خليل بن عاشور خليل بن أحمد عاشور الشافعي النابلسي الشيخ الفاضل الفقيه ولد في سنة احدى عشرة ومائة وألف وحفظ القرآن في صغره ورحل لمصر القاهرة وجأور وقرأ على الشيخ مصطفى العزيزي والشيخ عبده الريوي وحصل له الفتوح بالفقه فلا يكاد يجاري فيه وجر أذيال المفاخر على ذويه مع وقوف تام على بقية علوم المادة ولما عاد تولى الافتاء والتدريس وتصدر للافادة ولم يستنكف من الاستفادة وأخذ طريق الخلوتية عن الاستاذ الشيخ السيد مصطفى الصديقي الدمشقي وأثنى عليه هو وأنتفع عليه جملة من الطلبة ولم يزل على حالته الحسنة إلى أن مات وكأنت وفاته في سنة خمس وخمسين ومائة وألف ورثاه بعض تلامذته مؤرخا وفاته بقوله
أدم من جفون الحزن دمعك ذارفا | على فقد مفضال دهانا فناؤه |
خليل بن عاشور الفقيه امامنا | ومن بالامام الشافعي اقتداؤه |
لقد زج في نور الاله وحزبه | أفاح عبير الندمسكان شذؤه |
ولما شممت العرف أرخت طيبه | هنيأ بفردوس الخلود جلاؤه |
سقاها وان لم يطف حر غليلي | ملث الحيا من أربع وطلول |
وحاك لها كف الثريا مطارفا | تسدي بأيدي شمأل وقبول |
لئن حال رسم الدار عما عهدته | فعهد الهوى في الدار غير محيل |
اذ لدار من لمياء غير طروحة | وشعب اللقا لم ينصدع برحيل |
خليلي قد هاج الغرام وشاقني | سنا بارق بالرقمتين كليل |
يلوح خفي الومض حتى كأنه | تكلف بشر في جبين تخيل |
فميلا بأعناق المطي لعلها | تقيل بظل في الاراك ظليل |
فدون الكثيب الفرد بيض عقائل | لعبن بأهواء لنا وعقول |
وفي الكلة الحمراء بيضاء أصبحت | أسيرة حسن في قيود حجول |
من البابليات العيون كأنما | تدير لنا باللحظ كأس شمول |
محجبة يحمون ورد رضابها | بسمر رماح أو ببيض نصول |
لها فتكات الأسد في كل مهجة | وطرف مهاة بالصريم خذول |
عدت مقلتي فاحمر منها مدامع | بخد لها مثل الشقيق أسيل |
إذا قلت قد انحلت جسمي صبابة | تقول وهل صب بغير نحول |
وحتى م استشفى بسقم جفونها | وهل في عليل من شفا لعليل |
وليلة ودعت الرقاد مسامرا | شجوني كما شاء الهوى ونحولي |
طرقت حمى لمياء والنسر في الدجى | صليب لجين في مسوح أبيل |
ولا بد من خوض الفتى دون حبها | مدامع صب أو دماء قتيل |
فما أنا بالناسي الحياة مقالها | وقد راعها للخدر وشك دخولي |
أعنترة العبسي أنت فلم ترع | باسد الشرى من اسرتي وقبيلي |
فقلت لها ما خفت مذانا عاشق | طعان رماح أو نزال رعيل |
ولا هبت صرف الدهر مذانا منتم | إلى ركن عز من جناب خليل |
أخي الرتبة القعساء والأروع الذي | يحدث جيلا عن علاه لجيل |
فذاك الفتى لا جوده بممنع | ولا جاره في ظله بذليل |
غنى عن الايضاح أصلا ونسبة | وهل أحوجت شمس الضحى لدليل |
سما بمعال سار في الأرض ذكرها | وفخر على هام الزمان أثيل |
ورأى كصدر السمهري مثقف | وعزم كمتن المشرقي صقيل |
غدا مغرما بالمكرمات فلم يطع | بها قول واش أو ملام عذول |
وكم كحلت من مهرها مقلة العلى | مرأود أقلام لديه مثول |
تكاد ترى خضرا إذا هو مسها | بغيث ندى من اصبعيه همول |
أنجل رفيق الغار بل سبط أحمد | وأكرم فرع ينتمي لأصول |
تهن بفتوى بل فتاه مهرتها | نصيحة اسلام وحسن قبول |
