أحمد شاذ كذا رأيته في غالب الكتب والأشعار التي له فيها ذكر، وبعضهم كتبه أحمشاذ، فوصل بين الميم والشين، وأسقط الدال، وأتى به في الشعر كذلك، بحيث لو أتى بالدال لذهب الوزن فيه، ولعل إسقاط الدال لضرورة الشعر، والله تعالى أعلم.
وهو ابن عبد السلام بن محمود، أبو المكارم الغرنوي، الفقيه، الواعظ.
ذكره العماد الكاتب، في ’’ الخريدة ’’، وأطال ترجمته، وساق كثيرا من أشعاره، فقال: كان من فحول العلماء، وقروم الفضلاء، بحرا متموجا، وفجر متبلجا، وهماما فاتكا، وحساما باتكا، إذا جادل جدل الأقران، وإذا ناظر بذ النظراء والأعيان.
شاهدته بأصبهان في سني ثلاث، أو أربع، أو خمس وأربعين وخمسمائة، وجاورته فوجدته بحسن المنظر والمخبر، ذا رواء وروية، ولمعان وألمعية، فصيح العبارة، صبيح الشارة، متبحرا في العلوم، مالكا عنان التصرف في إنشاء المنثور والمنظوم.
وكان عارفا بتفسير كتاب الله تعالى، ومدة مقامه بأصبهان يعقد مجلس الوعظ بالجامع كل يوم أربعاء، ويتكلم على التوحيد، باللفظ السديد، وملك من قبول القلوب، ما أدرك به كل مطلوب، وسمح بإفادة نسبه، وإشاعة أدبه؛ لإشادة حسبه.
أذكر، وقد اقترح على فضلاء أصبهان، أن ينظم كل واحد منهم قصيدة على روى الذال المعجمة، فكنت ممن نظم، ورأيت عنده مجلدين من القصائد الذالية فيه على روي اسمه شاذ.
وله خاطر سمح باللفظ المبتكر، والمعنى المحرر.
ومن شعره الذي أنشده لنفسه بأصفهان، من قصيدة:
أمالك رقي مالك اليوم رقة | على صبوتي والحين من تبعاتها |
سألت حياتي إذ سألتك قبلة | لي الربح فيها خذ حياتي وهاتها |
فمن مبلغ عني المعالي أنني | سأقضي ولو يوما حقوق عفاتها |
لو كنت ألف عام في سجدة لربي | شكرا لفضل يوم لم أقض بالتمام |
العام ألف شهر والشهر ألف يوم | واليوم ألف حين والحين ألف عام |
يا إمام الناس هل من حرج | لحبيب في التشام لحبيب |
برح الشوق به لكنه | عاشق عف النوى غير مريب |
وتفانى صبره في حبه | لغزال فاتن الط {ف لبيب |
فتعاظى قبلة في غفلة | من عذول واستراق من رقيب |
يا إمام الناس بين هل له | في ثواب أو عقاب من نصيب |
أيها السائل عن لثم الحبيب | أرعني سمعك وافهم لأجيب |
ما اقتضاه العشق فالزم فالذي | يقتضيه العشق فعل المستريب |
ما على العاشق في شرع الهوى | من ملام في التثام لحبيب |
أدرك الورد فإن شئت اقتطف | ما اقتطاف الورد بالبدع الغريب |
خذ من أحمد شاذ فتوى عالم | إنه يخطي فيها أو يصيب |
يا عاذلي كف عنان التلاح | ما أنا عن سكر هواه بصاح |
يقتلني سيف لحاظ المها | يضنشرني رشف رضاب الملاح |
ينطقني خرس خلاخيلها | يخرسني نطق حواشي الوشاح |
لا أنس إلا أنس عهود الحمى | آلفنا الأنس بها والمزاح |
نرجسنا الطرف وما وردنا | من عرق العارض والريق راح |
لم أشكر الوصل فحم النوى | وعرف الفجر ظلام الرواح |
فقبل ذا اليوم نشضرت الهوى | وبعد ذا اليوم طويت الصلاح |
أحل في المجد بأوج السها | وإلى الأرقع منه الطماح |
إلى بهاء الدولة المرتضى | محمد بدر سماء السماح |
أتعذبون متيما بهواكم | لم يكفه تعذيبه بنواكم |
كرمان إن ضاقت بغر فضائلي | عذرا فقد ضاقت بها دنياكم |
إن كان يرحل شخصه عن داركم | فلقد أقام فؤاده بذاركم |
أفي قبلة خالستها منك عامدا | تعاتبني سرا وتهجرني جهرا |
.................................. | .................................. |
دار الرفاعي - الرياض-ط 0( 1983) , ج: 1- ص: 163