قاطعا ما نبا ولا كل حده |
وطواه لا بل طواها برمس | ضم أصل الفخار والعز لحده |
لو بغلب الرجال يفدى لقامت | بفداه نزاره ومعده |
أو ببيض الظبا وسمر العوالي | رد عنه الردى لكنا نرده |
سيروه في الفلك والبحر طام | فطما فوق زاخر البحر رفده |
عجبا كيف تحمل الفلك بحرا | جزره يغرق البحار ومده |
لم يقف نعشه عن السير إلا | ريثما جلل المهند غمده |
أهو النعش أم هو العرش سار | وإلى الأرض أم إلى النجم قصده |
قد تلقته من بنات النعامى | حوم نجدها العراق ونجده |
رفعته للنجم حيث عليه | عرشه قد سما وعلق بنده |
جددت عهده بعلياه لكن | أين للميت أن يجدد عهده |
رد للأرض إذ تولد منها | كل حي منها إليها مرده |
لو بغير التراب قد شق لحد | لامرئ شق في الكواكب لحده |
لست أدري أجنده هو أولى | بعظيم العزاء هو وفده |
شيموه بالعين والقلب يدمى | مآق هذي وذا تسعر وجده |
عز حيا وعز ميتا كما قد | عز من قبله أبوه وجده |
وله قصيدة في رثاء الفقيه الإمام السيد أبو الحسن الأصفهاني مرت في ترجمته في ملحق بعض الأجزاء السابقة.
شكوى الزمان
قال:
صفحة تنطوي وتنشر أخرى | هكذا يفتح الكتاب ويقرا |
كلما بان للنواظر سطر | منه أخفي عن النواظر سطرا |
قد نظمنا نظم القوافي ولكن | رب عجز منا تقدم صدرا |
ولئيم قد عاش عيشا رغيدا | وكريم قد مات جوعا وفقرا |
وذنابى على الرؤوس تعالت | واستطالت عزا وجاها وقدرا |
وقال:
ما ملكت نواصي البلاد | بقوة الأعداد والعتاد |
وإنما بمالها قد ملكت | ما للقلوب العمي من قياد |
يجري على انعكاسها أمورنا | يا ليتها تجري على اطراد |
رمنا ملاحا فأبت قادتنا | إلا سلوك منهج الفساد |
وقال مشطرا.
بلاء ليس يشهده بلاء | مقام الأكرمين بدار هون |
وأعظم منه في الدنيا عناء | عداوة غير ذي حسب ودين |
يبيحك منه عرضا لم يصنه | على ما فيه من داء دفين |
فترتع منه في عرض مباح | ويرتع منك في عرض مصون |
الأغراض المختلفة
قال في الحرب العالمية الثانية:
ورد عليه تزاحم وخصام | تطوى وتنشر حوله الأعلام |
تجري الدماء على ضغاف غديره | ويشام فيه على الحسام حسام |
نهز الغواة بدلوه وتوهموا | فيه الحياة إذا الحياة حمام |
تتطاير الأرواح من أجسامهم | دون المنال وتركد الأجسام |
صبغت بمحمر النجيع رماحهم | وسيوفهم والهضب والآكام |
هوت النسور وإنها من صنعهم | كالصاديات وما بهن أوام |
وأشد ما علت الغمام كأنها | في الجو من فوق الغمام غمام |
طلعت على شرق البلاد وغربها | نوب صغار خطوبهن جسام |
هدرت شقاشقها وهن مدافع | ودجت غياهبها وهن قتام |
ألقت على الأرض القنابل مثلما | قد ألقيت عن فلكها الأجرام |
في كل ناحية يشب ضرامها | حتى البحار بها يشب ضرام |
طالت ليالي بؤسها وشقائها | حتى كأن شهورها أعوام |
بعثت عزائمها وهن عواصف | فإذا الحصون المحكمات رمام |
واستنطقت عند اللقاء قواضبا | خرسا كلام شفارهن كلام |
صالت مهاجمة وصال مدافعا | حتى تفانت أنصل وسهام |
كل يقربه اللجاج إلى الردى | ما في الهجوم ولا الدفاع سلام |
في الحرب كل جريمة لو لم تكن | بحرابها تتمحض الأجرام |
أترى من المسؤول عن تبعاتها | ومن الذي حاقت به الآثام |
كم دولة غلبت على سلطانها | وقضت على عليائها الأيام |
وقفت عقاب الجو دون منالها | وتطامنت لجلالها الأعلام |
زالت وزال جلالها وملوكها | فكأنها وكأنهم أحلام |
ورقت على الأعواد أقوام هم | بنفوسهم وسيوفهم أقوام |
أفعالهم أحسابهم فهم بها | لا بالعظام الباليات عظام |
ذهب الطوال معاصما وذوابلا | واستبسلت من بعدها الأقزام |
وسطت على الأسد الظباء وأنشبت | بالصقر أظفار الحمام حمام |
تعلو وتنحط الشعوب وشرها | شعب يباح عرينه ويضام |
أعداؤه لم تنطبق أجفانهم | سهرا عليه وأهله قد ناموا |
أيصان ملك أهله في غرة | أقصى مناهم راحة وجمام |
شغلوا عن الآجام وهي خلية | من أسدها فأبيحت الآجام |
يتنازعون الكأس فيما بينهم | تراق لهم وتملا جام |
صغرت نفوسهم وإن كانت لهم | جثث كما شاء النعيم ضخام |
لو لم تكن تلك النفوس هزيلة | في ذاتها لم تسمن الأجسام |
من لم يكن من نفسه في عصمة | لا الرمح يعصمه ولا الصمصام |
يلتام صدع الجسم إن عالجته | يوما وصدع النفس لا يلتام |
والجبن أقبح ما يشان به الفتى | يفنى الجبان به ويبقى الذام |
ما أعجل الإقدام من أجل ولا | عنه لعمرك آخر الأحجام |
ومسيطرين على الورى لا دينهم | دين ولا أحكامهم أحكام |
نبذوا العهود قديمها وجديدها | وأتوا بما لم يأته الإسلام |
قوادهم سفهاؤهم وقضاتهم | جهالهم وشرارهم حكام |
ضربوا الحصار وضيقوا رحب الفضا | فالخلق كالطير الظماء حيام |
فالبحر والبر الفسيح كلاهما | متعذر المنهاج ليس يرام |
عم الضلال فهل ترى من بارز | إلا عليه للضلال وسام |
عم البلاء فلا ترى من مورد | إلا عليه للبلاء زحام |
طبعت على الظلم الأنام فكلهم | متظلمون وكلهم ظلام |
الخلق كلهم قبيل واحد | وهم وإن بعد المدى أرحام |
فالعرب كالأعجام إلا أنهم | نطقوا بما لم تنطق الأعجام |
يتنازعون على حطام زائل | ومتاع دنيا شب فيه سمام |
فإذا تجلى عن حياتهم الغطا | علموا بأن حياتهم أوهام |
حسد تأصل داؤه فكساهم | برد السقام وما هناك سقام |
أورى زناد الحقد فيما بينهم | واستامهم ما لم يكن يستام |
ما بالهم قد أصبحوا لا قربهم | قرب ولا ذاك الذمام ذمام |
يتنازعون على حياة كلها | تعب وكل شؤونها آلام |
شح الغني بماله فتألبت | فئة عليه أضرها الإعدام |
عاث الزمان بشملهم فتفرقوا | أرأيت عقدا بت منه نظام |
أنا بالحقيقة إن نطقت مؤاخذ | وعلى السكوت إذا سكت ألام |
وجاءه مرسوم بالقضاء فاستعفي منه وقال:
عرش لبنان لست أرضاه عرشا | لا وعلياك وهو يرجى ويخشى |
لا أرى شهبه الطوالع شهبا | لا ولا رقشه اللواسع رقشا |
ميت أبصروه بالوهم حيا | ورأوا نعشه فخالوه عرشا |
لم يكونوا عمش العيون ولكن | صيرتهم مطامع النفس عمشا |
لست أدري والصبح باد لماذا | قد سرى من سرى بفيفاء غطشا |
ضمني والآباء برد نقي | طرز الحزم صفيحته ووشى |
قد لمست الدنيا بكف نزيه | لم تؤثر به الحوادث خدشا |
قيل لي خصك الوزير بأمر | رد من رامه بمقلة أعشى |
فعلى ما تركته وعليه | مهج القوم حومت وهي عطشى |
قلت رام الوزير نصحا فلما | لم يصادف محله عاد غشا |
أو يغشاني الضلال وفجري | بالهدى ساطع إذا الليل يغشى |
أنا بيت القصيد في كل معنى | وبمدحي آياته الغر تنشى |
وقال:
تنكر بعد عرفان فصدا | وأصبح منه سبط الخلق جعدا |
وأولاني الهوى زمنا فلما | رآني قد وثقت به استردا |
كلانا بالسرى شرع ولكن | سرى عكس الهوى وسريت طردا |
ومن لي بالوصال وكل يوم | أراه لابسا للحرب بردا |
متى ما تلقه تلقى كميا | يهز الرمح أو ينضي الفرندا |
سطا في يوم مأمنه وروع | ليؤمن خائفا ويريع ضدا |
ولست ترى سوى حزم وعزم | هما أمضى شيا وأرق حدا |
وما حملت يداه قنا وقضبا | ولا نقل السلاح ولا أعدا |
إلام وفي م ننشر صحف عتب | ونطوي العمر هجرانا وبعدا |
ونعرض عن أمور لو نظرنا | نظرنا عندها الخطب الأشدا |
لقد كادت معالمنا السوامي | تخر قبابها هدما وهدا |
فلو نطقت لكان النطق ذما | لنا ولمن مضى شكرا وحمدا |
هلم نسر على نهج قويم | يبلغنا مني وينيل قصدا |
ونشرب من حميا الوصل كأسا | يكون مزاجها حبا وودا |
ونجمع شملنا بعد افتراق | ونجعل بيننا للأمر حدا |
فما أعمارنا إلا عوار | ويوشك للعواري أن تردا |
وما الدنيا سوى ضحضاح آل | بقاع خاله الظمآن وردا |
لها خلقا عدو ذي نفاق | يريك بشاشة ويسر حقدا |
وقال هذه القصيدة وجمع فيها أغراضا مختلفة وجعلها في مخاطبة بلبل يغني على شجرة في داره وهي من بديع الشعر.
لحنت لكن على الأوتار والعود | شعري وقلت لأيام الصبا عودي |
ما الشعر غير أناشيد ملحنة | وما الحياة سوى تلك الأناشيد |
يا بلبل الدوح هل غنيت في فنن | كما أغني وهل غردت تغريدي |
وهل ذكرت حبيبا كنت تألفه | كما ذكرت وهل رددت ترديدي |
ساجلتني والغنا يحلو مساجلة | على الهوى بين غريد وغريد |
يا بلبل الدوح ما في الدوح مأمنة | قد ينصب الفخ بين الأغصن الميد |
ما في ارتفاعك منجاة ولو بلغت | علياك عليا سليمان بن داوود |
صوب وصعد فريح الموت إن عصفت | ليست ترد بتصويت وتصعيد |
يا بلبل الدوح دع عنك التنقل من | فرع لفرع ومن عود إلى عود |
اهبط إلي ولا تحذر ففي كنفي | ترعى الظباء مع الضرغام والسيد |
لعلنا نذهب الداء الذي عجزت | عنه الأطباء من هم وتنكيد |
يا بلبل الدوح كم أرنو إليك وكم | ترنو إلي بطرف غير مردود |
أشدو وتشدو وما المغزى بمتحد | مقصودك الإلف والعلياء مقصودي |
فنحن ضدان إلا أن فطرتنا | في الحب فطرة إخلاص وتوحيد |
يا بلبل الدوح عصر الشيب عصر نهى | وعهده عهد إصلاح وتجديد |
على ضياء هداه قد سريت كما | بيضت أوراق صحفي بعد تسويد |
عددت أيامي البيض التي سلفت | مع الشبيبة من أيامي السود |
يا بلبل الدوح عين المجد لو شملت | جبان قوم كسته ثوب صنديد |
إن فاتني الجد ما خلقي وما خلقي | بمجديين ولا بأسي ولا جودي |
يا بلبل الدوح إن الناس قد عبدوا | هواهم والهوى من شر معبود |
لانت ملامسهم لكن قلوبهم | أقسى وأصلب من صم الجلاميد |
لا تمسكن بوعد من وعودهم | أدنى سجاياهم خلف المواعيد |
يا بلبل الدوح قل للدوح كم غمزت | منك السواجع قبلي غض أملود |
وكم بظلك ركب قد أناخ وما | أناخ حتى لإزماع السرى نودي |
هبوا سراعا كأن القوم ما نزلوا | في ظل دوح ولا عاجوا على بيد |
ألم تر الدول اللاتي قد انقرضت | وبددتها الليالي أي تبديد |
دارت عليها رحى الأيام فانقلبت | عروشها بعد إحكام وتشييد |
زالت وزال بناها واغتدت خبرا | حتى كأن لم يكن حي بموجود |
ما كان نمرود في ماضي الزمان سوى | فرد وفي اليوم أضحى ألف نمرود |
فصيلة اليراع في مسائل الرضاع.