ببابك قد حلت فحليت جيدها | وجرت بفضل منك فضل ذيول |
وأنت الفتى مذ كان منك اشتقاقها | فعادت لأصل في الكمال أصيل |
فدمت تنال النجم عزا وسؤددا | بباع على طول الزمان طويل |
تلوذ بك الراجون هديا ونائلا | ويغشى حماك الرحب كل نبيل |
وغفرا لعبد زلة من قصوره | بموقف مدح بالفحول ذليل |
على أنني للكرد والشعر فيهم | أقل وجودا من وفاء مطول |
ولكن معانيك البديعة صيرت | إلى المكن بل للعجم أفصح قيل |
وبقيت وطرف النجم يا من سموته | لذاتك لما يكتحل بمثيل |
مدى الدهر ما ورقاء غنت بروضة | وسارت بنص في الفلا وذميل |
أي دمع لا يسح=وشبح في الحب يصحو | من ملام فتت الاح |
شاء والشوق ملح=كيف أصحو من غرام | فيه للعشاق نحج |
يا عذولي دع ملامي=فدوام اللوم قبح | ان قلبي فيه من نار الجوى قدح ولفح |
يا نداماى وهل للـ=ـدهر بعد البين صفح | ان قلبي طير شوق |
دابه نوح وصدح=بعت روحي منه في سو | ق الهوى والسقم ربح |
ولسلواني باب=ماله بالعدل فتح | يا حبيبي صل معنى |
من هيام ليس يصحو=وترفق بفؤاد | فيه من قدك رمح |
ودع الهجر فقلبي=آن أن يثنيه مدح | لرسول جاء بالان |
وار ليل الشك يمحو=منقذ الناس إذا ما | هالهم في الحشر رشح |
سيد الكونين من ذكـ=ـراه لي طيب ونفح | واسع الصدرا إذا ضاق بأهل الأرض فسح |
وبه الأكدار زلت | حين مس القوم قرح |
وبه الآفاق ضاءت=وانجلى للكون جنح | وهو غوث وغياث |
وبه السقم يصح=وله القدح المعلى | ويداه لا تشح |
مدحه فرض ولكن=ليس يحصى ذاك شرح | يا نبي الله يا من |
أنت للراجين نحج=عجل البرء لداع | دمعه بالبين سفح |
فعسى تشفي عليلا=شقه ضعف وكدح | حيث لي فيكم وفي الصد |
ديق أنساب تصح=فعليك الله صلى | ما غدا للطرف لمح |
وعلى آل وصحب=من لهم في الدين نصح | سيما الصديق من مد |
حي له كسب وربح=وعلى الفاروق من أيـ | ـديه بالخير تسح |
وعلى عثمان من زيـ=ـن به للدين قدح | وعلى الكرار من تم |
به للآل مدح=أمد الدهر دواما | ما بدا في الأفق صبح |
سمح الدهر باغتنام ليال | طاب فيها السرور بالندمان |
فاجتنينا ثمار دوح وصال | واقتطفنا أزهار روض الأماني |
وسمعنا صوت الأناشيد تتلى | ببديع الغناء والالحان |
وشممنا عبيرود صحاب | كل شهم سما على كيوان |
سيما الصادق الحبيب ومن قد | بهر الناس فضله كل آن |
شمس أفق الكمال بدر سماء الـ | ـفضل والعلم قدوة الأعيان |
وكذا الكامل الشريف خدين الـ | ـمجد والسعد مصطفى الاخوان |
فخر أهل الآداب انسان عين الـ | ـعلم أنعم بذلك الانسان |
والمفدى الفريد عاصم رأى | من تسامى بنوره النيران |
ثم فتح الزمان قرة عيني | ووحيد الأوان والخلان |
فهما في سما السعود كنجمين | ينبران أو هما بدران |
وسعيد شقيق روحي وخلي | فهو لا شك زهر روض المعاني |
فتراه كالمسك يهدي عبيرا | أو كبحر أضاء بالعقيان |
ثم ذخري محمد وملاذي | كنز بحر العلوم والتبيان |
وهو خدن الكمال غيث سحاب الـ | ـفضل والجود زائد العرفان |
وشريف الخصال سعدي وفخري | عقد جيد الفهوم والاتقان |
فكره ثاقب كصبح تبدي | فيريك الخفي مثل العيان |
