التصنيفات

محمد بن محمد بن محمد

ابن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس، الشيخ الإمام، العالم، العلامة، الحافظ، البارع، الأوحد، مجموع الفضائل، الكاتب، الناظم، الناثر، الأديب فتح الدين أبو الفتح ابن الإمام الفقيه أبي عمرو وابن الإمام الحافظ الخطيب أبي بكر اليعمري الأندلسي الإشبيلي ثم المصري.

أجاز له في سنة مولده النجيب عبد اللطيف الحراني، وحضر على الشيخ شمس الدين بن العماد الحنبلي، وطلب بنفسه في سنة خمس وثمانين، وقرأ على الشيوخ، فسمع من قطب الدين بن القسطلاني، وغازي الحلاوي، وابن الأنماطي، وابن خطيب المزة، وابن ترجم، وابن الخيمي، وابن الفارض، والعز الحراني، وشامية بنت البكري، والفخر المليجي وغيرهم.

ورحل الى الاسكندرية وسمع من شيوخها، ورحل الى دمشق سنة تسعين وست مئة وسمع من بعض أصحاب الكندي وابن الحرستاني وابن ملاعب.

نقلت من خط شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى: وتنزل في الأخذ الى أصحاب سبط السلفي، ثم أصحاب الرشيد العطار قال: وكاد يدرك الفخر بن البخاري ففاته بليلتين، ولعل مشيخته يقاربون الألف ونسخ بخطه، واختار وانتقى شيئا كثيرا، ولازم الشهادة مدة، قال: جالسته مرات وبت معه ليلة، وسمعت بقراءته على الرضى النحوي. وكان طيب الأخلاق بساما، صاحب دعابة ولعب، وكان صدوقا في الحديث، حجة فيما ينقله، له بصر نافذ في الفن، وخبرة بالرجال وطبقاتهم، ومعرفة في الاختلاف، ويد طولى في علم اللسان ومحاسنة جمة. انتهى.

ونقلت من خط شيخنا البرزالي قال: كان أحد الأعيان معرفة وإتقانا وحفظا وضبطا للحديث وتفهما في علله وأسانيده، عالما بصحيحه وسقيمه، مستحضرا للسيرة النبوية، له حظ من العربية، جيد الضبط حسن التصنيف، صحيح العقيدة، صحيح القراءة، مع الشرعة التامة، حسن الأخلاق، جميل الهيئة، كثير التواضع، طارحا للتكلف، طيب المجالسة، حلو المعاشرة، خفيف الروح، ظريفا كيسا متوددا الى الناس، له الشعر الرائق والنثر الفائق والترسل البديع. وكان محبا لطلبة الحديث، وصنف سيرة نبوية لخص فيها سيرة ابن هشام وشرع في شرح الترمذي، عمل منه الى الصلاة، جمع فيه فأوعى، وله القصائد النبوية الفائقة، ولم يخلف في مجموعه مثله، انتهى.

وقال كمال الدين الأدفوي في تاريخه البدر السافر: ولازم الإمام أبا الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، وتخرج به، وقرأ عليه في أصول الفقه وحفظ التنبيه في مذهب الشافعي، وقرأ المفصل في النحو على الشيخ بهاء الدين بن النحاس، وبرع في الحديث والأدب، وكتب الخط الحسن بالمغربي والمصري، وحدث، وسمع منه جمع كثير من الشاميين والمصريين وغيرهم، وصنف في السير كتابه المسمى عيون الأثر وهو كتاب جيد في بابه، وشرع بشرح الترمذي ولو اقتصر فيه على فن الحديث من الكلام على الأسانيد لكمل تصنيفه وتم ترصيفه وكان يفيد، ولكنهقصد أن يتبع شيخه الإمام ابن دقيق العيد، فوقف دون ما يريد. انتهى.

