أحمد بن حسن بن عبد المحسن الرومي المدرس بإحدى المدارس السليمانية.
كان والده قاضيا بالعسكر المنصور، بولاية أناطولي.
وكان من عتقاء الوزير الأعظم رستم باشا، وقد جرى الاصطلاح عند الكتاب أن من تجري عليه الرق، وكان مسلما، يكتبون في تعريفه فلانا ابن عبد الله، وكان والد صاحب الترجمة يكتب حسن بن عبد المحسن، وهو بمعنى المصطلح عليه مع زيادة الإحسان، وعد ذلك من حسن ذوقه.
وكان قد ولي قبل قضاء العسكر، وقضاء الشام مرتين، وقضاء مصر، وقضاء مكة، وقضاء قسطنطينية، وحاز من الجاه والتقدم والمروءة والكرم، ما فاق بسببه أبناء جنسه، وكان فيه يومه أحسن من أمسه، وقد مدحه شعراء الديار الشامية، والمصرية، والرومية، بقصائد طنانة، وبالغوا في مدحه وشكره؛ فإنه كان - رحمه الله تعالى - ملجأ لكل قاصد، ومقصدا لكل وارد.
ولد صاحب الترجمة في حدود الستين من المائة العاشرة.
واشتغل من صغره، ودأب، وحصل.
وأخذ الفقه وغيره، عن الإمام العلامة بقية السلف، وبركة الخلف أبي السعود العمادي، مفتي الديار الرومية، وكان معيدا عنده بمدرسة السلطان بايزيد خان، عليه الرحمة والرضوان.
وأخذ عن الفاضل العلامة قاضي العساكر المنصورة بولاية أناطولي محمد بن عبد الكريم.
وأجاز له حين دخل مع والده الديار الشامية والمصرية، جماعة من العلماء الأجلة، منهم: الإمام العلامة محمد البرهمتوشي الحنفي، والشيخ الإمام المحدث شمس الدين العلقمي الشافعي، والشيخ البارع بقية الأفاضل، ومجمع الفضائل، ناصر الدين الطبلاوي، والإمام الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة، الولي العابد الزاهد العالم الرباني الشيخ عبد الوهاب الشعراوي الشافعي، والشيخ العلامة أمين الدين بن عبد العال الحنفي، مفتي الديار المصرية، وحافظ العصر ومحدث الديار المصرية الإمام الجليل البارع الشيخ نجم الدين الغيطي، والإمام الكبير المحدث الحافظ المفنن المتقن مفتي الديار الشامية الشيخ بدر الدين ابن الشيخ رضي الدين الغزي العمري الشافعي، رحمه الله تعالى، وغيرهم.
وهو الآن مكب على المطالعة، والمراجعة، والإشغال، وله الذهن الوقاد، والفكر التقاد، وعنده من الكتب النفيسة مالا يتيسر لغيره جمعه في العمر الطويل، ولا بالمال الجزيل، هذا مع ما حواه من حسن الخلق والخلق، وكرم النفس، وطرح التكلف، وغير ذلك من الأوصاف الجميلة، وأحسن معلوماته العلوم العربية، وهو من المكثرين لحفظ اللغة العربية، والاطلاع على الكتب الأدبية.