وكذاك الوحيد أسعد صحب | ليس تلقى للطفه من يداني |
قد تباهت به الفضائل فخرا | فهو لا بدع سعد هذا الزمان |
والزهيري أحمد المقوم من حا | ز فخارا يسمو على الأقران |
سيد ساد قدره وتسامى | نسبة في الورى إلى العدناني |
يا سقي عهدهم بمربع أنس | حيث كنا من الردى في أمان |
وأدام المهيمن الحق فيهم | كل بيت مشيد الأركان |
وحباهم مراتب الغر والسعد | دواما ونيل كل تهاني |
ما نعمنا بمجمع الشمل منهم | وحظينا من قربهم بالأماني |
درر القطر في طلي الأفنان | نظمت أم قلائد العقيان |
أم أسارير غرة قد تجلت | تحت ديجور فاحم فينان |
أم سطور من البلاغة جرت | ذيل آياتها على سحبان |
وأدارت على المسامع منا | كاس فضل متوج ببيان |
يالها أسطر حبست عليها | جمر فكري وناظري ولساني |
فنظمت المديح منها عقودا | لوحيد الكمال والعرفان |
من حوى في ذرى العلاء محلا | وقفت دون منتهاه الأماني |
وارتقى في معارج الفضل حتى | قد غدا منه في أعز مكان |
فاق في نثره البديع كما قد | تاه في نظمه على حسان |
فهو البارع الذي حاز فضلا | قصب السبق يوم عقد الرهان |
واغتدى الغر في حماه وضحى | يتحامى سطاه ريب الزمان |
يا وحيدا به المفاخر تهفو | هدب أعلامها على كيوان |
هاك مني خريدة أبدعتها | فكرة تملأ الطروس معاني |
وابق في دوحة السرور بعز | يتوالى بالبر والاحسان |
ما تبدت عقودك الغر تحكي | درر القطر في طلى الأفنان |
وافت عروسة فكر تزدهي شرفا | في حلة الحسن تهدي فرط احسان |
جواهر قلدت جيد الزمان وقد | فاقت فصاحة قس ثم سحبان |
عقودها حيرت سمعي ومذ ظهرت | خلنا اللآلئ في أسلاك عقيان |
لله در فريد ناظم دررا | تزري بنظم فصيح العرب حسان |
فهو الهمام البليغ الشهم من بهرت | منه الكمالات في علم واتقان |
لساسانه سايح في بحر فكرته | فينظم الشعر من در ومرجان |
آدابه روضة والفضل رونقها | ولفظه زهر يبدو كتيجان |
فيا وحيدا لقد فاق الأنام علا | ونال مجدا أثيلا جل عن ثاني |
اليك غيداء قد أهديت غانية | تسبي الأنام بقد ماس كالبان |
فأسبل عليها رداء الستر منك كما | يعفو الكريم بلا من عن الجاني |
وأسلم بعز وريف ما الرياض زهت | برونق الزهر من ورد وريحان |
سلافة الفضل في أقداح عرفان | دارت علينا بها آيات حسان |
حلت بماء بلاغات وقد عقدت | تاج الفصاحة مشمولا باتقان |
ألقت على السمع نورا من أشعتها | فهز فكري به أعطاف نشوان |
ونافحت مهجة لا الورد يعطفها | عنها ولا نسمات الشبخ والبان |
فبت أنظم من شمائلها | بدائعا ما احتواها فكر سحبان |
لمن أعار الربا أنار شيمته | فرأوحت بشذا رند وريحان |
مولى كأن الأماني غرس راحته | حتى غدا من رباها القاطف الجاني |
من لم يدع لصروف الدهر غير يد | شلا بهمته عن قرع انسان |
يا واحدا لم يزل ووض الكمال به | معللا بندا من واحسان |
اليك عذارا في أثواب تهنية | بخير عام حليف اليمن جذلان |
ودم بأسنى المعالي ما أدرت لنا | سلافة الفضل في أقداح عرفان |
يوم أغر وليلة غراء | نعم الصباح وحبذا الامساء |
أحبب به يوما تلته ليلة | حسدت سنا اشراقها الأضواء |
بتنا وعين الحظ يقطى لم تنم | والدهر ملء جفونه اغفاء |
