أسعد بن سعد الدين محمد بن حسن الحافظ العالم ابن العالم، والفاضل ابن الفاضل، والبليغ ابن البليغ، والقدوة ابن القدوة، والرحلة ابن الرحلة، ممن تعقد الخناصر عليه، وتشد الرحال إليه.
وبقية نسبه سيأتي في ترجمة والده الإمام العلامة، معلم حضرة السلطان مراد خان، عليه من الله تعالى مزيد الرحمة والرضوان.
ولد ثامن عشر محرم، سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، ورباه والده في حجر الدلال، وغذاه بدر الكمال، وأقرأه القرآن العزيز عند بعض صلحاء المعلمين، وبعض المقدمات النحوية، والفقهية، وغيرهما.
ثم قرأ على والده فأكثر من القراءة تشريكا لأخيه قاضي القضاة محمد أفندي، الآتي ذكره في محله، وصار ملازما من والده المشار إليه.
ثم أكب على الاشتغال ليلا ونهارا، وصباحا ومساء، ودأب، وحصل، إلى أن صار بالفضائل مشهورا، وبالفواضل مشكورا.
وتصرف في المناصب السنية، والمدارس العلية، منها تدريس المدرسة الكبرى، التي تنسب إلى المرحومة اسمى خان، والدة المرحوم المغفور له - إن شاء الله تعالى - السلطان سليم الثاني، وهي من المدارس التي جرت العادة بنقل مدرسها إلى إحدى المدارس الثمان، ومنها إلى تدريس إحدى المدارس السليمانية، بمدينة قسطنطينية، وكذلك وقع لصاحب الترجمة، وأقام في المدرسة السليمانية مدة طويلة، لا ينقطع عن إلقاء الدروس الدروس بها يوما، مما جرت به العادة، وأما الاشتغال في منزله الكريم، والمطالعة، والمراجعة، والمباحثة مع الأصحاب والإخوان والمترددين إليه، فإنه لا يفتر ولا يمل، ولا يقدم على ذلك أمرا مهما، ولا حاجة من حوائج الدنيا.
وله في العربية، والفارسية، والتركية، يد طولى.
وأما سجيته الشعرية، ونظمه في القصائد الطنانة، وغوصه على استخراج الجواهر المضية، من أصداف الألفاظ الدرية، فإنه يبهر العقول، ويحير الألباب، ويأتي بالعجب العجاب، والحال أنه ما اتهم ولا أنجد، ولا غور ولا أصعد، ولا عاشر الأعراب في بواديها، ولا قارضهم الأشعار في حاضرها ولا باديها، ولكنه فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وإن شاء الله تعال، نسوق في آخر الترجمة من أشعاره وإنشائه، ما يفوق الماء الزلال، ويعد من السحر الحلال.
ثم بعد أن أقام في الاشتغال بالمدرسة المذكورة، ما تقدم ذكره من المدة المزبورة، وجه له قضاء أدرنة المحروسة، التي تعد من جملة أمهات المدن، وكراسي السلاطين من آل عثمان، أدام الله تعالى دولتهم إلى آخر الزمان، في أول شهر من شهور سنة أربع بعد الألف، أحسن الله ختامها، وهذه الرعاية التامة، بهذه الولاية من التدريس المذكور، ما حصلت لأحد من أبناء الموالي في هذه الأيام، ولم يكن إعطاء هم له ذلك لأجل خاطر والده شيخ الإسلام فقط، بل له ولما حواه من الفضائل الكاملة، والفواضل الشاملة، لما أنعم الله تعالى به عليه من العقل، واللطف، والرفق، والشفقة، والرحمة، وحسن التدبير، والفكر الثاقب، والرأي الصائب، ولكونه ممن يستحق أن يوصف بقول أبي الطيب المتنبي، بل هو أحق به ممن قيل في حقه:
قاض إذا اشتبه الأمران عن له | رأي يفرق بين الماء واللبن |
دار الرفاعي - الرياض-ط 0( 1983) , ج: 1- ص: 170