التصنيفات

تغري برمش بن يوسف بن عبد الله، أبو المحاسن الزين التركماني، القاهري، الحنفي قدم القاهرة شابا، وقرأ على الجلال التباني، وغير، وداخل الأمراء الظاهرية.
وكان متعصبا لأهل مذهبه، مع محبيه لأهل الحديث، والتعصب لهم أيضا، محبا للسنة، كثير الحط على ابن العربي ونحوه، مبالغا في ذلك، بحيث صار يحرق ما يقدر عليه من كتبه، بل ربط مرة بكتاب ’’ الفصوص ’’ في ذنب كلب، ونفق بذلك سوقه عند كثير من الناس، وكسد عند آخرين، وقام عليه بسبب ذلك جماعة من أضداده، فلم يكترث بهم، ونصر عليهم، واستفتى في ذلك البلقيني وغيره من أعيان علماء المذاهب الأربعة، فأفتوه بذمه، وذم كتبه، وجواز إعدامها، وصار يعلن بذلك ويبالغ فيه، وجعله دأبه وديدنه.
وصحب جماعة من الأتراك بمصر، واستفاد بصحبتهم جاها وتعظيما عند أعيان الناس بالقاهرة وغيرها، في دولة الظاهر، وغيره، وكتب له مرسوم بإنكار المنكرات المجمع عليها، وأمر الحكام بمعونته في ذلك، فناله بهذا السبب ألسنة العوام، بل ربما أوقع بعضهم به الفعل، وكان الظفر له عليهم.
وكان أكثر إقامته بالحرمين الشريفين، وانتفع أهلها به كثيرا.
وكان قد اشتغل في بلاده، وفي القاهرة، بفنون من العلم، وكان يستحضر كثيرا من المسائل الفقهية، وغيرها، لكنه ليس بالماهر.
ورتبه السلطان المؤيد مدرسا بالجامع الذي بناه بالقلعة، وتخرج به جماعة من الجراكسة.
مات ليلة الأربعاء، مستهل المحرم، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ودفن في صبيحتها، بالمعلاة. رحمه الله تعالى.
هكذا لخصت هذه الترجمة من ’’ الضوء اللامع ’’، والذي ظهر لي من كلامه، وكلام من نقل عنه، أن صاحب الترجمة كان من خيار الناس، وأنه لم يكن فيه عيب إلا أنه يصدع بالحق، ولا يحسن مداراة الفساق، فحصل له بذلك عند أها عصره ما لا يليق من كلامهم فيه، وحطهم عليه، وحسدهم له، والله تعالى يغفر للمسيء منهم، آمين.

  • دار الرفاعي - الرياض-ط 0( 1983) , ج: 1- ص: 198

تغرى برمش بن يوسف التركمانى الحنفي:
نزيل القاهرة والحرمين، يلقب زين الدين، ويكنى أبا المحاسن.
عنى في بلاده بالعلم فيما ذكر، ثم أتى القاهرة وهو شاب، وعنى فيها بفنون من العلم، وأخذ بها عن جماعة من الأكابر، منهم: الشيخ جلال الدين التبانى الحنفي. وكان يستحضر فيما يذكره من المسائل، أو يجرى عنده فيها ذكر، ألفاظ بعض المختصرات في ذلك، ولكنه كان قليل البصارة والذكاء. وكان يستحضر كثيرا من الكلمات المنكرة الواقعة في كلام ابن عربي الصوفي وغيره من الصوفية. وكان يبالغ في ذم ابن عربي وأتباعه، وربما أعدم بعض كتبه بالمحو أو الإحراق. وربما ربط «الفصوص» منها إلى ذنب كلب فيما قيل. وكان قد سأل عن ابن عربي، وعن كتبه، شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيتى وغيره من أعيان علماء المذاهب الأربعة بالقاهرة، فأفتوه بذم ابن عربي وكتبه وجواز إعدامها، وصار يعلن ذم ابن عربي وأتباعه وكتبه، ويكرر ذلك عصرا بعد عصر.
وكان قد صحب جماعة من الترك بمصر؛ واستفاد بصحبتهم جاها وتعظيما عند أعيان الناس بالقاهرة وغيرها وقتا بعد وقت، في دولة الملك الظاهر وابنه الملك الناصر والملك المؤيد - زاده الله تأييدا ونصرا - وكتب له مرسوما يتضمن الإذن له في إنكار المنكرات المجمع عليها، وأن يعينه على ذلك الحكام.