والشمل مجتمع بصحب نظموا | عقدا عليه بهجة وبهاء |
وخليل وسطى العقد كنز المجد في | جيد الزمان يتيمة عصما |
فخر الأكارم من بني الصديد من | فاقت به آباءها الابناء |
البارع الندب المجيد بدائعا | تنمو فليس يحدها الاحصاء |
سحر البلاغة في فصاحة لفظه | سحبان عند بيانه فافاء |
في الطرس ينثر من عقود أوشكت | تهوي لتلقط درها الجوزاء |
ملك الكمال كساه برد وقاره | ان الملوك لها الوقار كساء |
يقظ الجنان ولوذعي الفكر لم | تسبق بوادي رأيه الآراء |
ينبي بأعقاب الأمور كأنما | تبدي حقائقها له الأشياء |
رقت شمائله كما بكرت على الـ | ـروض الشمال تبلها الانداء |
لو جاء في العصر القديم لانبا | بعظم أخلاق له الانباء |
مولاي يا بن أجل من وطئ الثرى | بعد النبي وحسبك العلياء |
خذها خريدة خدر فكرا قلت | تسعى اليك وحليها اسحياء |
والعفو عن تأخير مدحك مهرها | وبمهرها تستملك الحسناء |
فامنن وقابل بالقبول قصورها | عن بعض وصفك تعجز البلغاء |
واسلم ودام ما رأوحتك وباكرت | تتلى عليك مدائح وثناء |
بدر الفصاحة لاح منه ضيآ | أم زهر طرس أفقها الآراء |
أم تلك أنوار بدت من غادة | سكرت بنشر حديثها الندماء |
مياسة الأعطاف يخجل حسنها | بدر السماء وهكذا الحسناء |
فتانة الألحاظ ملء جفونها | غمز بها لقتالنا ايماء |
فجبينها اللاهي وطرة شعرها | تعم الصباح وحبذا الامساء |
أم زهر روض الفضل فتح نوره | فتارجت بشميمه الأدباء |
أم هذه الأقمار من فلك العلى | ضاءت بها الأكوان والأرجاء |
بل هذه آيات سحر بلاغة | من سيد دأنت له الفصحاء |
الماجد الفرد الذي أخلاقه | لطف النسيم بها ورق الماء |
مولى أعار أولى الفضائل برده | فتمسكت بذيوله البلغاء |
ذو نسبة لا الزهر في اشراقها | كلا ولا الأنوار والأضواء |
كم قد شهدنا من بدائع لفظه | دررا تضئ بحسنها الجوزاء |
يختال في حلل العلوم كأنما | هزت معاطف فضله صهباء |
فهو الذي اتخذ الكمال سجية | وعلت بطيب أصله العلياء |
وهو ابن خير المرسلين المصطفى | من أشرقت بجبينه الظلماء |
يا أيها المولى الذي أفكاره | سجدت لعقد نظامها الشعراء |
خذ بنت فكر بالحياء توشحت | ان الغواني طبعهن حياء |
وأسبل عليها ثوب عفوك انما | يعفو ويسمح سادة كرماء |
لا زلت في عز مدا الأزمان ما | أهدى لذاتك يا مليك ثناء |
لقد قال الحبيب وقد رآني | أردد في محاسنه عيوني |
إلى كم أنت تولع بالتصأبي | ألم تحفظ فؤادك من جفوني |
فقلت وقد أصابتني سهام | أذاقت مهجتي كاس المنون |
فكيف أرد طرفي عن محيا | به أجلو صدى قلبي الحزين |
من لي بطرف سقيم قد كسى بدني | ثوبا من السقم لما زدته نظرا |
يومي بقتلي بأهداب الجفون لذا | غدا فؤادي لوقع السهم منتظرا |
وراشق لم يطش سهم لمقلته | ولم أكن عن هواه قط منصرفا |
فكلما فوقت سهما عرضت له | كيلا يكون سوى قلبي له هدفا |
ريم تصدى للرماية طرفه | بعض القلوب ولا جناح عليه |
فإذا رمت سهما إلى جفونه | جاراه قلبي بالمسير إليه |
عاتبت من أهوى فأطرق مغضبا | والبدر يبدو من عرى ازراره |
فأردت هصر منه عساه ان | يلوى على فضاع من زناره |