بسم الله الرحمن الرحيم
لله حمدي وعلى الهداة | محمد وآله صلاتي |
وللرضاع قلمي قد انبرى | إذ عمت البلوى به بين الورى |
نظمت فيه موجزا ما ملا | ولا بما قصدته أخلا |
بميز القشر من اللباب | ويرشد الطالب للصواب |
سميته فصيلة اليراع | للبحث عن مسائل الرضاع |
نظمته كيما يكون ذكري | يوم المعاد ومحط وزرى |
مقدمة في المحرمات النسبية.
ما حلل الشرع وما الشرع حظر | إلا لجلب النفع أو دفع الضرر |
قد شرع التزويج والنكاحا | لكنه ما أطلق السراحا |
سبعة أصناف من الأنساب | قد حرمت في محكم الكتاب |
تحريمها قد جاء في الشرائع | موافقا لمقتضى الطبائع |
الأم والبنت بكل رتبه | من غير تخصيص يداني النسبه |
والأخت في المرتبة المتصله | بما له تضاف لا المنفصلة |
وبنت أخت وهي حتى السافله | في آية التحريم حكما داخله |
وعمة وإن بها تعلو الرتب | على مراقي الارتفاع في النسب |
والقصد في ارتفاعها أن تنسبا | لأصله الواشج جدا أو أبا |
وهكذا الخالة مثل العمه | ما اختلف الحكم هنا وثمه |
وينتهي المقصود في بنت الأخ | من العناوين التي لم تنسخ |
وحكمها أن ترتفع أو تنزل | متحد على اختلاف المنزل |
وما سواهن من الأقارب | محلل فضلا عن الأجانب |
حكم المشتبه
وعندما يشتبه الحرام | بغيره ويحصل الإيهام |
تجتنب الأطراف في المحصور | ليحرز الكف عن المحظور |
وذاك جاد في رضاع ونسب | فترك كل طرف منه وجب |
وإن يكن في عدد لم يحصر | فما على مرتكب من ضرر |
إلا إذا ما كان عزم الفاعل | من أول الأمر على التناول |
الضابطة
يحرم بالرضاع ما قد حرما | من نسب على الذي قد رسما |
من ذاك ما يمنع شرعا يمنع | من ذا وما الأمران إلا شرع |
حكم الشروط الثابتة والمشكوكة
وكل شرط ثابت في الشرع | لا بد من إحرازه للمنع |
ويلحق المشكوك بالمعلوم | فقدانه في عدم التحريم |
وكل شيء لم يكن مقررا | من جانب الشرع ولا محررا |
فليس باللازم أن يحصلا | وإن يكن في نفسه محتملا |
والنص في إطلاقه ما ضاقا | عن نفيه ذرعا ولا خناقا |
الشروط
لا ينشر الرضاع ما لم يقع | بالمص من حلمة ثدي المرضع |
فالشرب لا يكفي بدون المص | ولا الوجود لانصراف النص |
من لبن عن الوقاع الحل | منبعث مع ولد أو حمل |
بحيث لم يخرج بما يخرجه | عن اسمه المطلق إذ تمزجه |
فعن سفاح لم يكن بناشر | شرعا ولا من حائل أو عاقر |
والارتضاع في حياة الظئر | لا بد منه في حصول النشر |
لقوله أرضعنه في الآية | وتلك للعارف أي آية |
والكون في الحولين للرضيع | معتبر فيه لدى الجميع |
بأن يتم القدر المحرما | من الرضاع قبل أن ينفطما |
وفي اعتبار ذاك في ابن المرضعه | قولان والرجحان مع من منعه |
عدد الرضعات المحرمة
وليس يكفي مطلق الرضاع | للنشر بالنص وبالإجماع |
والنشر فيما أنبت اللحم وشد | عظم الرفيع ثابت من غير رد |
عليه قد دار زمان وعدد | بمقتضى الحصر به فيما ورد |
لكنه في غالب الأحيان | لم ينكشف للحس والعيان |
لذلك الشارع عنه كشفا | في وضعه الحدين حتى يعرفا |
والعدد الكاشف عن ذاك الأثر | من عدد الرضعات خمس وعشر |
وليس دون العدد المذكور | من موجب للنشر في المشهور |
واللازم استكمال كل رضعة | بكل ما تبلغ حتى الجرعه |
ويعرف الإكمال بامتناعه | عن التقام الثدي وارتضاعه |
وأن يجيء العدد المقدر | على التوالي إذ هو المؤثر |
بحيث لا يفصل ما بين العدد | رضاع أخرى للحديث المعتمد |
فالفصل بالمأكول والمشروب | لا يوجب الإخلال بالمطلوب |
مدة الرضاع المحرم
والنشر في الزمان أدنى مدته | رضاع يوم كامل وليلته |
والماء والدواء في خلاله | لا يقضيان قط باختلاله |
ولا اليسير من غذا وزاد | ما لم يكن يغني عز المعتاد |
اشتراط وحدة الظئر والفحل
لا يحصل النشر بما قد حدا | من زمن أو عاد قد عدا |
إلا بأن تتحد الظئر كما | يتحد الفحل بكل منهما |
بين رضيع ورضيع آخر | قد زيد شرط للرضاع الناشر |
فالمنع ما بينهما يشترط | بوحدة الفحل وفيها يربط |
على اتحاد الفحل مبني النشر | بين الرضيعين هنا لا الظئر |
لو أرضعت واحدة شخصين | لغيرها من لبني فعلين |
فليس من نشر ولا امتناع | بينهما في ذلك الرضاع |
سيان مع وحدته التعدد | من جانب المرضع والتوحد |
ما يحرم بالرضاع
وبعد تنقيح المناط الكافي | وصونه عن كل ما ينافي |
لم يبق في قوس التجلي منزع | لكل ما فرع أو يفرع |
الظئر والرضيع أم وابنم | كل على صاحبه محرم |
وولد تلحقه وتتبع | حتى الرضاعي عليها يمنع |
والأصل بانفعاله ما انفعلا | أصلا ولا عن عهده تحولا |
ولا حواشيه استمدت منعا | ولا استفادت خلقا وطبعا |
ويحرم الرضيع مع من تبعه | من ولده على أصول المرضعه |
فذاك من أولادها قد حازا | أخوة ما تركت جوازا |
ويثبت المنع مع التولد | منها بلا شرط هنا مقيد |
وشرط من ينمي لها بالجعل | من قبل الشرع اتحاد الفحل |
إلا على قول ضعيف المبنى | قد زاد بالأعراض عنه وهنا |
معتبر أمومة المراضع | كافية في سائر المواضع |
سواء الولد من الوقاع | لديه والولد من الرضاع |
والمنع لم يعلق بحبل الوصل | ما بين أصل منهما وأصل |
ولا على الحاشيتين كتبا | ما يوجب التحريم والتجنبا |
أصوله على فروع المرضعه | من جهة النص غدت ممتنعه |
والقول في تحليلها للقاعده | ليس بشيء للنصوص الوارده |
والمنع لا يسري لغير النسبي | من ولدها على المقال الأصوب |
ولم تكن ممنوعة الأولاد | على حواشيه ولا الأحفاد |
وربما يحصل في بعض الصور | تشبث للمنع في بادي النظر |
فيما إذا ما الطرفان اقتربا | منه وممن أرضعته نسبا |
ووجهه واه على ما يأتي | فلا تصح فيه فتوى المفتي |
وعن حواشيها الرضيع امتنعا | ومن عن الرضيع قد تفرعا |
والحل ما بين الحواشي منهما | من كل ما يزيله قد سلما |
وأصله باق مع الحواشي | منها بلا منع ولا تحاشي |
وموضع الفحل من الرضيع | كموضع الأصل من الفروع |
منتظم في عدد الآباء | هذا وذا في عدد الأبناء |
والأصل لفعل عليه حملا | بكل قسميه علا أو سفلا |
وأخوة الرضيع والأصول | عليهم لا تحوم الفحول |
ولم يزل حكم أصول الفعل | من أخوة الرضيع حكم الحل |
وقس على أصوله الفروعا | كل عليها لم يكن ممنوعا |
وما طرى منع على الأصلين | ولا أصيبا بنوى وبين |
تمنع أولاد الرفيع مطلقا | على فروع الفحل مما لصقا |
فولد ولد الفحل لا تمتنع | قطعا على فروع من يرتفع |
لكن أحفاد الرفيع طرا | ممنوعة على الفروع الأخرى |
من غير فرق بين من يتصل | بمبدأ المنع ومن ينفصل |
أما الذي من جانب الفعل فلا | يحرم إلا من به قد وصلا |
وأخوة الفحل على المرتضع | داخلة في جملة الممتنع |
لكن عداها الحكم بالتحريم | على الحواشي منه والأروم |
وحكم أولاد الرفيع حكمه | يعمها في المنع ما يعمه |
ما جاء على خلاف الأصل
على خلاف الأصل في الرضاعة | فيما رووا وقرروا أتباعه |
تحرم ولد الفحل للنص على | أب الرضيع مطلقا وإن علا |
كما يحرم الرضاع سابقا يحرم لاحقا
يحرم الرضاع ما يسبقه | من النكاح كالذي يلحقه |
فسابق العقد به يرتفع | ولا حق العقد به يندفع |
لو رضعت من أمه زوجته | أو أرضعتها بنته أو أخته |
أو بنت أخت أو أخ أو زوج أخ | من لبن الزوج النكاح ينفسخ |
كذاك لو أرضعت الكبيرة | من زوجتيه الزوجة الصغيرة |
فبالرضاع تبطل الزوجية | وتنتفي علاقة الحلية |
والحكم في هاتين بالمنع اختلف | بعد فساد العقد من كل طرف |
فحرم الكبرى عليه أبدا | ولا يصح العقد لو تجددا |
وتحرم الصغرى عليه أيضا | فيما إلى كبراهما قد أفضى |
أو كان من لبانه رضاعها | في الحالتين يجب امتناعها |
ومنعها مؤيد كالأولى | أبى عليها الشرع أن يزولا |
وإن تجرد منهما الرضيعه | فلم تكن بذاتها ممنوعه |
لكن على الزوجين أن يستبدلا | عقدا عن العقد الذي قد بطلا |
ما يتوهم فيه التحريم
فهذه مسائل الرضاع | بكل ما فيها من الأوضاع |
قد فصلت بأكمل التفصيل | وحللت بأحسن التحليل |
والقول في منع سواها باطل | وإن يكن من الفحول القائل |
قد نزل النص على العموم | وألحق اللازم بالملزوم |
فأوجب التحريم فيما لزما | لكل عنوان غدا محرما |
وما درى أن الذي قد نزله | لم يستفد منه عموم المنزله |
فإن مضمون الحديث المتفق | عليه في الإسلام ما بين الفرق |
إن الرضاع شأنه شأن النسب | فيما به يحرم لا في ما وجب |
بحيث لو أدرج في عنوانه | لكان في الحرمة من أقرانه |
ولم يرد في ذلك الحل سوى | جعلهما كواحد في المستوى |
للعهد آل في النسب المحمول | عليه لا للجنس والشمول |
وليس غير السبعة المقرره | معهودة في الشرعة المطهره |
أما الذي تحريمه قد حصلا | من غير هاتيك العناوين فلا |
فلا تقايس لازما للسبع | من العناوين بها في المنع |
ما وقع فيه الخلاف
هنا فروع في محل الابتلا | حرمها بعض وبعض حللا |
منشؤها التعميم والتخصيص | فيما عليه تحمل النصوص |
وأمرها دار على الزوجين | بالحل والمنع على الوجهين |
وحيث قد بان الصحيح وظهر | فما على غير الصحيح من أثر |
لو أرضعت إخوتها الحليله | وإن يكن من لبن البعوله |
أو أرضعت أولادهم لم تمتنع | عن بعلها وحلها لم يرتفع |
ولم تزل عصمتها بحالها | على رضاع عمها وخالها |
وعمه وخاله لو رضعا | منها عليها بعلها ما منعا |
ومثل خال خالة والعمه | كالعم في بقاء تلك العصمه |
وقس على جميع ما قد ذكرا | أولادهم أنثاهم والذكرا |
بحيث كل منهم لو يرضع | منها عليه بعلها لا يمنع |
ومن رضاع أخوة الحليل | لم يعترض منع على التحليل |
كذاك لو يرضع منها الحفده | ما رد عن تحليلها الشرع يده |
الشهادة على الرضاع
ويثبت الرضاع بالشهود | بكل ما فيه من الحدود |
بشرط أن تفصل الشهادة | وتذكر الشروط في الإفاده |
من دون إغماض ولا إغلاق | حتى من الإجمال والإطلاق |