وكان يرسل إليه في كل سنة من السنين التي جاور فيها بالحرمين، بصلة تقوم بكفايته، وجرت له على يده صدقات بالحرمين، منها صدقة من القمح في سنة سبع عشرة وثمانمائة، وصدقة من الذهب في سنة ثمانى عشرة، وصدقة من الدراهم المؤيدية والقمصان فيما بعد ذلك. وكان يخطئ كثيرا في صرف ذلك، لإعطائه من ذلك جانبا طائلا لمن لا يستحق أو لتفضيله لمن لا يستحق على من يستحق في العطاء، ونالته الألسنة بسبب ذلك كثيرا، وبسبب منعه المؤذنين من المدائح النبوية وغيرها في المنائر ليلا، ومنع المداحين من إنشاد ذلك، في الأوقات التي جرت عادة الناس بكثرة الاجتماع فيها بالمسجد الحرام، ومنعه الخطباء من الصغار في ليالى ختم القرآن العظيم، في شهر رمضان، وإيقاد مشاعل المقامات التي بالمسجد الحرام، في الأوقات التي جرت العادة بها في العشر الأخير من رمضان، وليلة العيد، وليلة هلال شهر رجب، وليلة هلال شهر ربيع الأول وغيرها، لما يحصل للمصلين والطائفين من كثرة التشويق، بسبب ارتفاع أصوات المشار إليهم، ولما يحصل من كثرة اجتماع الرجال والنساء لسماع الخطب، ورؤية الوقيد.
وكان منعه من ذلك في أثناء سنة ثمانى عشرة وثمانمائة، بعد أن وافقه على ذلك جماعة من فقهاء مكة. وكتبوا له خطوطهم بذلك. وكتب له بمثل ذلك غيرهم من علماء القاهرة.
ثم إن بعض من كتب له من فقهاء مكة، حمله ما جبل عليه من كثرة الهوى وحط النفس، على أن قال بخلاف ما كتب به خطه، لمخالفة تغرى برمش له في هواه، وسعي عند بعض حكام مكة من جهة الدولة، في الإذن في إيقاد مشاعل المقامات، والمديح في ليلة هلال رجب من سنة عشرين وثمانمائة. فوافقه الحاكم على ذلك، وفعل ذلك في الليلة المذكورة.
ولما عرف بالوقيد تغرى برمش، خرج من منزله بالمدرسة المجاهدية بمكة لمنع ذلك، ولم يكن له علم بموافقة الحاكم المشار إليه على ذلك، فناله من العامة أذى عظيم، من عظيم الذم، وربما أن بعضهم أوقع به الفعل، ولولا دفع بعض من يعرفه من الترك عنه، لكثر تضرره مما ناله من ذلك. وكان ذلك في غيبة صاحب مكة عنها. فلما حضر إليها، أنكر على من أمر به، أو أشار به من جهته وغيرهم، وأمر باتباع اختيار تغرى برمش في ذلك.
فلم يتجاسر أحد على فعل ما يخالفه، حتى مات تغرى برمش، إلا أن بعض المؤذنين والمداحين، ربما مدحوا في أوقات قليلة، بعضها بحضرة تغرى برمش، وكثير منها في غيبته من مكة، وكان انقطاعه بالحرمين بعد حجه من سنة ست عشرة وثمانمائة.
وقد انتفع بصحبته كثيرا، ناس من أهل الحرمين، منهم من المكيين: القاضي عز الدين ابن القاضي محب الدين النويري، وأخوه كمال الدين أبو الفضل، وسبب ذلك: أن تغرى برمش، جاور بالمدينة النبوية قبل القرن التاسع، وتوقع حصول سوء بها من الشيخ أبي عبد الله المغربي المعروف بالكركى، ففر إلى مكة، فطيب خاطره، وأحسن إليه، قاضيها محب الدين النويري.
فلما مات، راعى صنيعه في ولديه وجماعته، وهو ممن قام مع القاضي عز الدين، في نزع الخطابة بالمسجد الحرام ونظره والحسبة بمكة له، من قاضي القضاة جمال الدين بن ظهيرة، ولما وصل لأبي السعادات بن أبي البركات بن ظهيرة توقيع بهذه الوظائف، في أثناء سنة عشرين وثمانمائة - خلا الحسبة - عارضه في ذلك تغرى برمش، بتوقيع وصل للقاضي عز الدين بالوظائف المذكورة، وأن يكون أخوه أبو الفضل نائبا عنه فيها، بعد التوقيع الذي وصل لأبي السعادات بأيام قليلة، باعتبار تاريخها.