قلت:

كان شيخنا المذكور حافظا بارعا، متوقلا هضبات الأدب فارعا، متفننا بليغا في إنشائه، ناظما ناثرا مترسلا، لم يضم الزمان مثله في أحشائه، خطه أبهج من حدائق الأزهار، وآنق من صفحات الخدود المطرز وردها بآس العذار، حسن المحاورة مأمون المجاورة، لطيف العبارة، طريف الشارة والإشارة، فصيح الألفاظ، نسي الناس ذكر قس سوق عكاظ، كامل الأدوات، جيد الفكرة في الغوص على درر المعاني والأدبيات، صحيح الذهن، يشرق نوره، مليح الفهم، كأنه الصبح إذا ملأ الأفق سفوره، لا تمل محاضرته، ولا تذام معاشرته، أدبه غض، والإمتاع بأنسه نض، كريم الأخلاق، زكي الأعراق، كثير الحياء والاحتمال، قلما جرح من إنسان إلا وكان سريع الاندمال.

إن كتب فما ابن مقلة عنده إنسان، ولا ابن البواب إلا واقف على بابه بعصا القلم يسأله الإحسان، ولا ابن العديم إلا له وزير، ولا الولي العجمي إلا ولي له ونصير.

وإن نثر فالعماد مائل عن طريق، وابن الأثير لا يضرب المثل إلا في تحقيقه وتحريره.

وإن نظم فابن النبيه خامل، وابن الذروي في الحضيض هامل، والجزار ما حلت قيمه حلا قيمه، ولا جود تعاطي تقاطيفه، والسراج ما نور بل نوص في شعره وسود حائط تواليفه.

صحبته مدة فلم أر معه من الزمان شدة ونمت معه ليالي، وخالطته أياما، ورعيت من حسن وده أراكا وبريرا وبشاما:

ولم يزل على حاله الى أن انضم على فتح الدين قبره وعدم من كل أحد عليه صبره.

وتوفي رحمه الله تعالى في يوم السبت حادي عشر شهر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن يوم الأحد بالقرافة جوار ابن أبي جمرة وابن عطا قبالة خانقاه بكتمر الساقي، وشيعه خلق كثير من القضاة والأمراء والفقهاء والجند والعوام، وتقدم للصلاة عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني. وتعجب السلطان الملك الناصر محمد من جنازته الحفلة، وسأل عنه فعرف بحاله، فقال: هذا رجل جليل القدر ما نعطي وظائفه إلا لمن يكون مثله.

ومولده في العشر الأول من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وست مئة.

وكان من بيت رئاسة وعلم، كان ابن عمه أخيرا في زمانه قائدا حاجبا بإشبيلية. وكان عند الشيخ فتح الدين رحمه الله تعالى كتب كثيرة وأصول جيدة كمصنف ابن أبي شيبة، ومسنده، وجامع عبد الرزاق، والمحلى، والتمهيد، والاستيعاب، والاستذكار، وتاريخ الخطيب، والتاريخ المظفري، وتاريخ ابن أبي خيثمة ومسند البزار ومعاجم الطبراني. وكان قد تفرد في وقته بالحديث في الديار المصرية.

أخبرني من لفظه القاضي الرئيس عماد الدين بن القيسراني قال: كان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد إذا حضرنا درسه وجاء ذكر أحد من الصحابة أو أحد من رجال الحديث قال: أيش ترجمة هذا يا أبا الفتح، فيأخذ فتح الدين في الكلام ويسرد والناس سكوت، والشيخ مصغ الى ما يقوله. انتهى.

وكان صحيح القراءة سريعها، لم أسمع أفصح منه ولا أسرع. وأما خطه فكان يكتب المصحف في جمعة واحدة، ويكتب سيرته وهي مجلدان كبيران في عشرين يوما، وأظنه قال لي: لم أكتب على أحد، ولم ير أحد أحلى من خطه ولا أظرف. وقال لي: لم يكن لي في العروض شيخ، ونظرت فيه جمعة فوضعت فيه مصنفا، ورأيت أنا هذا المصنف.