ولم تغز بالنجح والقبول | إلا إذا كانت من العدول |
وتقبل النساء كالرجال | فيه على الأصح في المقال |
ويكتفي برجلين أو رجل | وامرأتين أي هذين حصل |
وأربع من النساء تقبل | قطعا وفيما دونها تأمل |
حكم الصداق عند تحريم الزوجة
لا يبرأ الزوج من الصداق | في مورد التحريم والفراق |
إلا إذا كان ارتضاع الصغرى | بسعيها من دون علم الكبرى |
لأنها قد سببت بفعلها | ما أوجب انقطاعها عن بعلها |
والحكم في الأفعال وضعا ما وضع | وإن يكن عنها العقاب قد رفع |
والفسخ منها قد أتى لا منه | لذاك نختار السقوط عنه |
أما إذا لم تكن الصغرى السبب | ولم يكن بفعلها المنع وجب |
فكامل المهر عليه باق | ولم يكن في الحكم كالطلاق |
وتمنع الكبرى الصداق أجمعا | إن كانت المنشأ في ما وقعا |
بشرط أن لا يحصل البناء | بها وإلا استصحب البقاء |
وهل على من سبب التغريما | وأوجب الفرقة والتحريما |
أن يرجع الغارم فيما يغرم | أم لا لأن البضع لا يقوم |
لأنه ليس من الأموال | فلم يجب ضمانه بحال |
في وجهان منقولان عن أهل النظر | أقواهما للرجوع دفعا للضرر |
فهناك أحكام الرضاع المنزله | مشروحة ما شذ عنها مسأله |
منظومة له قي الاجتهاد والتقليد
يجري اليرع باسمه تعالى | مفتتحا بذكره المقالا |
منخفض الراس لسامي مجده | منطلقا لسانه بحمده |
مصليا على الهداة البرره | محمد والعترة المطهره |
معتمدا للقصد بحر الرجز | معبرا عنه بلفظ موجز |
وجوب الاجتهاد كفاية لا عينا
شريعة الله وإن طال المدى | باقية والخلق لم يترك سدى |
المصطفي قام بها في عهده | وآل بيت المصطفي من بعده |
كنا بهم نهدي وكنا نرجع | عند المهمات لهم ونفزع |
حتى إذا غاب الإمام القائم | غيبتة الكبرى وحار العالم |
وانقطعت سفارة النواب | وانطمست معالم الأبواب |
تعين الأخذ بكل ما قضى | به الكتاب والدليل المرتضى |
والأخذ مفروض عن الكفاية | لظاهر الآيات والرواية |
فيسقط الأمر عن الكل متى | قام به البعض وبالفرض أتى |
أما مع الترك فكل يحمل | مغبة الترك وكل يسأل |
وفرضه عينا على الأنام | يستوجب الإخلال بالنظام |
والاحتياط فيه عسر وحرج | فما علينا أن تركنا من حرج |
فانتظمت مصالح العباد | من غير إخلال ولا فساد |
هذا لتحصيل المعاش يسعى | وذا لأحكام الإله يرعى |
لذاك شأن ولهذا شان | لولاهما لم يحصل العمران |
الدين والدنيا هما ركنان | عليهما قام بناء الباني |
شروط المفتي والقاضي
والشرط فيمن يتولى الفتوى | وينشئ الحكم لفصل الدعوى |
أن يبني الأمر على القواعد | ويجعل العقل له كالرائد |
يمشي على ضوء الدليل المحكم | مستمسكا بعروة لم تفصم |
مستفزعا بالبحث عنه وسعه | مستخرجا من كل أصل فرعه |
مرتديا بالعدل والنزاهه | مرتويا من سلسل الفقاهه |
عن قوة راسخة في النفس | قدسية من فيض روح القدس |
الرشد والبلوغ من صفاته | والعقل والإيمان من سماته |
ومنصب الإفتاء والقضاء | في غاية البعد عن النساء |
للصون أعددن وللتحجب | فأين منهن ارتقاء المنصب |
على اعتبار هذه الأمور | قد نقل الإجماع عن كثير |
وبانصراف الإذن عمن جردا | منها دليل الحكم قد تأكدا |
ويلزم الفحص إلى أن يسفرا | صبح الهدى للمجتلي أو يعذرا |
حتى إذا عميت السبيل | ولم يكن هاد ولا دليل |
ألقى إلى العقل زمام الأمر | منقطعا ملتمسا للعذر |
ومن على النهج القويم قد سلك | أصاب أو أخطأ لا يخشى الدرك |
والأصل عن نهج الدليل لم يحد | في مورد الشك إذا الشرط فقد |
والأثر المطلوب في حكم العدم | أفتى به المفتي أو القاضي حكم |
عدم جواز التقليد في الأصول
والأمر بالتقليد والرجوع | للغير مقصور على الفروع |
لأن ما دل من النصوص | جار على الأحكام بالخصوص |
عنه أصول الدين والعقائد | خارجة بمقتضى القواعد |
لأنها قائمة البنيان | على أساس العلم والبرهان |
العلم فيها مورد الأحكام | ومصدر الإيمان والإسلام |
فلم تكن بسائر الشؤون | رافلة بحلة الظنون |
لا فرق بين مبدأ ومقصد | ومورد في حكمها ومورد |
تلك الأصول الباسقات للعلى | من حقها في الدين أن لا تجهلا |
يعتبر العلم بها فحسب | لأنه السهم الذي لا ينبو |
به يناط لا بها التكليف | فالكاشف المطلوب لا المكشوف |
وجوب معرفة الخالق
من البديهي الذي قد سلما | وجوب شكران الذي قد أنعما |
دفعا لما يخشى من الاضرار | في هذه الدار وتلك الدار |
وكل ذي عقل بأدنى نظر | يرى عليه نعما لم تحصر |
ولم تكن منه ولا من صنعه | لأنها خارجة عن وسعه |
والشكر ذو مراتب مختلفه | موقوفة على حصول المعرفه |
فليس شأن الملك المطاع | في الشكر شأن الجند والاتباع |
وكيف يطريه وكيف يصفه | إن حاول الشكران من لا يعرفه |
والعقل لا يحكم بالبراءة | والأمن من مغبة المساءة |
إلا إذا استيأس بعد الطلب | من مدرك للحكم أو من سبب |
بحيث لم يبصر هناك نارا | بضوئها بهدى ولا منارا |
والأصل بعد البحث والتنقيب | يدفع عنا كلفة الوجوب |
ويستقل العقل بالسلامه | من خطر العقاب والملامه |
وقيل يجري الأصل فيما أمكنا | لجاعل الأحكام أن يبينا |
وها هنا لا يمكن البيان | من جهة الدور فلا أمان |
هذا وإن كان خلاف الأقوى | مطابق لما عليه الفتوى |
لا تقليد في مدارك الأحكام
ولم تكن مدارك الأحكام | منظومة في ذلك النظام |
ما طاف في إحيائها من قلدا | ولا إلى تحصيلها مد يدا |
في صفحة التقليد لم تكتب ولا | نص بها في الشرع قد تكفلا |
قد أجمع الكل على حيادها | عن خطة التقليد وابتعادها |
لأن ما دل من النصوص | جار على الأحكام بالخصوص |
والمنع ما بينهم مسلم | والأصل مع فقد الدليل العدم |
يجري على العموم لا العلم الأثر | فليس للعلم سوى محض النظر |
والعلم بالذات دليل مستقل | على سواه لا عليه نستدل |
لو صح أن يجعل سد السبلا | وأوجب الدور أو التسلسلا |
قد جعلت بجعله الحجيه | كسائر اللوازم الذاتيه |
والجعل للطرق من الشرع وقع | قطعا فلا يصغي لمنع من منع |
بفضلها يتسع النطاق | فلا يضيق بامرئ خناق |
وإن تفت مصلحة يعوض | عنها فما سفسطة المعترض |
والجعل لا يكون للمنوع | عقلا ولا لواجب الوقوع |
وإنما الجعل لكل ممكن | على جواز الفعل والترك بني |
فالعلم إذ ذاك عن الجعل أبى | لأنه من قسم ما قد وجبا |
قد ظهرت صحته من نفسه | ظهور مشبوب السنا من شمسه |
لا اجتهاد ولا تقليد في الضروريات
ولست محتاجا إلى التنبيه | على خروج المورد البديهي |
ولا خروج المورد الضروري | ولا المعنى من الأمور |
من حيث أن الناس فيها شرع | لا تابع فيهم ولا متبع |
لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد
وليس بالجائز أن يقلدا | مجتهد في عمل مجتهدا |
فإنه ليس من العوام | ولا من الجهال بالأحكام |
شبهة الإحراز والتطبيق
وشبهة الإحراز والتطبيق | من شبهة الموضوع لا الطريق |
مكلف برفعها المأمور | بالفعل إذ تشتبه الأمور |
في كل أمر لم يكن من شأنه | أن يسأل الشارع من بيانه |
أما إذا كان به كفيلا | وكان عن بيانه مسؤولا |
كما إذا النص ابتلى بضده | أو حصل اللبس لأجل نقده |
أو أجمل النص ولا مبين | لمقصد الشرع ولا معين |
فجائز هناك أعمال النظر | والأخذ بالرأي إذا الرأي استقر |
وساغ للعالم أن يجتهدا | فيه وللجاهل أن يقلدا |
التجزي
لا فرق في الحكم وفي التحقق | بين تجز واجتهاد مطلق |
كلاهما بشاهد الوجدان | سيان في الوقوع والإمكان |
عليهما ينطبق الدليل | سواء المعقول والمنقول |
وليس للمنع عن التجزي | من حجة ولا دليل مجزي |
والدور بالحل وبالنقض ارتفع | وهل يكون مستحيلا ما وقع |
والنهي مصروف إلى العقائد | فلا يعم سائر الموارد |
وإن يكن عم فقد تخصصا | ومن شمول المنع قد تخلصا |
فذو التجزي داخل في الحد | منتظم بسلك ذاك العقد |
فصح أن يقدح في زناده | ويبني الأمر على اجتهاده |
وصح للجاهل أن يتبعه | وأن يؤم للورود مشرعه |
بشرط أن يعد فيمن عرفا | أحكامهم ونهجهم قد اقتفى |
شرط الحياة في المجتهد
واشترطوا الحياة في المجتهد | عند ابتداء عمل المقلد |
من غير إشكال بهذا الشرط | أصلا ولا عن نهجه تخطي |
ولم تكن طريقة الإخباري | ما بينهم من مطمح الأنظار |
لأن قول العلماء معتبر | في رأيه نقلا لمضمون الخبر |
فالأخذ بالفتوى عن الأموات | لديه كالأخذ عن الرواة |
فاختلف الموضوع في الحكمين | فلم يكن تخالف في البين |
وبعضهم قد قال باعتباره | في مبدأ التقليد واستمراره |
وحيث لم يوجد دليل كافي | فأقرب القولين قول النافي |
تقليد الأعلم
يختار من يشاؤه المقلد | فيما إذا تعدد المجتهد |
عند تساوي الكل في العرفان | من غير تفضيل ولا رجحان |
والحكم بالتخيير حكم مستمر | في كل حال فالعدول لا يضر |
وقال بعض يبطل استمراره | لشبهة استصحاب ما يختاره |
لكنما الشك به مسبب | عن غيره فغيره المستصعب |
أما إذا تفاوتوا فالأعلم | ما بينهم هو الذي يقدم |
من حيث أن الأخذ بالمرجوح | مستقبح في النظر الصحيح |
والأخذ ممن قال بالتجويز | دور وما للدور من مجيز |
إلا إذا كان الجواز مسندا | بنفسه لغير رأي المقتدى |
بأن تكون سيرة قطعية | يبنى عليها الحكم في القضيه |
أو كان ذو التقليد من فطرته | منعقد القلب على صحته |
أو رخص الأعلم بأتباعه | فيخرج الأمر عن امتناعه |
حقيقة التقليد
حقيقة التقليد تطبيق العمل | على مقال الغير من دون خلل |
وليس منه الأخذ بالقول بلا | فعل وإن كان البنا أن يفعلا |
ولا انعقاد القلب بالتصميم | على أتباع نهجه المرسوم |
ومطلق الوفاق غير مجدي | ما لم يكن تطبيقه عن قصد |
لو تحول رأي المجتهد
عن رأي الأول لو تحولا | ذو الرأي واختار سواه بدلا |
فالعمل السابق مرعي الأثر | ماض ولم يفسد بتغيير النظر |
إلا إذا بان بوجه قاطع | أن الذي مر خلاف الواقع |
وتلحق الأعمال في المستقبل | بحكمه الأخير لا بالأول |
هذا على تقدير أن يكونا | طريق كل منهما مظنونا |
أما إذا كان الذي تقدما | من حكمه بالقطع قد تهدما |
فلا ارتياب في فساد السابق | ونقضه قطعا بحكم اللاحق |
وكل ما قد بنيت آثاره | على الدوام يثبت استمراره |
فكل معمول به فيما سبق | باق ومعمول به فيما لحق |
كالأثر الجاري على التأييد | من صيغ الإيقاع والعقود |
وكل أمر ما له استقرار | بذاته ليس له استمرار |
وربما يعطي ببعض الصور | حكم البقاء لبقاء الأثر |
وفعله الأول عند العرف | لصدق عنوان الوقوع يكفي |
وكلما يأتي يكون بالتبع | لأن ما قد حقق الصدق وقع |
فليس فيما ها هنا لما سبق | حكم وحكم آخر لما لحق |
إلا الذي جد من الأمور | فإنه يلحق بالأخير |
وهكذا الباقي من الأعيان | يكون مشمولا لحكم الثاني |
ما المراد بالأعلم
والأعلم والأوصل للحقيقه | ولو بحسن الذوق والسليقه |
ووفرة اطلاعه وفضله | تنبي عن المطلوب عند جهله |
وكم لهم للكشف عن معناه | عبارة والحق ما قلناه |
الاحتياط
الاحتياط راجح مستحسن | سالكه من كل خوف يأمن |
حتى مع التكرار والإعاده | توصليا كان أم عباده |
والقصد للفعل مع الرجاء | كاف لنيل القرب والحياء |
والجزم بالنية لا يعتبر | عقلا ولا دل عليه أثر |
تارك الاجتهاد والتقليد والاحتياط
من أهمل الطرق فلم يقلد | سواء في الرأي ولم يجتهد |
ولا على نهج احتياط قد سرى | مستدفعا بالاحتياط الضررا |
فالعمل الصادر منه عاري | عن كل ما صح الآثار |
إلا إذا وافق قصد الشارع | في ظاهر الأحكام أو في الواقع |
ما يثبت به الاجتهاد وشروطه
تثبت بالبينة الشروط | عند اشتباه الأمر والمشروط |
اثنان في موارد الشهاده | أقلها والخير في الزياده |
ولم تفز بالنجح والقبول | إلا إذا كانت من العدول |
عن خبرة تشهد لا عن رجم | بالغيب من دون حصول العلم |
بشرط أن ينتفي المعارض | لها وإلا حصل التناقض |
وبالشياع حين لا يبقى معه | لسامع شك بما قد سمعه |
وشاهد الوجدان خير شاهد | يجري عليه الحكم في الموارد |
تستسلم النفس له وتذعن | ويطمئن جاشها وتسكن |
ما تحرز به الفتوى
وتحرز الفتوى بكل ما سبق | أدلى به العقل أو الشرع نطق |
وبالتلقي من فم المفتي ومن | مبلغ من الثقات مؤتمن |
ومن كتاب صح عنه يعتمد | عليه للأخذ وللفتوى يعد |
العدالة
العدل من لم يأت باكبائر | عمدا ولم يصرر على الصغائر |
عن قوة بها أتقى المحرما | واجتنب الآثام إلا اللمعا |
معتصما من طارق العصيان | بذمة الإسلام والإيمان |
يجري عليه الحكم والتكليف | ويحسن الإنذار والتخويف |
ولم تهن أركان تلك القوة | بما ينافي مقتضى المروة |
إلا على وجه بعيد في النظر | عليه لا يحسن تطبيق الخير |
أنى وفي المباح لا يصاب | دين نتدنيس ولا يعاب |
كبائر الآثام فيما لم ينص | عليه بالذات وبالذكر يخص |
قد أحصيت بالبحث والتتبع | على اختلاف شأنها في أربع |
بكل ذنب موجب للنار | أو داخل في حيز الإنذار |
أو كان مما أكبر الشرع أشد | أو ما به شهادة المرء ترد |
ضوابط يمتاز ما قد كبرا | بهن عند الجهال مما صغرا |
تلك العناوين بها تستعلم | موارد الذنوب إذ تستبهم |
أما الذي نص على استعاظه | فغير محتاج إلى استعلامه |
يدخل في حكم الكبير اعتزلا | عنهن أو في ضمنهن دخلا |
ويلحق المشكوك بالصغير | عند حصول اللبس لا الكبير |
فلم تكن يفعله تنهدم | عدالة المرء ولا تنثلم |
إلا إذا عليه بالفعل أصر | أو قد نوى العود بوجه معتبر |
ومن أتى ما ينقض العدالة | ويقتضي عن حكمها انتقاله |
ولم يكن براجع لربه | خوفا ولا بتائب من ذنبه |
فإنه يحكم بالمروق | عن منهج العدل وبافسوق |
وترجع العدالة المنفيه | إن بقيت قوته النفسيه |
إذا عن الفعل القبيح نزعا | وتاب عما قد جنى وارتجعا |
ويعرف العدل بحسن الظاهر | من غير تفتيش عن السرائر |
وحسبه الإطراء بالجميل | والخير في الحي وفي القبيل |
مراثيه
قال الشيخ سليمان ظاهر يرثيه ويعزي عنه مؤلف الكتاب وأبناء الفقيد:
العين عذر أن يجف معينها | وشرعة طه غاب عنها معينها |
وعنها تخلى ابن الأمين وإنه | كآبائه آل الأمين أمينها |
وما عن قلى عنها تخلى وقد طوى الـ | ـليالي والأيام وهو خدينها |
رعى سربها حيث الرعاة لسربها | قليل بعين ليس تغفو جفونها |
وما زال وضاحا بنور جبينه | كمنفلق الصبح المنير جبينها |
ولكن من سود الرزايا بدائها | إليه مشت تحت الضراء منونها |
فجذت يمين العلم في سيف غدرها | وما أن وعت قربى النبي يمينها |
ويا ليتها شلت وبان ولم تصب | وتينا لقلب ابن النبي وتينها |
كأن الرزايا قد تألين حلفه | بأن تشفي من آل طه ضغونها |
وما أن رأت إلا بتفريق شملهم | تبر على مر الدهور يمينها |
كأن لها فيهم ديونا ولم تكن | لتقضي بغير الغدر فيهم ديونها |
لهم مثلت في كل فج ومرصد | على ضغن حمر الرزايا وجونها |
وما شحذ البيض الرقاق بواترا | إلى غير أبناء النبي قيونها |
وللناس من عذب المشارع مورد | ولكن لأبناء النبي أجونها |
على أنهم ما كان إلا إليهم | إذا اشتكت الدنيا اعتلالا ركونها |
وما الحسن المفقود فردا وإنما | قريش به مفقودة وبطونها |
وان ندوات العلم غصت بشجوها | فإن أنين الثاكلات أنينها |
وكابد أدواء لو أن أخفها | أصاب رواسي الهضب ناءت متونها |
ولو أنها لم تتخذ من ضلوعه | كمينا للاقى كل هول كمينها |
ولاذت بها كالمستجير وبينت | له طعنة هيهات ينجو طعينها |
وعالجها بالصبر حينا ومن ترى | يرد مناياه إذا حان حينها |
وكاد عليه من أباطح مكة | يدك صفاها زفرة وحجونها |
ولا بدع إن مادت جوانب عامل | أسى وتداعى سهلها وحزونها |
فقد كان في علم وحلم وحكمة | وثاقب رأي ألمعي يصونها |
وفي لجج الأهواء فهو لها إذا | طغت وارجحنت بالخطوب سفينها |
وما العلماء العاملون لامة | أباح حماها الجهل إلا حصونها |
مشى نعيه في كل قطر وبلدة | فغاضت بمحمر الدموع عيونها |
ومهما غلت تلك الدموع فإنه | قليل عليه أن يذال مصونها |
وهل أيكة إلا وكادت كآبة | على الحسن الزاكي تجف غصونها |
شجا حسنا أن هان بالدين عصبة | ترى أن دنياها الدنية دينها |
وناشثة ساءت بأحكام شرعها | وقد صدفت عن وازعيه ظنونها |
وأقصى أمانيها بمحدود عيشها | بأيامها خفض الحياة ولينها |
وأما حياة الخلد فهي لديهم | أساطير لم يمح الشكوك يقينها |
على أنها كالشمس ساطعة السنا | لو أن بصيرا منهم يستبينها |
نمى حسنا أزكى البرية محتدا | وهم لشروح المكرمات متونها |
ولم يتخذ إلا تقى الله حلية | إذا زين اللبات يوما ثمينها |
وما قيمة الأنساب مهما شأت علا | إذ لم تكن تقوى الإله تزينها |
وما اجتمعت إلا إليه على هوى | وعن مقة بكر المعالي وعونها |
ولم يحفل الدنيا وسيان عندها | هجان بنيها والليم هجينها |
وكم من مسرع للأنام بها وقد | تساوى لديهم غثها وسمينها |
وما هي في التحقيق إلا رواية | وما صرع الألباب إلا مجونها |
وكيف لها يهوى الحكيم وقد غدا | سواء بها عز الحياة وهونها |
وما شأن دنيا في سبيل اصطفائها | تنازعها مأمونها وأمينها |
وطائعها لاقى من الخسف ضعف ما | تجرعه من قبله مستعينها |
تضيق بصدر المالكين ولم تضق | بساكنها هند البلاد وصينها |
على أن عقبى كل نفي قرارة | يطول بها تهجاعها وسكونها |
على الحسن الثاوي بأكرم بقعة | يغاديه من غر الغوادي هتونها |
يحيى وحيدا في ثراه كأنما | به أغلقت من بعد لي رهونها |
كأن غوالي المسك ساطعة الشذى | ونافح جنات المهيمن طينها |
وتنظم من حصباء قبر له انطوى | تنافس فيه لؤلؤ البحر عينها |
فيا لثرى فيه انطوى يوم طيه | أبي قريش ذو الفقار بطينها |
عزيز علينا أن يوارى بحفرة | كثير على مر الليالي قطينها |
تكاد على المحدود من جنباتها | تحطم من شمس القرون قرونها |
على أنها فيه لأطيب حفرة | وأنى وقد سامى النجوم دفينها |
سيكثر من غر القوافي على الذي | أقيم به صرح القوافي حنينها |
لها رقة الماء الزلال وإنما | لحون الحمام الساجعات لحونها |
وإن تظلم الدنيا على حسن أسى | ففي محسن تنجاب عنها دجونها |
إمام علوم العصر طرا قد انتهت | إليه وألقت بالزمام فنونها |
وفيه قد اعتزت شريعة أحمد | ونيطت به أحكامها وشؤونها |
وعاملة لولا فضائل محسن | وغر مساعيه لجن جنونها |
فغيه لها السلوان عن كل راحل | ولولاه لم يلف السلو حزينها |
ولولا بنوه لاستمرت تقيمها | وتقعدها أحزانها وسجونها |
يمينا لأبناء الأمين لعامل | جبال حلوم لا يخف رصينها |
وأدراعها في كل خطب ولم يكن | يفل على مس الخطوب حصينها |
وكل على إدراكها شأو غاية | يقصر عنها السابقون ضمينها |
فصبرا فما فيكم إذا حل فادح | تخف له الأحلام إلا ركينها |
ولا زال من غر الملائك مهديا | إلى حسن لطف الإله أمينها |
وقال الشيخ خليل مغنيه يرثيه ويعزي عنه مؤلف الكتاب:
نظمت درر مدائحي بعلاكا | ورجعت أنثره أسى برثاكا |
بيني وبين الشعر جفوة تارك | ما إن رجعت لنظمه لولاكا |
فإذا مدحت فأنت وجهة مدحتي | وإذا رثيت فما عنيت سواكا |
ذي نكبة نزلت بعليا هاشم | هوجاء روع وقعها الأملاكا |
أبكت بفعلها النبي محمدا | ورمت بفتكتها الوصي أباكا |
هذا النظيم مدامع من ناظر | في هامة الشرف الرفيع رآكا |
وبقية من فكرة منهوبة | أودى بها الناعي غداة نعاكا |
ساد الذهول فذاك يسأل من نعى | ويخاف هذا أن يكون عناكا |
ووقفت وقفة عارف أن الردى | ما راح يقصد مذ رمى إلاكا |
في ذمة الأيام سهم صائب | أنت المراد به وما أخطاكا |
ما كنت أول راحل لكنما | قد حل رزؤك إذ سما معناكا |
كل قطر مأتم ومناحة | يبكي عظيما في الخطوب دهاكا |
هذي وفودك للحمى سباقة | جاءت تدير شؤونها بحماكا |
