تغري برمش، سيف الدين الجلالي، الناصري ثم المؤيدي
نائب القلعة بالقاهرة، ويعرف بالفقيه.
كان يزعم أن أباه كان مسلما، وأن بعض التجار اشتراه ممن سرقه، فابتاعه منه الخواجا جلال الدين، وقدم به حلب، وتنقلت به الأحوال، وصار يخالط أرباب الدول في أمورهم، ووجه رسولا إلى الديار الرومية، وعين لغزو رودس، وحصل له من كثرة دخوله فيما لا يعنيه جفاء من السلطان، وانحراف عليه، ونفى إلى بيت المقدس، فأقام به بطالا، إلى أن مات، في ليلة الجمعة، ثالث شهر رمضان، سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وقد زاد على الخمسين.
وكان قد اعتنى بالحديث، وأخذ عن الحافظ ابن حجر، وناصر الدين الفاقوسي، والشمس ابن المصري، والزين الزركشي، وطائفة.
ولقى بالشام ابن ناصر الدين، وبحلب البرهان الحلبي، ووصفه ابن حجر بصاحبنا المحدث الفاضل، ووصفه أيضا بالحافظ.
قال السخاوي: وبالجملة، فكان فاضلا، ذاكرا لجملة من الرجال والتاريخ وأيام الناس، مشاركا في الأدب وغيره، حسن المحاضرة، حلو المذاكرة، جيد الخط، فصيحا، عارفا بفنون الفروسية، محبا في الحديث وأهله، مستكثرا من كتبه، فردا في أبناء جنسه، مع زهو وإعجاب وتعاظم. انتهى.
وقد مدحه محمد بن حسن بن علي النواجي، بقصيدة فريدة، لا بأس بإيرادها هنا بتمامها، وهي:
أياديك أم بحر يجل عن النهر | ولفظك در أم هو الكوكب الدري |
ووشي رقيم باليراع محبر | بطرسك أم نوع بديع من السحر |
وغصن يراع ما نرى أم سحابة | تسير بأرزاق البرية بل تسري |
وآراؤك الغر العلا أم كتائب | تسوق نفوس الملحدن إلى الحشر |
فيا فارس الإسلام يا سيف دولة | به قطعت أوصال داعية الكفر |
وكم قد {وينا من عواليك مسندا | بيوم نوال عن عطاء وعن بشر |
لك الله من ملك ندى جود كفه | يساجل موج البحرش بالشيم الغر |
أصابعه عشر تزيد على المدى | فلا غزو أن أغنت عن النيل في مصر |
فقم وارتشف يا صاح من فيض كفه | لتروي حديث الجود من طرق عشر |
وقل باسمه الله أعطى وأيد ال | ممالك بالفتح المبين وبالنصر |
فيا جود تغرى برمش بعفاته | ترفق لئلا تغرق الناس في بحر |
مقر كريم عالم ومحدث | فصيح بليغ فارس النظم والنثر |
محط رحال الطالبين وملجأال | عفاة وأمن الخائفين من الفقر |
فقيه إمام العصر شرقا ومغربا | سناه عشاكالصبح والشمس في الظهر |
أمير أطاع الله أمره | وراقب رب الملك في السر والجهر |
أمير يمير الناس عذب نميره | إذا ضنت السحب الهوامع بالنزر |
فكم سد من ثغر وكم شاد من علا | وكم شد من أزر وكم حط من وزر |
بأفق سماه قلعة الجبل ازدهت | فمدت جناحا فوق قادمة النسر |
وحفظا غدت ذات البروج وزينت | به من حلاه الغر بالأنجم الزهر |
بكل حديد الطرف أسمر إن رنا | إلى مقتل أصماه بالنظر الشزر |
ومن أبيض لا يعرف الصفح إنما | يقابلهم بالحد في لبة النحر |
مضاربه لا تنثني عن ضريبة | إذا راح يحكي البحر في المد والجزر |
بريش ويبري للعدى منه أسهما | وفي السلم والجدوى يريش ولا يبري |
إذا اعتقل الخطي كلم خصمه | بطول لسان في تلهبه جهري |
يريهم يقين الموت بالشك سرعة | ويستخرج الأضغان من داخل الصدر |
وإن جرد الهندي عاينت شعلة | لها شرر ترمي به الدهر كالقصر |
يجرهم للموت نون قسيه | وما خلت أن النون من أحرف الجر |
مواظبة للخمس في طوع ربها | وخدمة باريها ملازمة الوتر |
لمدركة تنمي كنانة سهمه | وعامله المياد يعزى إلى النضر |
وأسيافه مشهورة في عداته | تذيقهم بالنكر عاقبة المكر |
حماسته يوم اللقا أم تغزل | يريك افتنانا منه بالبيض والسمر |
فما اضطربت في غير قلب سيوفه | ولا اختلجت أرماحه في سوى الصدر |
فيا للسجايا البرمكية عوضت | من الكاف ش] ئا كم به نلت من فخر |
وكم حزت من أجر وأوليت من ندى | ويسرت من عسر وأنقذت من أسر |
ويا حافظ الإسلام من طعن جاهل | يصيب ويخطي في الحديث ولا يدري |
مددت يد النعما بجود قصرته | عليك لقد أبدعت في المد والقصر |
وكم لك في الهيجاء من عربية | تباهي بها الأقران في الكر والفر |
لصهوتها يا فارسي زمانه | نحوت فلم تعبأ بزيد ولا عمرو |
منكسة أعلامهم ورءوسهم | فلا غرو أن يبنى الجميع على الكسر |
وأبديت في فن الحروب معاني ال | بدع ترد العجز منهم على الصدر |
خدمت سجاياك العلا بفضيلة | يتيمة فكر نخبة الدهر والعمر |
ومن بحرك العجاج صغت قصيدة | كميت فحول الشعر من خلفها تجري |
وأرسلتها منكم إليكم هدية | ومن عجب أن تهدي الدر للبحر |
يلف حياء وجهها طيب نشرها | فيخلو طباق الحسن باللف والنشر |
فخذها عروسا بنت أربع عشرة | أتت لك تجلى في دجا النفس كالبدر |
وإن كنت قد أقلعت عن مدح غيركم | لما فيه من وزر فقد فزت بالأجر |
وفي النفس حاجات وفيك مكارم | يناجيك عن سري بها عالم السر |
ونل فوق هام الأنجم الغر رفعة | ليروي حديث الفضل منك عن الزهر |
ويا رب فاحرسه بجاه محمد | وأيده بالمامون من حادث الدهر |
دار الرفاعي - الرياض-ط 0( 1983) , ج: 1- ص: 198