رقت معاقد خصره فكأنها | المعنى الخفي يجول في أفكاره |
لا تعجبوا من بلا غلالته | قد زرا زراره على القمر |
قبلته ليلا فألوى جيده | فنظرت فوق العاج منه عنبرا |
فسألته ماذا فقال لي اتئد | هذا سواد اللحظ فيه أثرا |
نام الحبيب بلا ضوء يؤانسه | والورد في خده باد تفتحه |
فرام أيقاظه بالضوء خادمه | فقلت أخشى خيال الهدب يجرحه |
ومريض الجفون أصبح يمشي | فوق جفني القريح بالتعظيم |
لست أدري أذاك سرعة خطو | منه تبدي أم ذاك مر النسيم |
من لي بظبي نحيل الخصر قامته | تزري بسمر القنا بالميل والغيد |
جفون عينيه سهم الحتف قد رشقت | عن حاجبيه فسل الروح عن جسدي |
غزال انس كبدر تم | تزيد نورا به العيون |
بديع حسن يتيه عجبا | فكل حسن لديه دون |
لو تابع الخطو فوق هدب | لما أحست به الجفون |
ومذ شمنا سواد اللحظ يدعو | لشرب مدامة منه تدار |
وقام صباح ذاك الجيد يومي | لتقبيل وشط بنا المزار |
أشار الخد بالثاني ونادى | كلام الليل يمحوه النهار |
توعدنا سواد الطرف منه | بقتل مالنا منه فرار |
فقال بياض ذاك الخد منه | كلام الليل يمحوه النهار |
جمعنا قهوتي بن وكرم | لنعلم من له ثبت الفخار |
فقالت قهوة البن اشربوني | متى شئتم فبي نسي العقار |
فأنشد ضاحكا كأس الحميا | كلام الليل يمحوه النهار |
بدا ليل العذار فلمت قلبي | وقلت سلوت اذ طلع العذار |
فأشرق صبح غرته ينادي | كلام الليل يمحوه النهار |
لقد وعدت زيارتنا سليمى | وقد قل التصبر والقرار |
فواخت بعد حين وهي سكرى | ترنحها الشبية والوقار |
فريعت من تبلج صبح شيبي | وقالت لا أزور ولا أزار |
فقلت لها وكم تعدين صبا | كئيبا قد براه الأنتظار |
فغضت طرفها عني وقالت | كلام الليل يمحوه النهار |
اتسلوها وقلبك مستطار | وقد منع القرار فلا قرار |
وقد تركتك صبا مستهاما | فتاة لا تزور ولا تزار |
إذا ما زرتها وعدت وقالت | كلام الليل يمحوه النهار |
أما والله لو تجدين وجدي=لما وسعتك في بغداد دار | أما يكفيك ان العين عبري |
وفي الاحشاء من ذكراك نار=تبسم ضاحكا من غير ضحك | كلام الليل يمحوه النهار |
وليلة أقبلت في القصر سكرى | ولكن زين السكر الوقار |
وقد سقط الردا عن منكبيها | من التخميش وانحل الأزار |
وهز الريح أرداقا ثقالا | وغصنا فيه رمان صغار |
فقلت ها عديني منك وعدا | فقالت في غد منك المزار |
ولما جئت مقتضيا أجابت | كلام الليل يمحوه النهار |
هذا الشقيق يروق منظر حسنه | في وسط روض بالجمال أنيق |
يحكي زنود زمرد من غادة | تهدي إلى الندمان كأس عقيق |
جام تكون من عقيق أحمر | ملئت دوائر بمسك اذفر |
خلط الربيع قوامه فأقامه | بين الرياض على قضيب أخضر |
وصنع شقائق النعمان يحكي | يواقيتا نظمن على اقتران |
وأجيانا نشبهها خدودا | كساها الراح ثوبا ارجواني |
شقائق مثل أقداح ملاء | وخشخاش كفارغة القناني |
ولما غازلتنا الريح خلنا | بها جيشي وغى يتقاتلان |
تصوغ لنا أيدي الربيع حدائقا | كعقد عقيق بين سمط لآلي |
وفيهن أنوار الشقائق قد حكت | خدود عذاري نقطت بغوالي |
انظر إلى الزرع وحاماته | تحكي وقد ماست أمام الرياح |