وله شعر رقيق، ولكنه قليل، منه ما أنشدنا إياه ارتجالا، ونحن بحضرته، وهناك مسمع حسن النغمة، قبيح الصورة، وهو:
يالقومي من مغن | لحنه للوجد معربب |
وجهه وجه قبيح | فهو في الحالين مطرب |
يقولون بالفضل المناصب أعطيت | فقلت نعم لكن بفضل الدراهم |
هل لصب قد هام فيك غراما | رشفة من لماك تشفي السقاما |
يا هلالا تحت اللثام وبدرا | كاملا عند ما يميط اللثاما |
وغزالا منه الغزالة غابت | عند ما لاح خجلة واحتشاما |
وبأوراقها الغصون توارت | منه لما انثنى وهز قواما |
لك يا فاتر اللواحظ طرف | فتكه في القلوب فاق الحساما |
ذابل وهو في الفؤاد رشيق | ناعس أحرم الجفون المناما |
ومحبا سبى بنمل عذار | زمر الحب عند ما خط لاما |
عجبا من بقاء خالك في الخد | ونيرانه تؤج ضراما |
ومن الفرع وهو فوق جبين | مخجل الشمس كيف مد ظلاما |
عبد رق ما حال عنك لواش | نمق الزور في هواك ولاما |
كم بكى طرفه إليك اشتياقا | وقضى بالبكاء عاما فعاما |
شاع في الناس حبه لك لما | باح وجدا وحرقة وهياما |
مثل ما شاع أن أحمد مولا | نا بديع الزمان أضحى الإماما |
واحد صح فيه جمع المعاني | مفرد قد حوى الكمال تماما |
وبه للعلوم شأو رفيع | شامخ المجد للسماء تسامى |
وهو في حلبة السباق مجل | ومحل لكل أمر تعامى |
كم جلا مشكلا وحل عويصا | وكفى معضلا وأطفى أواما |
يا بديع البيان منطقك العذ | ب المعاني فاق العقود نظاما |
وإذا ما نثرت درا تمتت | زهر الأفق أن تكون كلاما |
حزت مجدا وسؤددا وعفافا | وافتخارا ورفعة ومقاما |
ألفت كفك المكارم حتى | فقت كل الورى وفقت الكراما |
فقت معنا بدلا وسحبان نطقا | وحبيبا شعرا وسدت عصاما |
وأخذت العلوم عن خير أصل | لسماك السما غدا يتسامى |
قد حوى المجد والكمال جميعا | وامتطى غارب العلى والسناما |
وهو أعلى الورى مقاما وأوفا | هم عطاء جما وأرعى ذماما |
يا رفيع الجناب يا حسن الوص | ف ويا من فاق الورى إعظاما |
عش قريرا بفرعك الشامخ الأص | ل ولازم شكر الإله دواما |
واقبلن بنت ليلة منك جاءت | تتمنى قبولها إنعاما |
وأتت تلثم التراب وتهدي | لك مني تحية وسلاما |
فتجاوز عنها بحلمك واسلم | ما شدا بلبل وفاح خزامي |
والشعر قد يرزق سعدا بمن | قد قاله أو قيل في حقه |
لي في الغرام بمن أهوى صبابات | لها نهايات من يهوى بدايات |
وكل صب له في الحب مرتبة | لي فوقها رتب فيه عليات |
بقدر من عاشق العشاق منزلهم | وفي الجمال لمن أهوى مزيات |
وكل من شغلته الغانيات عن ال | أغن أشغاله عندي بطالات |
حب المقرطق لا حب المقنع لي | بالروح فيه وبالدنيا مغالاة |
ظبي من الترك إلا أن أعينه | مهندات لها بالروح فتكات |
من الخطا ما خطا إلا وداخله | بالقد عجب وللأغصان شمخات |
ما اهتز إلا وبز الناس أنفسهم | وهكذا شأنهن السمهريات |
حذار يا قلب من ألحاظه فلها | سهام حتف لها بالقلب رشقات |
ولا يغرك ما يخطي وكن يقظا | ففي سهام الخطا تلفى إصابات |
عذاره حجة بالعذر فائمة | بها لقاضي قضاة الحسن إثبات |
مسك على طرس كافور به كتبت | يد البديع وللباري احتكامات |
أو جنة الحسن حول الخد قد نبتت | والخد نار وما للنار إثبات |
لله ما قد رأت عيناي من عجب | نار بها نبتت للآس جنات |
والبدر طلعته والليل طرته | إذ كان للوصل في أخراه ميقات |
وقبله ما رأت عيني ولا سمعت | أذني بليل بهيم فيه قمرات |
كأنما خاله تحت العذار فتى | قد زملته ثياب سندسيات |
