التصنيفات

خليل بن عاشور خليل بن أحمد عاشور الشافعي النابلسي الشيخ الفاضل الفقيه ولد في سنة احدى عشرة ومائة وألف وحفظ القرآن في صغره ورحل لمصر القاهرة وجأور وقرأ على الشيخ مصطفى العزيزي والشيخ عبده الريوي وحصل له الفتوح بالفقه فلا يكاد يجاري فيه وجر أذيال المفاخر على ذويه مع وقوف تام على بقية علوم المادة ولما عاد تولى الافتاء والتدريس وتصدر للافادة ولم يستنكف من الاستفادة وأخذ طريق الخلوتية عن الاستاذ الشيخ السيد مصطفى الصديقي الدمشقي وأثنى عليه هو وأنتفع عليه جملة من الطلبة ولم يزل على حالته الحسنة إلى أن مات وكأنت وفاته في سنة خمس وخمسين ومائة وألف ورثاه بعض تلامذته مؤرخا وفاته بقوله

خليل الصديقي
خليل بن أسعد بن أحمد بن كمال الدين الصديقي الدمشقي نزيل قسطنطينية الحنفي قاضي القضاة الصد الجسور المقداد الألمعي كان من أفراد الزمان فقيها عالما فاضلا أديبا بارعا نبيها حاذقا عارفا فطنا ذيقا ذهن وقاد وهمة دونها الثريا وطلاقة لم تدع لقاتل مجالا مع النطق الحسن حيث إذا تكلم تعشق الآذان لسماع نوادره وطلاقته وله النظم والنثر البديعان ولد بدمشق في سنة ثمان وتسعين وألف ونشأ بها في كنف والده وتنبل وحضر الدروس وقرأ على جماعة في العلوم والأدب وتخرج على يد الشيخ محمد بن إبراهيم الدكدكجي وأخذ عن الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وقرأ عليه وكذلك على الشيخ عبد الجليل ابن أبي المواهب الحنبلي وأنتفع به وعلى والده والشيخ عثمان بن محمود القطان وعلى الشيخ علي الشمعة والشيخ عبد الرحمن المجلد والشيخ محمد الكاملي وتفوق ومهر بالعلوم وجالس الأفاضل والأدبا وازدان به وجه الزمان وظهرت عليه علامات الرشد والفلاح ثم لما قدم جده قاضيا إلى مكة كما أسلفنا ذكر ذلك في ترجمته اصطحبه معه للحج مع والده وأقاربه وكان جده يرى فيه الرشد ويوصي والده به ثم لم يزل مستضيا ظلال نعم والده متنعما في بلهنية العيش الهنية إلى أن مات والده فارتحل بعده إلى اسلامبول في زمن الوزير رجب باشا ثم انه عاد إلى دمشق واستقام بها ففي أثناء استقامته توفي مفتي الحنفية بدمشق المولى الهمام محمد بن إبراهيم العمادي وذلك في سنة خمس وثلاثين ومائة وألف فانعقد الاجماع من أهالي دمشق على أن يصيروا مفتيا الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي فذهبوا لعنده وأبرموا عليه في ذلك فلم يرتضي وأبى فلم يزل يلحون عليه ويبرمون جميعهم إلى أن قبلها فكتبوا العروض للدولة العلية بذلك وصار الاستاذ النابلسي يكتب على الاسئلة الفقيهة فما استقام الخبر الا وجاءت الأخبار بورود الفتيا لصاحب الترجمة ثم انه ندم على فعله مع الشيخ النابلسي في ذلك لكونهم محبتهم معه قديمة وكان الاستاذ مرة فدا والد المترجم بعينه لأمر أوقع فيه بالهلاك وصار الاستاذ بعين واحدة إلى أن مات ثم لما كان مفتيا باشر بالهمة العلية وكأنت في تلك الأوقات دمشق الشام مشحونة بالظلم والعدوان وواليها الوزير عثمان باشا الشهير بأبي طوق فلما وجهت حكومة دمشق إلى الوزير إسماعيل باشا ابن العظم اصطلحت الفتن وكان المترجم الساعي في هذه الحيرية وتمهيد الفساد وقتل أربعة أنفار من المعلومين منهم صالح بن سليمان شيخ الأرض والصوباشي واهينت العوانية الذين تمردوا في زمن أبي طوق وخلت دمشق من الفساد ونظمت محاسنها بعدما كأنت منتشرة ثم ان المترجم ما استقام بدمشق وذهب إلى دار الخلافة قسطنطينية بالروم ثانيا واستقام بها إلى أن مات وكأنت له ملازمة في الأصل من شيخ الاسلام المولى فيض الله حسن جان زاده ولازم على طريقة قاعدة الموالي الرومية وسلك طريقهم وتنقل بالمدارس حتى وصل إلى رتبة الصحن فلما كان شيخ الاسلام المولى أبو الخير أحمد دامات زاده مفتيا بالدولة كان المترجم من المنتمين إليه فلما عزل وتولى مكانه افتاء الدولة شيخ الاسلام المولى اسحق كان المترجم بدمشق فارتحل عند وصول خبر صيرورته للروم ولما وصل بعد أيام قلائل أرسل له الأمر بقضاء طرابلس الشام وأخرجه من طريق الموالي إلى طريق الموالي الأوسط لكونه منتميا لداماد زاده وكان المولى اسحق المذكور بينه وبين داماد زاده عدأوة كلية فرجاه برفعه ووقع عليه فلم يكن إلى أن وصل إلى السليمانية فدرس بها في الهداية ثم في سنة ثمان وخمسين ومائة وألف ولي قضا القدس الشريف وقدم دمشق وارتحل للقدس ثم عاد وارتحل لقسطنطينية واستقام بها إلى سنة خمس وستين ففيها ولي قضاء دمشق وقدم اليها وامتدح عند وروده بالقصائد الغر ونقل مجلس الحكم إلى داره في قرب المارستان النوري كما فعل جده حين ولي قضاء دمشق ثم بعد مضي مدته سافر إلى الروم وتولى قضاء مكة رتبة ثم صار قاضيا في دار الملك مع رتبة قضاء عسكر اناطولي فشاع صيته وذاع إلى أن وصل خبره للسلطان الأعظم مصطفى خان رحمه الله تعالى حتى انه ألبسه في حضرته فروة من السمور وضبطها ضبطا لم يسبق إليه ولم تطل مدته بها حتى توفي وترجمه الشيخ السمان في كتابه وقال في وصفه ماجد وضعته العلياء في مفرقها اكليلا وأطلعته بدرا في أفق مشرقها واكليلا فاعتام زهر المجد اعتياما واقتعد منه سماء لم تقبل خرقا ولا التئاما بهمة تركت الأفلاك لحشدها قبيلا والنيرين وسعانها لثما وتقبيلا حتى فاز من المعالي بالقدح المعلى وازدان به جيدا الليالي وتحلى إلى تيقظ يستزل النهى ويستنزل من الأفق السهى وشهامة تأنف أن يكون الدوار لها عبدا وتستكبر ان يتخذ عندها يدا وعهدا وناهيك بمن لم يفعم أطرافه من القوى حتى على نوابغ السؤدد احتوى وعلى منصة المحامد استوى ففاق بفياقته الأول وأسرعت لطاعته الدول وتفيات بابه الفتوى وتاهت به عجبا وهوا فاستقام له أمرها ولم يطل عمرها فطلب مقر الملك ومنداه والتحف برد السرى وارتداه فحل منه بين ذراعي الأسد وجبهته وبشرت بنجح مطالبه مطالع وجهته فحيته بالداخل والخارج وعرت به في تلك المعارج حتى تأرج ثالث الحرمين بأحكامه وأريج باب الرشوة في أيامه ثم تولى من الشام القضاء ونار منهج الشريعة بوجوده وأضاء حتى أقلع عنها غمامه الساكب وسار إلى الروم مسير الكواكب ولي معه علاقة مورثه وقصايد في مدحه مبثوثه لم ينازعني فيها معنى ولا رقم ولا تلعثم بها لسان ولا قلم ولما حللت قسطنطينية أحلني حماه وأمدني برأفته ورحماه وقد سقطت منه على الخير من غور يدك له ثبير وفضل ولسن ومنطق حسن إذا تكلم لم يدع لقائل مجالا وأفحم كل منطق استرسالا وإذا أنتسب فدون سلسلة فخر المجره أو أنتهى وافت له النجوم منجره مع أدب مستودع قلائد العقيان ونظم ونثرهما سحر البيان وسأتلو عليك منهما نوادر بهز الأريب لها عطفه ويجعل نحوها البليغ التفاته وعطفه أنتهى مقاله وقد امتدحه الشيخ أحمد الكردي الدمشقي بهذه القصيدة حين ولي الافتاء بدمشق وهي أجود ما امتدح به من القصائد في ذلك الوقت ولحسنها ذكرتها برمتها وهي قوله