نظر الردى للناس نظرة ناقد | ورآك واحدهم علا فطواكا |
أسرعت بالترحال حيث تعلقت | آمال نفسك بالنعيم هناكا |
وأنفت من هذي الدنى إذ أنها | تذوي الزهور وتنعش الأشواكا |
وتحل جاهلها محلة عارف | هذا يؤخر والمقدم ذاكا |
يا أيها الساري رويدك بالخطى | ترك الجميع بدهشة مسراكا |
لاذ الأنام من المصاب بعيلم | جعل المحل لقدره الأفلاكا |
يا حجة الإسلام كل شاخص | في ناظريه كليهما لبقاكا |
أما الكمال فأنت بدر سمائه | يجلو الدجى عنها بهي سناكا |
أعوام عمرك كلها فواحة | بالطيب ما مس المعيب رداكا |
في صفحة التاريخ ذكرك خالد | تتلى بها أي الثنا لعلاكا |
قلم يخلد في الطروس مآثرا | فيها يشع ضياؤها وضياكا |
وتقاك أنوار الصباح صفاؤه | مثل سرى في المتقين تقاكا |
وإذا رآك الطرف أغضى هيبة | وأفاض من نور الهدى مرآكا |
والله أعلم حيث يجعل عهده | عهد به في المسلمين حباكا |
وقال بعض العامليين يرثيه ويعزي عنه مؤلف الكتاب وأبناء الفقيد وأخاه:
لا الرزء كم فمي ولا الناعي نعى | حسبي وحسبك أن أقول وتسمعا |
أنا في الأسار وأنت فيه فأينا | أقوى على الشكوى وأفصح مدمعا |
يا غائر العينين في قلب الشرى | أحكمت درسك شاعرا ومشرعا |
سبعون عاما من سنيك تصرمت | ملأى الليالي خشية وتضرعا |
تمسي وتصبح لا يراك رقيبها | إلا إلى أسبابه متطلعا |
لو تفصح الأيدي التي عفرتها | بتراب قبرك لاستحالت أدمعا |
وبكت على مثواك أكرم من قضى | خمسين عاما في ذويه مضيعا |
يا أيها الحسن الزكي ألم تمت | حتى رأيت ديار قومك بلقعا |
عاث الغريب بها ولم يك أولا | ومشى الخراب لها ولم يك أفظعا |
إن العدو هو الذي عاف الحمى | فعفا وأهمل صرحه فتزعزعا |
دانت بلادك للهوان فأسلمت | للعابثين كيانها فتضعضعا |
عنها استنام حماتها ورعاتها | فغدت لشذاذ البرية مرتعا |
كم صفحة حبرت كان ولم يزل | وجه الزمان بها الأغر الأنصعا |
تدعو بلادك للحياة مجاهدا | وتحث قومك للجهاد مقرعا |
لكن صوتك قد تلاشى في الأولى | لم يسمعوا إلا العبيط الأرقعا |
لو أنصفوا لم يمش غيرك قائدا | فيهم ولم يك غير بيتك مفزعا |
كم ذا هززت بني أبيك محاذرا | أن لا تكون بهم رماحك شرعا |
هيهات فات الصم أن يتحسسوا | من فيك ما يهب الحجارة مسمعا |
قوم أبوا إلا الخضوع لمن غدا | جهد التفوق فيه أن يتنطعا |
أو من يروغ إذا تنزى ثعلبا | وينق أن صعد المنابر ضفدعا |
إيه أبا الشرف الصميم تصدعت | أركانه ما شئت أن تتصدعا |
كنت الحريص على الصلات تشده | طوعا إليك حذار أن يتقطعا |
يا ويح هذا المجد أفلت حبله | وانحط من علياه أجذم أقطعا |
تتساءل الأيام بعد هبوطه | عمن يقيه أو يقول له: لما |
كنت الأشم الأنف وحدك بيننا | واندق بعدك كل أنف أجدعا |
ما كان قلب أخيك موسىواحدا | بالرزء فيك ولا أشد تفجعا |
موسى أبا الصبر الجميل تقصفت | صم الصياخد تحت رزئك أضلعا |
ما ودع الحسن الأمين بلاده | لكن أحسن كل شيء ودعا |
ليت الدموع وقد توارى خلفها | أوحت إلى الربان أن لا يقلعا |
من ذا يبلغ جفن هاشم عبرتي | ويصب في شفتيه كأسي المترعا |
ويبث شقراء الحبيبة لوعة | كابدت منها ما يقض المضجعا |
ويطوف حول بيوت هاشم ناشدا | للشمس بعد أولي الفضائل مطلعا |
إني لأبصر كل وجه معرق | فيها يطالعني بهيما أسفعا |
حتى كأن النور لم يك واحدا | منهم تولد بينهم وترعرعا |
أواه يا شقراء بالله اصدقي | أفقدت أقمار الدجنة أجمعا |
أين الذي نصب الضيافة والذي | شحذ اليراعة هل فقدتهما معا |
شقراء يا بلد الصباحة ما الذي | أزرى بها فلبست هذا البرقعا |
يا مطلع الأقمار كيف لفظتهم | فجفوا سماءك آفلا ومودعا |
من ذا يعزيني فلست بواجد | غيري أمض بما لقيت وأوجعا |
أأبا محمد والشآم خليقة | بك أن تكون لرائديها المرجعا |
يا عاقدا للحق فوق جبينه | تاجا بحبات القلوب مرصعا |
آمنت أنك بعد طه لم تكن | إلا خليفته البطين الأنزعا |
شقراء منبتك الأصيل تظلمت | لك إن دهى فيها المصيف المربعا |
حتى إذا فارقت أهليها غدت | عطنا وبيا لن يقر ويهجعا |
يا أيها الباكون بالله اذكروا | في مصر وجها بالدموع مقنعا |
يتنقص الأيام وهي تزيده | في كل يوم للأحبة مصرعا |
غفرانك اللهم لم يبق الأسى | للصبر في قوس التجمل منزعا |
وقال السيد موسى أخو الفقيد يرثيه:
بين سحب الحيا وسحب الدموع | قد مشينا في موكب التشييع |
معصرات تمدها معصرات | من فؤاد وار وبرق لموع |
قد شهدنا الطوفان والفلك تجري | وهي نعش في موجها المدفوع |
فكأنا من برقها في سيوف | وكأنا من ودقها في دروع |
أعجلتنا ونحن نمشي الهوينا | فمشينا مشي البطيء السريع |
حالفتنا على الوفاء فسارت | في ركاب الزكي للتوديع |
وإلى رمسه حثثنا ولكن | لقطيع مشرد عن قطيع |
لو تراني وقد وقفت عليه | خاشع الطرف كيف كان خشوعي |
أسأل الذاهبين أين استهلوا | أيها الذاهبون هل من رجوع |
وأجيل الألحاظ وهي دوام | في مجال من البكاء وسيع |
وأطيل الشكوى وما أنا شاك | غير تفريق شملنا المجموع |
صدعته يد الحوادث حتى | لم نجد رائبا لتلك الصدوع |
يا فقيد الإيمان والعلم والفضـ | ـل معا والتقى وفرط الخشوع |
نم مهنأ فما الوساد وسادي | يوم بنتم ولا الهجوع هجوعي |
وعلى رمسك الطهور سلام | وبودي لو كان بين ضلوعي |
وقال السيد عبد المطلب الأمين ولد مؤلف الكتاب:
مهج مرن على الأسى وعلى الصدا | قم عز فاطمة وعز محمدا |
قم عز هاشم والحسين وزينبا | وعلي بالحسن الزكي وبالندى |
ذكر الفواطم يوم غبت بكربلا | جثمان جدك بالعراء موسدا |
فبكين واستعبرن هذي سنة | قد شاءها التاريخ أن تتجددا |
يقضي الحسين بكل عصر ظاميا | ويزيد يحكم في الرقاب مسودا |
ولكل عصر ثورة وضحية | ومجازر فيها حسين استشهدا |
عماه يا قمر الندي وأنسه | قد أظلم النادي وبدرك ما بدا |
ذاك الحديث العذب تهزأ بالطلى | كاساته أو بالهزار مغردا |
وجدي عليك كفيض علمك زاخر | هتان دمعي فيك ما سمع الندا |
خل الدموع وشأنها كم دمعة | حلت أسار القلب مما قيدا |
جمعت فأوعت فالبلاغة نفحة | من فيضها والشعر منها أوفدا |
لا تنكروا في الدمع غصة شاعر | كم شاعر سكب الدموع تمردا |
لهفي على الخلق الوديع وحكمة | الشاعرية من معازفها صدا |
وشمائل هي والربيع توائم | سكر الشذا من عرفها وندى الندا |
هي في شفاهك حكمة علوية | وعلى لسانك رحمة تسع الهدى |
الشعر بعض أقاحها وورودها | والعلم ينهل من علاها الموردا |
صور من المثل العلية كنتها | بخل الزمان بمن بهن تفردا |
ومضت حياتك كالشعاع نقاوة | وكخفقة الشفق الندي توردا |
وكبسمة العذراء طهرا نيرا | وكشدوة الحادي المجلجل إذ شدا |
نسج العفاف برودها فبدت لنا | بيضاء ما مس الخبيث بها الردا |
وسما الإباء بها إلى كنف السما | فعلا النجوم بها وجاز الفرقدا |
ورضيت بالحرمان لم تسلك إلى | سبل الدنية غاية أو مقصدا |
عرش الكرامة ما رضيت بغيره | عرشا فكنت به المليك السيدا |
قل للأولى باعوا بأرخص ما اقتنوا | ثوب الكرامة واستكانوا للمدى |
ما كان أحوجهم وهم في غيهم | لشعاع روحك ناقدا ومفندا |
عماه طال بنا السرى في مهمه | ثمل الضلال به فجن وعربدا |
دنيا على الخب اللئيم رحيبة | وعلى الكريم السمح ضاق بها المدى |
الري والشبع الحرام لمتخم | ولمهجة العافي المجاعة والصدا |
عماه لو ملك المحب لك الفدا | هان الفداء له وعز المفتدى |
وقال السيد أمين أحمد الحسيني يرثيه ويعزي عنه مؤلفه الكتاب وأولاد الفقيد وأخاه:
أدمع العين جرت محمرة | عن فؤادي ذائب محترق |
يا لها من نكبة في الدين قد | تركت قلب الهدى في قلق |
عمت الغرب على أنحائه | مثلما عمت جهات المشرق |
عاملا خصت وعمت غيره | بالأسى من مشئم أو معرق |
والعقول العشر ضلت نهجها | واغتدت من أمرها في مأزق |
نكبة قد نزلت أرزاؤها | بالإمام الحسن البر التقي |
بحر علم زاخر بدر هدى | غيث جود هامر مندفق |
مذ رأى أن غمر الناس البلا | واضمحل الدين واستولى الشقي |
زم عن هذي الدنا مرتحلا | ودعا يا نفس بالله الحقي |
فاصطفاه ربه مرتقيا | فهو نعم المصطفى والمرتقي |
خيف أن تغلق أبواب الهدى | والورى تمسي بجهل مطبق |
كيف والمحسن من أبوابه | باب رشد وهدى لم يغلق |
لم تكن غاليت فيه أن تقل | مثله في خلقه لم يخلق |
حاملا أثقاله مجتهدا | وسواه حمله لم يطق |
وثق الخلق بفضل حازه | بسوى هدي له لم تثق |
فعليه علقت آمالها | بسواه أبدا لم تعلق |
ومتى قيس هجين ضالع | يوم سبق بالجياد السبق |
فجياد الخيل يوما إن جرت | في مجاري حلبة لم تلحق |
وضياء الشمس لا يمنعه | عارض معترض في الأفق |
قصبات السبق قد أحرزها | في ميادين العلى لم يسبق |
فهو نور الله في الأرض به | أبدا يجلى ظلام الغسق |
بغية الطالب مصباح الهدى | منتهى التقوى ونهج المتقي |
بحر علم زاخر لا يختشى | قبضه عن ناهل أو مستقي |
وبه التاريخ والفقه انجلى | نهجه بالاجتهاد المطلق |
لا نرى بين الورى مشبهه | لا ورب البيت رب الفلق |
ملأ العالم علما وهدى | بيراع ولسان ذلق |
ضاع في الأرجاء طيبا عرفه | قم تضوع عرفه وانتشق |
أنتم آل الأمين النجبا | معدن الفضل غنى للمملق |
ولنا عمن فقدنا سلوة | غر أبناء كرام الخلق |
أحمد ثم علي هاشم | سلكوا نهج العلى في نسق |
وبموسى سلوة عن صنوه | ساعد زين بأبهى مرفق |
حجة الله عزاء أنتم | خلف عمن مضى فيمن بقي |
رمسه حياك وسمي الرضا | عنك لم يبرح ولم ينطلق |
وقال السيد أمين المقام الذكر وتليت في سابع الوفاة:
أي رزء وافت به الأنباء | من أساه كادت تمور السماء |
نغص العيش والحياة شجاه | فعلى هذه الحياة العفاء |
وتعامى على العقول هداها | ما درت ما الهدى ولا الاهتداء |
ثلمة في الإسلام ليس لها سد | ورزء هانت به الأرزاء |