كتيبة خضراء مهرومة | شقائق النعمان فيها جراح |
كأنما الخشخاش في روضه | اذ لاح مبيضا ومحمرا |
كاسات در بعضها فارغ | والبعض منها قد ملى تبرا |
وزهر خشخاش بدا أحمرا | كأنه في رونق وابتهاج |
أقداح بلور وقد أترعت | من خمرة لم تختلط بالمزاج |
وخشخاش كأنا منه تعرى | قميص زبرجد عن جسم در |
كأقداح من البلور صيغت | بأغشية من الديباج خضر |
ولما بدا الخشخاش في الروض مزهرا | وقد نظرت شزرا إليه الخلائق |
حكى قلعة أبراجها مستديرة | مشرفة دارت عليها الصناجق |
خليلي اني لست أرضى بذلة | إذا ما دعا داعي المعالي لرفعة |
ولست بغير العزا سعي لرتبة | ولا أقبل الدنيا جميعا بمنة |
وأنفق في العلياء روحي جملة | والارتضى الا الصدور محلة |
وأبذل في نيل المفاخر همة | وأعشق كحلاء المدامع خلقة |
نظرت إلى المراة وأنت شمس | فكنت إذا نظرت لها مراتا |
وقد أكسبت صفحتها شعاعا | فأحرقت القلوب لها التفاتا |
وكأنما ورد الرياض تميله | أيدي النسائم بكرة وأصيلا |
وجنات غلمان حسان أقبلت | لتروم من أمثالها تقبيلا |
سبقت اليك من الحدائق وردد | وأتتك قبل أوانها تطفيلا |
طمعت بلثمك اذراتك فجعمت | فمها اليك كطالب تقبيلا |
دوح روض تميس فيه غصون | فتحاكى مهفهفات القدود |
زهرها فوق ما تفتح منها | كشفاه ضمت للثم الخدود |
ورد تفتح ثم انضم منطبقا | كما تجمعت الأفواه للقبل |
ووردة تحكي أمام الورد | طليعة سابقه للجند |
قد ضمها في الغصن قوس البرد | ضم فم لقبلة من بعد |
أرى الورد عند الصبح قد ضم لي فما | يشر إلى التقبيل في ساعة اللمس |
وبعد زوال الصبح ألقاه وجنة | وقد أثرت في وسطها قبلة الشمس |
هزا البنفسج قد زها=في روضه الباهي المزار | وعلته أوراق له |
مثل انزبرجد في اخضرار=فكأنه أثار لثـ | ـم تحت حاشية العذار |
بنفسج يانع زكي | يزهو على حسن كل ورد |
كأنه عند ناظريه | أثار قرص بصحن خد |
وقد لاح في الزهر البنفسج مائلا | ترنحه القضب الضعاف الذوابل |
كآثار لطم في خدود ثواكل | مهتكة قد أحرقتها الأنامل |
جاء البنفسج فاشرب كل صافية | والزم مقالة أصحاب المقاييس |
كأنه حين وافاك الربيع به | منضد من أكاليل الطوأويس |
كأن البنفسج مع ما حوى | من الطيب أنفاسك المشرقة |
يلوح فتحسب أوراقه | فصوصا من الفضة المحرقة |
وبنفسج غض القطاف كأنما | نثرت عليه محاسن المازينج |
لا شيء يحكي غير زرقة أثمد | أو دمعة قطرت على فيروزج |
ولا زورديه تزهو بزرقتها | بين الرياض على زرق اليواقيت |
كأنها فوق قامات ضعفن بها | أوائل النار في أطراف كبريت |
وكأنما نهر الربا لما ازدهت | في صفحتيه من الغصون ظلال |
وجه تدلى فوق باهر حسنه | من فرعه في عارضيه خيال |
تأمل في صفاء النهر وانظر | رقيق الظل من تلك العروش |
كمعصم غادة هيفاء لاحت | على طرفيه آثار النقوش |
وحديقة ينساب فيها جدول | طرفي برونق حسنه مدهوش |
يبد وظلال غصونها في مائة | فكأنما هو معصم منقوش |
لما تبدى النهر عند عشية | والروض يخضع للصبا والشمأل |
عاينته مثل الحسام وظله | يحكي الصدى ولريح مثل الصيقل |
دار البشائر الإسلامية / دار ابن حزم-ط 3( 1988) , ج: 2- ص: 83