وكان للمترجم نظم باهي باهر ونثر زاهي فمن نظمه قوله من قصيدة نبوية مطلعها
ومنها
منها
ومن شعره الباهر يمدح ادباء دمشق بقوله
فأجابه الشيخ سعدي العمري بقوله
ثم كتب المترجم جوابا بقوله
فأجابه الشيخ سعدي العمري ثانيا بقوله
وكتب اللوذعي السيد مصطفى الصمادي للمترجم
فأجابه المترجم بقوله
وللمترجم قوله
وقوله
هو من قول إبراهيم السفرجلاني
وأحسن منه قوله أيضا
وللمترجم
هو من قول أبي العباس البغدادي من شعراء الخريدة
والبيت الأول مأخوذ من قول بعضهم
وللمترجم
وله
وله
وله
وله
وله مضمنا
وللأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي في ذلك مضمنا
ومن ذلك تضمين البديعي
ومن ذلك تضمين النواجي وأحسن
ومن ذلك تضمين الفاضل الأديب المولى إبراهيم بن عبد الرحمن العمادي الدمشقي
وأصل ذلك ما نقل ان أمير المؤمنين الرشيد هجر جارية ثم لقيها في بعض الليالي في القصر سكرى وعليها رداء خز وهي تسحب أذيالها من التيه فرأودها فقالت يا أمير المؤمنين هجرتني هذه المدة وليس لي علم بموافاتك فأنتظر حتى أتهيأ للقاك وآتيك بالغداة فلما أصبح قال للحاجب لا تدع أحدا يدخل علي وأنتظرها فلم تجئ فقام ودخل عليها وسألها انجاز الوعد فقالت يا أمير المؤمنين كلام الليل يمحوه النهار فخرج واستدعى من بالباب من الشعراء فدخل عليه الرقاشي ومصعب وأبو نؤاس فقال أجيزوا كلام الليل يمحوه النهار فقال الرقاشي
وقال مصعب
وقال أبو نواس وأجاد
فقال الرشيد قاتلك الله يا أبا نواس كأنك كنت ثالثنا وأمر لكل واحد بخمسة آلاف درهم وأمر لأبي نواس بعشرة آلاف وخلعة سنية وللمترجم في تشبيه الشقيق
وللشريف الرضي في تشبيهه
ومن ذلك قول الخالدي
ومن ذلك قول أبي الفضل الميكالي
وقال الخبز أرزي
ومن ذلك في التشبيه قول القاضي عياض
وله في تشبيه الخشخاش
من ذلك تشبيه عز الدين الموصلي حيث قال في الأحمر منه
وقال ابن وكيع
وقال آخر
وللمترجم مخمسا
#ولا أشتري عز المراتب بالذل
#لئلا أرى في عينها منة الكحل #وله في مليح ينظر في المرآه
وله في تشبيه الورد
هو من قول ابن تميم مضمنا
ومثله قول الآخر
ويضارعه قول صاعد الاندلسي
وقول الآخر
وفي هذا المعنى قول بعضهم
وللمترجم في تشبيه البنفسج
هو من قول بعضهم
وقد غيره الآخر فقال
ومن المشبهات في البنفسج قول النامي
وقال الآخر
وقال ابن الرومي
وأحسن من ذلك كله قول أبي العتاهية
وللمترجم
وللأديب سعدي العمري في ذلك
وهو من قول زين العجمي
وقول الآخر
وللمترجم غير ذلك من أحاسن الشعر والنثر وكأنت وفاته بقسطنطينية في غرة جمادي الثانية سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن خارج باب أدرنة وأولاده الذكور الذين خلفهم هم المولى اسعد والمولى عبد الله والمولى عبد الرحمن والمولى سعد الدين رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.

  • دار البشائر الإسلامية / دار ابن حزم-ط 3( 1988) , ج: 2- ص: 83