مذ أصات النعي بالحسن الزا | كي فعز العزا وعم البلاء |
فبكاه الهدى وشرعة طه | وعلى مثله يحق البكاء |
لا تقل ليته وقل ليت نفسي | ونفوس الورى لديه الفداء |
طود حلم وبحر علم وجود | لظوامي القلوب منه ارتواء |
عثرة للزمان بكر فيها | ضاق منها على الأنام الفضاء |
كاد يقضي على البرية حزنا | وعلى شرعة النبي القضاء |
روعت قلب محسن وذويه | بل هم والأنام فيها سواء |
فعزاء يا حجة الله فينا | ولكم بعده يطول البقاء |
أين من كان في الأنام وفيا | حينما قل في الأنام الوفاء |
خصه الله ربه بصفات | قد تعالت فما إليها ارتقاء |
جامع أكمل الصفات وأعلا | ها فقل في صفاته ما تشاء |
عفة في تواضع حسن خلق | وجلال وعزة وإباء |
وسقى الله رمسه فيض عفو | ما تبدت للناظرين ذكاء |
وقال الأستاذ إبراهيم فران:
أمة كنت حصنها في البلاء | هي أحرى بموجعات الرثاء |
وزمان شرفته لجدير | مذ تواريت بالأسى والبكاء |
كنت في ثغره ابتسامة طهر | وعلى وجهه رفيق بهاء |
كنت فيه قصيدة في فم الحق | تسامت كغر أي السماء |
أسبغ الله فوقها روحه السا | مي فجاءت قدسية الإيحاء |
تدع الفن والجمال حسيريـ | ـن بدنيا من المعاني الوضاء |
يا لواء الهدى تألق بالنو | ر لصرعى الضلالة العمياء |
أين منه صفاء نفسك يجلو | كربة العالمين في البأساء |
أين منه جلال علمك يأسو | قلبه عند سورة الأدواء |
أين منه مضاء عزمك يحكي | صولة الأسد في المضا والضراء |
يا سليل الأطهار من عترة الزهـ | ـراء أعظم بعترة الزهراء |
المنيرين حالكات الليالي | بسنا المجد من دم الشهداء |
والمثيرين في الوجود على الظلـ | ـم أعاصير ثورة الكبرياء |
أشرعوا راية الشهادة حمرا | ء فكانوا في الأرض معنى الفداء |
وأعزوا الحياة في كل جيل | هزه منهم رفيع النداء |
هم وقاء النفوس من عمه اليأ | س وفي الهوى وذل الشقاء |
هم شفاء القلوب من وهن الجبـ | ـن إذا ما استبيح قدس الإباء |
هم دليل الورى إلى ذروات الـ | ـعز ريان من سلاف البقاء |
يا سليل الأطهار قم وتحدث | عن فلطين مسرح الأرزاء |
عن جهاد مزيف في حماها | يتندى منه جبين الحياء |
ضيعتها شعوب يعرب في ليـ | ـل اصطدام الأطماع والأهواء |
ضيعتها غداة لم ترع عهدا | لضحايا بدر ولا كربلاء |
لهف نفسي على تراث شعوب | مزقته عواصف البغضاء |
أقلقت مضجع المرءة منها | سورة الحقد واعتساف القضاء |
عزة النفس أين تبدو وهل يبـ | ـقى لدينا منها سوى الأشلاء |
والإباء العمي أين تولى | وانطفا نور وجهه الوضاء |
كلماته غدت كأطلال سعدي | حومت فوقها طيور الشقاء |
موحشات عدت عليها ومارقـ | ـت عواد من البلى والفناء |
تشتكي لوعة الأسى ببيان | لم تجده قرائح الشعراء |
يا أبا الهاشميين أكرم بمن ير | عون عهد الآباء للأبناء |
هم لنا منك مورد الشوق كالسبـ | ـطين كانا من خاتم الأنبياء |
فزعت بعدك الأماني والآ | مال تسعى لسيد العلماء |
محسن القول والفعال عماد الد | ين راقي مدارج العلياء |
سدة الاجتهاد أعظم به حبـ | ـرا وبند الجهاد والإفتاء |
بين جنبيه للعلوم خضم | مترامي الأطراف رحب الفضاء |
زاخر جللت حواشيه الزهـ | ـراء روح الشريعة الغراء |
لجج الحق فيه والحكمة الغراء | تترى صخابة الأصداء |
في ثنايا هديره روعة يخـ | ـطر فيها جلال وحي السماء |
وقال الشيخ محمد علي ناصر:
نعاه لي الناعي فبت لما بيا | أقلب طرفي موجع القلب باكيا |
ولما رأيت الدمع جفت شؤونه | لما نالني استبكيت عني القوافيا |
وما كل ثاو يجمل الحزن والبكا | على فقده أو أن نجيد المراثيا |
نعم يجمل الحزن الطويل لراحل | دعا لرشاد أو بنى المجد عاليا |
قضى الحسن الزاكي ففي كل مهجة | جراحات لا نلفي لها الدهر آسيا |
لقد كان للدين الحنيف مؤيدا | ونورا لضلال المحجة هاديا |
وقد عاش عموا لم تدنس رداءه | بأدناسها الدنيا تقيا وزاكيا |
قضى عمره يدعو إلى الدين والعلى | فأرضى بذاك الله ثم المعاليا |
وما مات حتى خلد الدهر ذكره | جميلا على مر الجديدين باقيا |
طواه الردى عضبا مع الحق صارما | وبحرا خضما بالمعارف طاميا |
تسربل برد الفخر طول حياته | فلم يلف إلا بالمفاخر حاليا |
وكان لدين الله كهفا وحاميا | بعصر ضلال لم يجد فيه حاميا |
ترفع عن أطماع دنيا بدت له | سرابا تراءى في المفاوز نائيا |
رأى أنها تمضي كأحلام نائم | وبالشر لا تزداد إلا تماديا |
فراح إلى الأخرى لينعم تاركا | لنا سيرة كالمسك ينفح ذاكيا |
عيينا فلم نعرف لداء أصابه | دواء وهل نلفي من الموت شافيا |
ولو يفتدى هان الفداء بما غلا | وعز لو أن الموت يقبل فاديا |
تردى ثياب الموت من بعدما ارتدى | من الحمد ثوبا طاهر الذيل ضافيا |
مضى طاهر الأردان خير مشيع | وأكرم ميت بات في الترب ثاويا |
رثيت حياة ملؤها الفضل والتقى | وخير فتى يهدي إلى الله داعيا |
وأورع من أدى أمانة ربه | وقد مات مرضيا وقد بات راضيا |
وعزيت حبر الأمة المحسنالذي | بعلياه لا يزداد إلا تساميا |
إذا ما جرى في حلبة الفضل باحثا | يحوز بميدان الرهان الجوازيا |
وإن رام حلا للمشاكل كاتبا | تفجر ينبوعا من العلم صافيا |
وأما ذكرنا سعيه وجهاده | شكرنا له فيما أفاد المساعيا |
وعزيت من آل الأمين أفاضلا | وخيرة شبان تضاهي الدراريا |
عزاء بني المجد التليد فإننا | بدار نرى فيها المنايا أمانيا |
وإن لكم في جدكم خير أسوة | ومن ذا الذي يبقى فيفني اللياليا |
سقى الله قبرا نام فيه موسدا | أبو أحمد غيثا من المزن هاميا |
ولا زال طيب الخلد ينفح رائحا | عليه جزاء لا يمل وغاديا |
وقال الشيخ محيي الدين شمس الدين من قصيدة:
يا صفوة الأمجاد من عمرو العلى | عمرو العلى لك في أسى وتفجع |
لله يومك ما أمضى فإنه | لم يبق للبأساء من متوقع |
ألقى على الآفاق في رأد الضحى | ليلا وقال لشمها لا تطلعي |
فغدا الأنام لعظم ما قد نابهم | من دهشة في وهدة المتسكع |
يتضورون كأنما أحشاؤهم | مما ألم بهم تحز بمبضع |
صدعت ذراك يد المنون فصدعت | قلب الهدى والدين أي تصدع |
لفت لواء المجد وهو مرفرف | فبكى الجلال وقال يا عين ادمعي |
يتهافتون على سريرك ولها | حمر الدموع بلوعة وتوجع |
حملوا به العلم المبجل والهدى | والدين والتقوى وعزم الأروع |
والحلم والخلق الكريم وقدوة الـ | ـعلماء في زهد وحسن تورع |
حملوا به الحسن الزكي المجتبى | وابن البتولة ذا المقام الأرفع |
من كان للشرع الشريف عماده | ومناره الهادي بليل أسفع |
نظروا فما وجدوا نظيرك فيهم | إن حل خطب كان أعظم مرجع |
يزهو به النادي بيوم تفاخر | ويبذ كل مفوه أو مصقع |
مترفع عما يشين نزاهة | بسوى التقى والفضل لم يتلفع |
غير الإمام المحسن العلم الذي | هو للشريعة خير كهف أمنع |
علامة الدنيا وخير مقدم | حيث الأنام تجمعت في مجمع |
فلنا السلو به على طول المدى | من بعد فقدك يا أجل مشيع |
وبمفخر الجيل المثقف أحمد السـ | ـامي وصنويه البدور الطلع |
أشبالك الغر الأباة فإنهم | آساد غيل أروع من أروع |
وقال السيد علي إبراهيم الحسيني:
عثر الزمان فلم يفد قولي لعا | ومضى بفخر الدين والدنيا معا |
فكأن سر الروح فيه مخصص | أضفي الجلال على الصفات ووزعا |
سر يحار العبقري بفهمه | ويراه في ثوب الغموض ملفعا |
إن حل في شخص زكا وتألقت | آياته وبكل فضل أبدعا |
ويشيع بالنفي الجمال فلا ترى | فيها لغير الأريحية موضعا |
عجبا لأمر الفكر تصرعه الرؤى | ويحب دوما أن يطل فيصرعا |
ما انفك يجري في مجال متعب | يسعى فيعجز بالطريق إذا سعى |
شكلين يبصر في جمال رائع | والطيب حل بواحد فتضوعا |
للروح دنيا من جمال غامض | حسب المفكر أن يحس ويخشعا |
هل ينفع الكلم البليغ بمأتم | عرض المآسي والمصائب أجمعا |
وأتى بها دهياء تعصف بالحمى | وتحيل ربع الألمعية بلقعا |
فقد الأئمة بالأمين مبرزا | مثلا فريدا للفضائل مرجعا |
مثلا فريدا في الحياة ترفعت | أطماعه عنها فكان الأرفعا |
أحيا المبادئ في جهاد مخلص | ورعى الأنام فلم يضيع ما رعى |
ماذا يحدث شاعر ومن الوفا | للشعر أن تهمي البلاغة أدمعا |
عفوا أمير القول لم يبق الأسى | جلدا لتستوحي البليغ الأروعا |
حسب القوافي الخالدات شواردا | نظمت روض الفن فيها أينعا |
والعلم يكفيه رسائلك التي | أبقتك حيا لن تغيب لترجعا |
لهفي على غر الوجوه تتابعوا | سرعى ومن قصد السعادة أسرعا |
كانوا الأهلة للبلاد وعهدهم | بالعدل والخيرات فيهم أمرعا |
لما رأوا قيم الحياة تبدلت | تخذوا بأكناف المهيمن مجمعا |
وقال الشاعر بولس سلامة يرثيه ويشير إلى الأبيات المتقدمة التي قالها فيه:
ذكرتني يا صفوة الأكرمين | وأنت في كف المنايا رهين |
على سرير أن فولاذه | وصدرك المثناف يخفي الأنين |
شيمة أهل البيت أن يصبروا | بجدهم أمثولة الصابرين |
جمع أي الخلق في صدره | وزفها نورا إلى العالمين |
شطر أضاء الكون لألاؤه | وشطره الأوفى نصيب البنين |
يا موئل التقوى ولو وزعت | لاستيقظ الإيمان في الملحدين |
عشت رفيع الرأس لم تحنه | إلا إمام الهدي في الساجدين |
كجدك السجاد سبط العلي | زين التقى والزهد والعابدين |
يلقى هشاما غير مستسلم | كالشمس علوي السنى والجبين |
يا أهل بيت المصطفي طيبكم | يزداد فوحا بازدياد السنين |
نهلتم الحكمة من نبعها | ومن أمير الضاد والمؤمنين |
نزل بعد الوحي تنزيله | نثر اللآلي في البيان الرصين |
يزيدها كر المدى جدة | وكلما تقادمت تستبين |
فأعجب لإرث من كنوز النهى | فيه النصارى تزحم المسلمين |
يا ذاهبا أقفر منه الحمى | وحل يمنا في ثرى الراقدين |
بهظت ميزان العلى راجحا | برا فمالت كفة الخيرين |
وهللت روح الشهيد الذي | بالطف ما بين الرضى والحنين |
