محمد أبو عبد الله بن عمر بن لبابة مولى آل عبيد بن عثمان القرطبي روى عن عبد الله بن خالد وعبد الأعلى بن وهب وأبان بن عيسى وأبي زيد بن إبراهيم وأصبغ بن خليل ويحيى بن مزين والعتبي وقاسم بن محمد ومالك بن علي القطني وابن مطروح وابن وضاح وغيرهم.
وكان إماما في الفقه مقدما على أهل زمانه في حفظ الرأي والبصر بالفتيا. درس كتب الرأي: ستين سنة وكان اعتماده على العتبي وابن مزين.
وكان مشاورا في أيام الأمير عبد الله مع عبيد الله بن يحيى وطبقته ثم انفرد بالفتيا مع صاحبه أبي صالح: أيوب بن سليمان وكانا متواخيين وكان أبو صالح يقدمه على نفسه ثم انفرد بعد موت أبي صالح سنين عدة فلم يشركه أحد في الرياسة والقيام بالفتيا ولم يكن له رحلة. وكان ممن برع في الحفظ للرأي ودارت عليه الأحكام نحوا من ستين سنة وناظر قاسم بن محمد. قال أبو الوليد الباجي: بن لبابة فقيه الأندلس. قال الصدفي: كان محمد بن لبابة من أهل الحفظ للفقه والفهم به أفقه الناس وأعرفهم باختلاف أصحاب مالك وعمر وشاهد القضايا والأحكام مع تمييز وإدراك لم يكن ذلك لأحد ممن رأينا وشاهدنا مع نزاهة نفس وتصاون ومروءة كاملة وديانة وتلاوة للقرآن وحفظ للشعر وفصاحة وأخلاق حسنة وتقشف في ملبسه وتواضع وكان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة وكان يفتي بوجوب اليمين دون غلظة ولا يرى جواز شهادة الشاهد مع أبيه وخولف في ذلك وبجوازها أفتى أكثر الشيوخ.
وكان مأمونا ثقة حافظا لأخبار الأندلس له حظ من النحو والخبر والشعر. قال بن سهل: ولما ذكر بن لبابة ذهاب العلم وأهله ومن صار في الشورى تمثل البيتين:

روى عنه خلق كثير. ولم يكن له علم بالحديث ولا ضبط لروايته يحدث بالمعنى ولا يراعي اللفظ.
وتوفي ليلة الاثنين لأربع بقين من شعبان سنة أربع عشرة وثلاثمائة وهو بن ثمان وثمانين سنة. وقيل غرة رجب سنة ست وعشرين وتزاحم الناس على نعشه وكسروه على عادة العامة فقال بعضهم: تزاحموا على عمله لا على نعشه فسمعت منه وكتبت حكمة عنه رحمه الله تعالى.

  • دار التراث للطبع والنشر - القاهرة-ط 1( 2005) , ج: 2- ص: 189