وكان وصولهما إلى مكة معا في وقت واحد، واتفق أن القاضي عز الدين، مات قبل وصول توقيعه، كما أن أبا البركات مات قبل وصول توقيعه بالخطابة، ثم كتب بها لابنه، فرأي الشيخ تغرى برمش وغيره من أعيان مكة، أن توقيع القاضي عز الدين، ناسخ لتوقيع ابن أبي البركات، ومانع له من المباشرة، مع كراهة أكثرهم لمباشرته، ونازع ابن أبي البركات في ذلك، بحضور صاحب مكة وغيره من قضاتها، والشيخ تغرى برمش.
وتعلق في ذلك بمثال شريف إلى أمير مكة، يتضمن إعلامه لولاية ابن أبي البركات، وزعم أنه كتب بعد توقيع القاضي عز الدين، ونسب إلى زيادة (ين) فيه بعد عشر، وإنما هو مؤرخ بخامس عشر صفر.
وصمم الشيخ تغرى برمش على منعه من المباشرة، فأساء في حقه ابن أبي البركات، فكاد الشيخ تغرى برمش أن يضربه، وأن يحثو التراب في وجهه. ووافق صاحب مكة وغيره من أعيانها، على ما اختاره الشيخ تغرى برمش، من منع ابن أبي البركات من الخطابة، فلم يباشرها إلا بعد وفاة الشيخ تغرى برمش بخمسة وأربعين يوما، لوصول
توقيع إليه بها، وبنظر الحرم والحسبة، مؤرخ بثاني عشر صفر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.
وكان قد جاءه توقيع بنظر الحرم والحسبة، في حادي عشر القعدة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. فباشر ذلك إلى أوائل ذي الحجة منها، وتغرى برمش عليل مدنف. وكان سبب موته استطلاق بطنه من كثرة الأكل. فإنه لما عرض له الإسهال من ذلك، صار يشتهى أشياء كثيرة ضارة له، فتصنع له ويأكلها، وتكرر ذلك منه، فعظم عليه الضرر والتعب، إلى أن مضى لسبيله في ليلة مستهل المحرم، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ودفن في صبيحتها بالمعلاة، وحمل إليها فيما يحمل فيه الطرحا. ولم يشيعه من الناس إلا القليل.
ومما يحمد من أفعاله: سعيه في شراء ماء في قرار عين السلامة، وهي ساعة، يسقى به البستان المنسوب وقفه لنجم العجمى، عند مشهد حبر الأمة، عبد الله بن عباس بالطائف.
وذكر لي أن ثمن ذلك مائة مثقال.
وكان قد اشترى بالمدينة دارا تنسب لأبي مسلم، وذكر أنه أوصى بوقفها على رجلين، يقرأ أحدهما: شرح معانى الآثار للطحاوى، وكتاب العاقبة لعبد الحق الإشبيلي، والتذكرة للقرطبي، ورياض الصالحين، وسلاح المؤمن، وغير ذلك من الكتب التي سماها. والآخر: يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم ألف مرة، ثم رجع عن هذه الوصية، ووقف هذه الدار على أقاربه، وأثبت ذلك على بعض الحكام من الحنفية بمكة وحكم بها، وأثبت الموقوف عليهما، وقف الدار عليهما، قبل رجوعه، فيما بلغنا.
وذكر أن ما صدر من تغرى برمش، لم يكن كما زعم وصية منه، وإنما نجز وقفيته.
وكان قليل المداراة للناس، كثير الحب للإقدام المؤلم ممن يعارضه، وإذا ظهر له أن في فعل شيء مصلحة ما، فعل ذلك، وإن كان تركه أصلح، أو المصلحة أكثر في فعل غير ما يراه، وهو السبب الأعظم في إزالة الخلوة التي كانت إلى جنب زمزم في المسجد الحرام، والزبازيب التي تحتها الأحجار التي عندها. وكان الناس يجلسون عليها، ويتوضون من هذه الزبازيب، لما قيل إن بعض الناس يستنجى هناك، وكان زوال ذلك في العشر الأول من ذي الحجة سنة سبع عشرة وثمانمائة، بعد وجوده عشر سنين. وعوض عنه السبيل الموجود الآن.
وكان لما جاور بمكة في سنة عشر وثمانمائة، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، سد الباب الضيق من الغار الذي بجبل ثور بأسفل مكة، لكون كثير ممن يريد دخوله من بابه الضيق، انحبس فيه لما ولج فيه، وانتقد عليه ذلك كثيرا، شيخنا شمس الدين محمد الخوارزمي، المعروف بالمعيد، إمام الحنفية بالمسجد الحرام، ومنعه من الأخذ عنه، حتى يزيل ما سده. ويحدث توبة بسبب ذلك. وكان في مجاورته هذه، خامل الذكر كثير التقشف والعبادة، سامحه الله تعالى. وأظنه جاوز الستين.

  • دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 3- ص: 1