حفاوة الأسد بأشبالها | شريفة عادت لمجد العرين |
علام سكب الدمع أن ترتحل | في غربة جارت على المبعدين |
أهواؤها شر وأفراحها | وهم وصدر الحق فيها فعين |
ينعم فيها الذئب أو جاهل | يبقى برغم النفس ماء وطين |
روحك جازت سدرة المنتهى | ورصعت برديك شمس اليقين |
شربت من كأس الرحيق التي | أدارها الساقي على الخالدين |
جبريل لم ينكر عبيق الشذا | وطالما كان الرفيق الخدين |
تنسم المعراج والمصطفى | ومنحنى بدر وسيفا متين |
فقرب البسط إلى ربه | وعز في دار النعيم الأمين |
وقال الشاعر عبد الحسين عبد الله:
حسبت عليك الدمع استلهم الشعرا | فحيرتني في الخطب أيهما أحرى |
إذا جئت أستوحي القوافي تساقطت | على مدمع يجري على كبد حرى |
كأني بين الدمع حين لحمتها | وقفيت أبياتي عبرت بها بحرا |
وفي الشعر عبر الدمع للقلب سلوة | فيا طالما أطفأت في حرها جمرا |
بخطبك لا دمعي ولا السعر نافع | فأيهما استنجدت لا الهم الصبرا |
مصائب هذا الدهر كثر وشرها | سهام من الأيام تستهدف الحرا |
طواك الردى سيفا من الحق مصلتا | ولف بك الأخلاق والحجة الكبرى |
مشيت على السبعين تفتر زهرة | وتنقض في أفق العلى والأبا حضرا |
تضرت وجوه من جلال وهيبة | ووجهك بالإيمان يزهو ولا يضرى |
وضل ذوو فضل وبيعت ضمائر | وأعرضت لم تقبل وكم عرضوا سعرا |
أبت لك نفس الحر من آل هاشم | كغيرك أن ترضى لذي سلطة أمرا |
إذا العلم لم يصحب نفوسا أبية | رأيت ديار العلم من أهلها قفرا |
مشى الجبل المحزون في الخطب واجما | وقد نشر الناعي بأنحائه الذعرا |
فقد كنت في سود الليالي منارة | له وبيوم الحادثات أبا برا |
تخفف بلواه وتأسو جراحه وتكشـ | ـف عنه الضيم ما اسطعت والضرا |
وتغضب والأيام جارت صروفها | وجيش العدا في أرضنا ممعنا غدرا |
نكاد بغالي النفس نمشي إلى الوغى | ونقذف فيها القوم قنبلة حمرا |
ويؤلمك الشعب الذي نام للأذى | وما حركته نكبة تصدع الصخرا |
ونادت فلسطين فأوقر سمعه | وألقى على عينيه من دونها سترا |
رأيتك تبغي الخير في كل مقصد | كأنك لا تدري ولا تعرف الشرا |
حياة من الإصلاح والخير صفحة | تظل على الأيام عابقة عطرا |
بها ينتحي طرق الهدى كل ضائع | ويلمح من أضوائها الشمس والبدرا |
غشين خضم العلم تكشف سره | فلم تبعد المرمى ولم تخطيء السرا |
وما كل سار فاز بالقصد والمنى | ولا كل غواص به يدرك الدرا |
لئن كان عمر المرء بالفضل والتقى | فأنت برغم الموت أطولهم عمرا |
مآثرك الغراء مالي وحصرها | ومن يستطع أن يحصر الأنجم الزهرا |
عسى هذه الفتيان من آل هاشم | تسير على نهج خططت به سطرا |
ومن منهم أولى بمجد ورفعة | وبالخطة المثلى وبالشيم الغرا |
وقفت حيال القبر أرثيك خاشعا | وغالبت أحزاني فأنظمها شعرا |
إذا الشعر لم يبلغ مداك بيانه | وقصر عن معناك أسألك العذرا |
فما جئت في شعري أوفيك حقه | علي ولا أسدي إليك به شكرا |
عرفتك تأتي الخير عفوا وشيمة | فلا تبتغي حمدا عليه ولا أجرا |
ولكنني أرثيك للعلم والتقى | وأبكي بك الأخلاق والنبل والطهرا |
وقال الشاعر موسى الزين شرارة:
قدر رمى ما أخطا العلياء | بسهامه والشرعة الغراءا |
أبكى رسول الله في جناته | وأبا تراب وروع الزهراءا |
يا ليته أخطى الزكي وليته | منا أصاب القلب والأحشاءا |
يا راحلا عنا وكان لكلنا | كهفا لدى الجلى وكان رجاءا |
إن أنسى لا أنس حنانا وارفا | فيأتنا وأياديا بيضاءا |
أيام كنا بين أهلينا وفي | أوطاننا وديارنا غرباءا |
أيام صحنا لا نريد بأرضنا | أو في ديار جدودنا دخلاءا |
فإذا بنا نمشي وكل ذنوبنا | بغض العدو لأهلنا أعداءا |
فوقفت وقفة هاشمي مخلص | وقمعت تلك الفتنة العمياءا |
ورفعت للإخلاص رغم عدوه | وهو الدخيل الأجنبي لواءا |
كنت الملاذ وكان وجهك إن دجا | ليل الخطوب هداية وسناءا |
كنت الغضنفر نجدة وحمية | عند الشدائد والحسام مضاءا |
أشبهت جدك جرأة وصراحة | ومروءة وشجاعة وإباءا |
إني أرى الدنيا وقد وارى الثرى | ذاك المحيا ظلمة سوداءا |
يدمي فؤادي أن شعرا طالما | لعلاك صاغ النيرات ثناءا |
وبخلقك السامي وهديك والعلى | ملأ البوادي بهجة وغناءا |
يمسي على رغمي حزينا راثيا | وغناه يمسي أدمعا وبكاءا |
رحماك هبني من رحيقك قطرة | علوية لأقول فيك رثاءا |
أو من جناحك ريشة يسمو بها | شعري فيصبح للقريض سماءا |
يا دهر مالك للعلى وبني العلى | أبدا تكن الحقد والبغضاءا |
ولحرب آل محمد دون الورى | تزجي الخطوب وتحشد الأرزاءا |
ألأنهم نور وطرفك أرمد | والنور يؤذي المقلة الرمداءا |
أعلنت حربك حاشدا لقتالهم | نوبا تخر لها الجبال عياءا |
يا ليتها كانت يمينك مذ رمت | قلب الهداية والهدى شلاءا |
لم تشف حقدك كربلاء وأوجه | بذت ذكاء رونقا وبهاءا |
وضياغم من هاشم وردوا الردى | عذبا على ظما وعافوا الماءا |
هادن وكن حرا برغمك مرة | أحرارنا والصيد والنبلاءا |
وقال الأديب أحمد حجازي:
يومان لم يبقيا صبرا ولا جلدا | ولا حجى فينير السبل أو رشدا |
يوم به قصرت منا صوالجة | عن دفع عاد على حق الحياة عدا |
وفيه أصبحت التيجان كاسفة | ولم تعد لخطب طارىء عددا |
وأي تاج من التيجان رصعه | عز وقد بات رأيا قاصرا ويدا |
ويوم قوض ركب المجتبى حسن | مغادرا شمل دين المصطفي بددا |
إلى ظلال بها الأبرار راتعة | وخير عقبى بها الرحمن قد وعدا |
إلى جوار سفير الله أحمد من | لولاه ما سطعت تالله شمس هدى |
شدت أواصر قرباه بنبعته | فزاد حظا على حظ له عقدا |
وقد تخلق من أسمى خلائقه | فكان من خير من أسدوا الحياة يدا |
علم خلا من تهاويل مروعة | وطهر نغمى بها ما أن ترى أودا |
ومن شمائل أمثال النسيم وقد | جر الذيول على الأوراد غب ندى |
وما حكته ليوث الغاب في شمم | ولا إباء إذا ما غيلها قصدا |
يبدد الحيرة الرعناء ما دهمت | بنور رأي عن الإيحاء ما بعدا |
كأنما الغيب مكشوف لديه فلا | يضل قصدا سويا فيه أو رشدا |
طيف الحياة بمهد طاب مضجعه | على حداء به ركب الحياة حدا |
كنت الهناء وما طالت لذاذته | لذاذة دونها السلسال يوم صدى |
ورجع أغرودة لذت وقد نصتت | أذن الحياة بها شادي الوجود شدا |
يا من ظعنت ولم تدنس مآزره | والعصر حاشا فرادى فيه قد فسدا |
لو ينظم الدمع وهو القلب ذاب أسى | شعرا بيومك ما وفي الذي قصدا |
إن ضم جسمك لحد طاب من نزل | فإن شخصك بالأحشاء قد لحدا |
وقال السيد محمد نجيب فضل الله الحسنى من قصيدة:
عصفت بهاشم والفواطم صرخة | فإذا البلاد نواكس الأعلام |
وتناولت كف المنية همة | شهدت لها الأحرار بالإقدام |
كرمت بك الأخلاق فهي شريعة | للواردين ولج بحر طامي |
شرف كعرنين الصباح إذا انتمى | غطى بسؤدده على الأيام |
علم وهدي ألفا وتآخيا | ولرب علم طائش الأحلام |
أدب كينبوع الصفا لما جرى | ضحكت له الأزهار في الأكمام |
في المحض من عمرو العلى من عصبة | مفطومة عن زلة الأقدام |
كنت المفيد بنا وكنت المرتضى | علم الهدى بالنقض والإبرام |
أمعارج الإسراء في ساداتنا | جادت فينا هزة الآلام |
كنا نراها في الندي إذا احتبت | شهبا تطالع من متون غمام |
مشت الخطوب الهوج تعثر بالحمى | مثل الجياد جرت بغير زمام |
إشفع عساك مشفع في أمة | مسودة الجبهات بالآثام |
إبني علي والمصاب عواصف | هبت فهزت راسخ الأعلام |
راعت أبا العلماء في مأساتها | ولها انحنى ظهر الأشم السامي |
عهد الخطوب بمتن خاتمة الهدى | ما كان بالمحني للأيام |
ما نحن والتاريخ لولا محسن | إلا جناح للمريش الرامي |
أبقية الماضين من عليا الحمى | صبرا على جرح الزمان الدامي |
لبني الزمان بك السلو على المدى | إذ أنت حامي حوزة الإسلام |
وقال الشاعر تحسين شرارة من قصيدة :
ويح قلبي على ضفاف التنائي | كم يقاسي من حرقة الاشتهاء |
فإذا ما أفاق من جنة العجـ | ـب ومن وهم لوثة الخيلاء |
لم يجد غير دمعه يتهادى | من مآقي الأسى ويأس الرجاء |
أيها الراحل العظيم وهل لي | من بياني ما فيه يرفي وفائي |
أتمنى لو أستطيع ولكن | لا أرى في غير جهد العياء |
لنثرت الدموع من قلبي الدا | مي فألقى بهن أسمى الرثاء |
صنت نفسي عن الخدع وشعري | عن كذاب الرؤى ووحي الرياء |
ونظمت القريض أتلوه في النا | س خلودا بأنبل الآراء |
لم يكن غير صورة لشعوري | ولسانا لعزتي وإبائي |
وسجل الخلود للصيد في العر | ب وصوت المآثر الغراء |
يا عظيم الرجال يا حجة الد | ين تأمل ويا مضاء المضاء |
هل ترى في الوجوه غير انقباض | أو ترى في العيون غير البكاء |
وإذا بانطفاء شعلتنا الكبـ | ـرى ضياء البصائر العمياء |
يا عظيم الرجال آمنت بالبعـ | ـث حياة بعد الردى والفناء |
هات ما أروع الحديث إذا ما | سال سحرا من منهل العلياء |
هل رأيت الردى ألذ وأشفى | من حياة في موطن للشقاء |
وتخلت عن نفسها فتخلى اللـ | ـه عنها في زحمة البأساء |
ها هي اليوم في ظلام لياليـ | ـها تعاني توالي الأرزاء |
لم يعد في النفوس غير بقايا | من شعور تسير للانتهاء |
أين يا عرب ذلك الأمل السـ | ـامي وترنيمة الأماني الوضاء |
أين ولت بل أين وحدتنا الكـ | ـبرى تراث الأجداد للأبناء |
أين مهد المسيح حيث أضاء اللـ | ـه نور الهدى ونور الفداء |
حيث أسرى بعبده سيد الر | سل جميعا وخاتم الأنبياء |
أيها الراحل العظيم وأشفى | زفراتي أودعتها أحشائي |
أنت أسمى من أن تشيع بالد | مع وأسمى من الأسى والبكاء |
أنت في صفحة الزمان خلود | وحياة للناس رغم الفناء |
تتحدى الأيام أعمالك الغر | وتبقى في الكون رمز البقاء |
وقال الشيخ حسين قصفة:
نجد على طريق حين جدوا | جدود قبلنا ولها استعدوا |
طريق للمسير بلا مرد | وليس لحكم فاتحها مرد |
نسير بها على أعواد جرد | كأن لنا من الأعواد جرد |
جياد ما لها في السير وخد | لها لمنازل الأجداث وخد |