أو بلبل برياض الخد مستتر | من خارج اللحظ أخفته المخافات |
أو سارق في ظلام الليل أم إلى | كنوز ثغر بها تلفى السعادات |
أو راهب يقرأ الإنجيل من صحف | ما في الحواشي بها للخط غلطات |
سلطان حسن أعز الناس دان له | إلا الروادف فهي الخارجيات |
على القلوب خفيفات على ثقل | فيهن فهي الخفيفات الثقيلات |
لله أوقاتنا اللاتي مررن وفي | حال الحقيقة يا هذا حلاوات |
نضم فيهن أغصان القدود كما | ضمت حنوا على الطفل الحنونات |
ونحتسي من سلاف الثغر ما عجزت | عنه العجوز وهاتيك المدامات |
تمضي الليالي ولا ندري لها عددا | كأن أعوامنا بالوصل ساعات |
حتى رماني زماني عن حنيته | سهام هجر وما عندي مجنات |
وصار روحي وروح الحب في جسد | ودون نيل المنى منه مسافات |
والهف قلبي على مافات من فرص الز | مان إذ فرص الدهر اختلاسات |
أخرتها وهي لذات بها سمح الد | هر البخيل وللتأخير آفات |
يا نازلين الحشا في صدكم عجب | وللشمائل باللطف اشتمالات |
على قاضي الهوى أن الفؤاد لكم | قضي وما قضيت منك لبانات |
بالله يا من يطيل اللوم في قمر | أقصر عناك فما تجدي العلامات |
تالله لو نظرت عيناك لا نظرت | جماله كان لي منك المعونات |
للناس أكنى بسلمى والرباب عسى | تلهي عذولي عن الحب الكنايات |
وما الخطا بمرادي في النسيب ولا | تغزلي بالظبا إلا الإشارات |
فيمن هويت صفات الحسن أجمعها | كأحمد جمعت فيه الكمالات |
من مهده جاء مهدييا له أدب | فلق البرايا وأخلاق جميلات |
بحر وما البحر إلا دون أنمله | غيث وما الغيث إلا منه قطرات |
وما تقدمه في الفضل ذو أدب | إلا زمانا وإن فاتوا فما فاتوا |
كأنما هو شمس في مكارمه | ومكرمات الألي كانوا ذبالات |
في كل علم له باع يطول وما | لمدعي علمه إلا الجهالات |
يراعه بالمعاني والبيان له | على البديع وأهليه مقامات |
حديثه حسن ألفاظه درر | مسلسلات صحاح جوهريات |
سن الإباحات في أمواله فله | يد تقول خذوا لم تدر ما هاتوا |
بنحو تصريفه نحو الصواب له | من علة النقص أفعال سليمات |
أبكار أفكاره الأقمار ساطعة | عنها بصائر من يدري حسيرات |
محاسن مالها في العصر ذو شبه | كأنها في خدود الحسن شامات |
يمنى عرابة عن يسراه قاصرة | إذا تبدى لعز المجد رايات |
به منار الهدى والدن ذو شرف | كالنجم لاحت لنا نته الهدايات |
من بعد ما درست آثاره وعفت | رسومه وأبادته الضلالات |
ورد شمس العلى من بعد ما غربت | فما ليشع في هذا اختصاصات |
بالله أسم والبيت العتيق ومن | سعى ولبى وطابت منه نيات |
لو كان من آدم لليوم كل فتى | إلى قريش له تلفى انتسابات |
ولازم المدح في أوصافه عجزت | عن حصر أوصافه الغر العبارات |
خذها إليك عروسا ما رأيت لها | كفؤا سوالك ومن فيه المكافاة |
في حلة من بديع الحسن رافلة | لها بأوج العلى في التية خطرات |
تزهي على البدر إعجابا بمطلعها | فإن مطلعها فيه النهايات |
فلو رأى حسنها حسان قبح ما | أتى به حيث خانته السجيات |
أو عامر مرة في العمر ما عمرتت | في حب ليلى لهم بالشعر أبيات |
لها نظام به النظام بان له | عن سنة الحسن في النظم اعتزالات |
إلى ابن أوس تميم ينتهي نسبا | لها على البدر في التم الكمالات |
صداقها صدق ود لا يزول وهل | ترجى سوى عند مولانا المودات |
وأن يؤهلني عبدا لخدمته | فإن أعبده للناس سادات |
من أحمد الناس ترجو العفو إن خطرت | من غير عمد وقاها الله زلات |
دار الرفاعي - الرياض-ط 0( 1983) , ج: 1- ص: 98