مطايانا التي نغدو عليها | فليس لغير داعي الموت تبدو |
يفاجئنا الردى في كل يوم | وتفجعنا الخطوب وتستبد |
هو الموت الذي راع البرايا | وليس يفوته شيب ومرد |
يطارد جمع هذا الخلق طرا | على ظهر البسيطة وهو فرد |
فبينا المرء في زهو ولهو | يميل مع الهوى والعيش رغد |
نراه قد هوى ووهت قواه | ومال مع الردى وحواه لحد |
رمى سهما وقال لمن رماه | إذا أطلقت سهما لا يرد |
فأذكى في فؤاد الدين نارا | وأحدث ثلمة ليست تسد |
وأصمى يعربا وبني نزار | كذلك غالبا معها معد |
بكاه الدين والمحراب لما | توارى عنهما وطواه لحد |
بكته مدامع العلما وجادت | عليه بدمعها والدمع ورد |
هوى من كان للعلياء ركنا | وطودا للمكارم لا يهد |
هوى من كان للأبصار نورا | وبحرا ما له في العلم حد |
قضى الحسن الذي عجت وناحت | عليه فاطم وبكاه جد |
تعطل حشد مجلسه وكانت | إليه رحال أربعنا تشد |
وخلد من بقايا الذكر فينا | مآثر لا تعد ولا تحد |
ولولا محسن فينا لكنا | نرى الدنيا بأوجهنا تسد |
هو المولى الجليل وكل نور | لنور العلم منه يقد |
وبحر من بحور العلم طام | ولكن ماله جزر ومد |
وأحمد من رقى أوج المعالي | وهاشم من له عز ومجد |
وبعدهما العلي وليس عندي | لهم إن عدت الأفراد ند |
أنطلب سقي تربته وكنا | إذا بخل الغمام إليه نعدو |
فلا زالت ملثات الغوادي | تروح على ضريحك ثم تغدو |
وقال السيد مصطفي نور الدين:
لغير اليوم تدخر الدموع | وقد منع الهجوع فلا هجوع |
وفيه قد قضى حسن فأمست | بلاقع مذ قضى هذي الربوع |
وباتت بعده مقل المعالي | مؤرقة وأدمعها نجيع |
وأركان الشريعة قد تداعت | وما عمادها السامي الرفيع |
وغابت شمسها في بطن لحد | فهل بعد الغياب لها طلوع |
مضى من كان في الدنيا منارا | وجو بنائه غيث مربع |
مضى عنا وغادرنا بحزن | وقد طويت على الجمر الضلوع |
أبعد ابن الأمين لها كفيل | وبان ثمالها وذوى الربيع |
إذا عض الزمان بنيه يوما | إليه بفزع العاني المروع |
أو احتشدت بساحته خصوم | فلا مال يفيد ولا شفيع |
يجاهر بالحقيقة لا يبالي | فيرضي الله لو سخط الجميع |
فلا ينفك يهمي في ثراه | من الغفران هتان هموع |
وقال السيد حسين نور الدين:
عثر الحمام بحجة الإسلام | سبط الرسول فكل قلب دام |
عثر الحمام فلا لعا من عاثر | بدعامة الشرف الرفيع السامي |
متخطيا آجام آساد الحمى | هذي لعمري غاية الإقدام |
فرمى به قلب الرسول فليته | أخطا ولم يخطى فؤاد الرامي |
فلقد فرى قلب الشريعة والهدى | وأتى على بحر العلوم الطامي |
يا راحلا عنا بكل فضيلة | ومخلفا حزنا مدى الأعوام |
لو كنت تفدى بالنفوس من الردى | لفدتك منا نفس كل همام |
إنا فقدنا فيك أعظم سيد | وأجل من يمشي على الأقدام |
قسما بمجدك وهي أعظم حلفة | ما ذقت بعدك لذة بمنام |
دمعي شرابي مذ نأيت عن الحمى | وتأوهي حزنا عليك طعامي |
لله يومك ما أمض فليتني | ما كنت أو ما كان في الأيام |
وأروك شمس هداية وتراجعوا | يتخبطون ولا حين ظلام |
يتألمون بأدمع محمرة | ما للسماء تجلببت بقتام |
لغة الجميع مدامع وإشارة | لم يلف فيهم ناطق بكلام |
من بعده للمشكلات يحلها | من للفتاوى الغر والأحكام |
من للأيامى واليتامى بعدما | ذهب الزمان بكافل الأيتام |
كانت ينابيع الندى راحاته | وهباته تقضي على الإعدام |
عرفت يداه بالسخاء ولم تكن | مجهولة في النقض والإبرام |
قد كان يحيي ليله متبتلا | لله خشية عثرة بأثام |
حتى إذا طلع الصباح تزاحمت | في بابه الوفاد أي زحام |
هطلت كجود يديه في يوم الندى | سحب غزار في ثراه هوام |
وقال السيد محمد نجيب فضل الله الحسني:
دمعة الثاكل في أجفانه | رعفة القلب وذوب الحدق |
ما دها هاشم حتى صدعت | صدعة في مجدها لم ترتق |
أي نفس حرة حاز الردى | ممنعا في فتكه لم يشفق |
أخذ السجاد من محرابه | فخبا نور الصلاح المشرق |
لم يمت من كان فينا خالدا | ذكره في مغرب أو مشرق |
أدب جم وعلم زاخر | وندى غمر مخيف الغرق |
يا بني عمرو العلى أنتم بها | حين سوبقتم كرام السبق |
بيتكم أول بيت قد حوى | أفضل الخلق وأعلى الخلق |
لكم حسن العزا عن حسن | وجميل الصبر بالباقي التقي |
فهما بدران بدر قد خبا | نوره الزاهي وبدر قد بقي |
محسن العلم ومصباح الهدى | والإمام ابن الإمام المطلق |
هو للعرب والعجم غدا | قدوة يهدي لأهدي الطرق |
وقال الشيخ محمد خاتون:
فل الحديد فقلت وا | عجباه ما فل الحديد |
والليث صيد فقلت وا | ويلاه كيف الليث صيد |
قالوا قضى العلم الصحيـ | ـح أجبت والرأي السديد |
قالوا التقى فأجبت لا | كن لم يمت ذكر حميد |
دمعت له عين البتو | ل وجاه السبط الشهيد |
حمدا الفعال وأومآ | للخلد ذا قصر مشيد |
قالا لمثلك مثله | والله يفعل ما يريد |
ما السعد في طول البقا | بل خالد الذكر السعيد |
أو عاقل يرضى الحيا | ة بذي الدنا رهن القيود |
إني لأرثي مفردا | أجداده فوق الجدود |
فهم إذا ذكر الندى | أرباب مكرمة وجود |
لم يذكر الناس الحجى | إلا وهم بيت القصيد |
لما قضى غنى الضلال | وطاب للبطل النشيد |
فعلا صراخ الحق أن | خفف فما هذا يفيد |
إذ في العرين غضنفر | تقويض ما تبغي يجيد |
وبه الشبول وعزمها | قد صبا من صافي الحديد |
وقال الشيخ إبراهيم بري من قصيدة:
خلستك أنياب المنو | ن وأنت في عصر المشيب |
ورمت جبينك بالشحوب | فآه من ذاك الشحوب |
داء به عز الدواء | وضاع إدراك الطبيب |
إن تنأ عن مرأى العيو | ن فأنت في مهج القلوب |
ربيت في حجر التقى | أعظم بذلك من ربيب |
فشربت إكسير الطها | رة والعفاف مع الحليب |
ووراء نعشك قد مشى الـ | ـأقوام في جمع مهيب |
جاءوا لتشييع الحمى | والعلم والأدب الخصيب |
في شخص من قد حاز من | علم الورى أو في نصيب |
يهدي إلى النهج القويـ | ـم وللخلاص من الذنوب |
وقال الأستاذ أحمد أبو سعد:
مت هل مت أم رغبت الذهابا | من دنى لا تلوح إلا سرابا |
كنت ترجو الحياة والعيش عز | كيف تحيا والعز ولى وغابا |
شردونا وأمعنوا في أذانا | وسقونا من الردى أكوابا |
ورمونا بالحادثات فتهنا | وغدونا في أرضنا أغرابا |
مت رباه كل يوم مصاب | أفيدري الحمام من ذا أصابا |
رزأ الدين والصلاح وغال الشعـ | ـر واسيداه والآدابا |
قد نزلت الديوان والليل يضفي | فوقه من ثيابه جلبابا |
أسأل الدار أين يا دار أين الـ | ـسيد المفتدى أطال الغيابا |
غصت الدار لم ترد جوابا | فالدموع الغزار كانت جوابا |
يا عظيما في روحه وعظيما | في هداه ما أكثر الإعجابا |
نبعة هاشمية وخصال | سمقت رفعة وعزت جنابا |
يندب الشعب واحدا كان إرثا | للمعالي وكان للحق بابا |
كنت رشدا للتائهين وذخرا | للمساكين والتقى المهابا |
تعبد الله لا تريد ثوابا | في التقى إنما رضا واحتسابا |
جدك المصطفي تبارك من جد | طوى الشهب واستظل السحابا |
إنها النكبة التي تملأ الأمـ | ـة حزنا والخافقين اضطرابا |
فاسترح في ثراك إنا على إثـ | ـرك ماضون نستحث الركابا |
وقال الشيخ إبراهيم سليمان من قصيدة:
لم يمت أنه برغم المنايا | خالد الذكر دائم التمكين |
يسر الله للحياة رجالا | خلدوا في العلى برغم المنون |
كل يوم يبدو لدينا جديد | من مزاياهم كغيث هتون |
تتبدى الحياة في جانبيهم | صورا فذة ذوات فنون |
وذكاء وعفة وشعور | وسمو ورقة وحنين |
سفر حق وطود علم وحلم | أسد رابض بأسمى عرين |
تستشف النفوس من خلقك السا | مي سموا تذيعه في سكون |
تشفع القول بالفعال فتبدو | رائعا تمزج الشديد بلين |
جلل أن أرى المجالس تخلو | من سناها كالعلم بين الظنون |
لست شخصا نراه بالعين لكن | أنت ملء القلب ملء العيون |
أنت في أجمل الصفات تجلى | خالدا في سماء بيت الأمين |
وهذه القصيدة لم نعرف ناظمها:
مضى الركب ركب الدين يسرع بالوخد | تشيعه الألباب فاقدة الرشد |
تواكبه من عزة وجلالة | مواكب حفت بالجلال والمجد |
إلى خير زلفي في نعيم ظلاله | نوافح لطف من رضا الواحد الفرد |
دنا فتدلى من سرادق نعمه | أعدت لأهل الفضل والشكر والحمد |
ضريح التقى أمسيت غمدا لمرهف | من الفضل لم يفلل فبوركت من غمد |
ضريح النهى أصبحت خير خميلة | عبير هداها راح يهزأ بالورد |
ضريح الهدى أودعت أمنية المنى | بعهد به الآمال منورة العقد |
مغانيك متن في ثنايا شروحه | معان شذاها دونه أرج الند |
أبا الفضل أن الأرض بعض هباءة | بعاصفة هوجاء جياشة الحقد |
وليس بها رغد وليس بها هنا | وهل بهباء من هناء ومن رغد |
لئن تك جثمانا حجبت إلى مدى | فنفسك لم تحجب عن الخير والرشد |
وإن تك قد غيبت في قيد أذرع | فليس لأفق النفس عندك من حد |
ولست بمغبون ولا أنت واجد | ولم تك تجني من هداك سوى الجهد |
أمانيك ما فاتت قصاراك مرة | ولم تك يوما بالمنى زائف الزهد |
فيا خلقا من دونه رقة الصبا | ويا عزمة من دونها مرهف الحد |
فقدناك فقد الزهر طيب عرفه | فقدناك فقد الفقر رفد أول الرفد |
مضيت بعهد شؤمه عم يعربا | فأبئس بعهد فيه قوضت من عهد |
به أصبحت أسد العرين ثعالبا | وقد ظفرت فيه الثعالب بالأسد |
أولي الفضل والبيت الأمين على الهدى | رزيتكم جلت بفقد أبي الرشد |
ومن حقكم أن تجزعوا أن وقعها | يكاد يذيبه الصلد لو كان بالصلد |
وليس عجيبا أن تخف حلومكم | وإن تك أرسى من يثرب ومن أحد |
أجل إن ركب المجتبى بات ضاربا | قبابا تعالت بالرفيق من الخلد |
تلقاه أصحاب اليمين بغبطة | كغبطة صب من حبيب على وعد |
وقال السيد نور الدين الإيراني مؤرخا عام وفاته:
قضى حجة الإسلام من بعدما قضى | بنشر الهدى حق الفرائض والسنن |
حكيما كريم الخلق أرخ وهاديا | أمينا على وحي الهدى قوض الحسن |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 283