وصنف عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير سمعت بعضه من لفظه، واختصر ذلك وسماه نور العيون وهو عندي بخطه، وسمعته من لفظه، وتحصيل الإصابة في تفضيل الصحابة وسمعته من لفظه وملكته بخطه، والنفح الشذي في شرح الترمذي، ولم يكمل، وكان قد سماه العرف الشذي، فلما اجتمعت به قلت له: سمه النفح الشذي ليقابل الشرح بالنفح، فسماه بذلك، وكتاب بشرى اللبيب بذكرى الحبيب وقرأته عليه بلفظه مشروحا، ومنح المدح. وسمعته من لفظه الى ترجمة عبد الله بن الزبعرى، والمقامات العلية في كرامات الصحابة، وسمعت قصيدتها الميمية من لفظه.

وكان بيده من الوظائف مشيخة الظاهرية ومدرسة أبي حليقة على بركة الفيل، ومسجد الرصد، وخطابة جامع الخندق، وكانت له رزق في الديار المصرية، وراتبه في صفد، وما رأيت أحدا محظوظا مثله، ما رآه أحد إلا أحبه وعظمه. كان الأمير علم الدين الدواداري يحبه ويلازمه كثيرا ويقضي أشغال الناس عنده، ودخل به الى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين وقد امتدحه بقصيدة، وقال: أحضرت لك هذا وهو كبير من أهل العلم، فلم يدعه السلطان يبوس الأرض، وأجلسه معه على الطراحة، وهل قام له أو لا، أنا في شك من ذلك، ولما رأى خطه وسمع لفظه قال: هذا ينبغي أن يكون في ديوان الإنشاء، فرتبه في ديوان الموقعين، فرأى الشيخ فتح الدين الملازمة ولبس الخف والمهماز صعبا عليه، فسأل الإعفاء من ذلك، فقال السلطان: إذا كان لابد من ذلك فيكون هذا المعلوم يتناوله على سبيل الراتب، فرتب له الى أن مات رحمه الله تعالى.

وكان الكمالي ينام معه في قرظية النوم، وكان كريم الدين الكبير يميل إليه كثيرا ويوده، ويقضي أشغال الناس عنده، وهو الذي ساعده على عمل المحضر وإثباته بعداوة قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة.

سمع صحيح البخاري بقراءته على الحجار، وتعصب له الأمير سيف الدين أرغون النائب وخلص له مشيخة الحديث بالظاهرية، ولم أعرف أحدا من أمراء الدولة إلا وهو يحبه ويصحبه ويميل إليه ويجتمع به، وإنما كان الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار والقاضي فخر الدين ناظر الجيش منحرفين عنه قليلا، وكذلك القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله كان منحرفا عنه.

وأقمت عنده بالظاهرية قريبا من سنتين فكنت أراه في كثير من الأوقات يصلي في كل صلاة مرات كثيرة، وسألته يوما عن ذلك فقال لي: إنه خطر لي يوما أن أصلي كل صلاة مرتين ففعلت ذلك زمانا فخف علي، فخطر لي أن أصلي كل صلاة ثلاث مرات ففعلت ذلك زمانا وخف علي، فخطر لي أن أصلي كل صلاة أربع مرات ففعلت ذلك زمانا وخف علي، وأنسيت هل قال لي: خمس مرات أو لا.

وكان صحيح العقيدة، جيد الذهن، يفهم به النكت العقلية ويسارع إليها، ولكنه جمد ذهنه لاقتصاره به على النقل، ولو كان اشتغاله على قدر ذهنه بلغ الغاية القصوى، ولكن كان عنده لعب، على أنه ما خلف مثله. وكان النظم عليه بلا كلفة، يكاد لا يتكلم إلا بالوزن. وفيه قلت أنا:

وكتبت له استدعاء بإجازته لي، ونسخته بعد الحمدلة والصلاة.

المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ رحلة المحدثين، قبلة المتأدبين، جامع أشتات الفضائل، حاوي محاسن الأوائل والأواخر:

بديع زمانه، نادرة أوانه، ضابط الأنساب على اختلافها، فهو السيل المتحدر لا ابن نقطة، ناقل العلم الشريف عن سلفه الذي وافق على المراد شرطه، ساحب ذيل الفخر الذي لو بلغ السمعاني جعله في الحلية قرطه، صاحب النقل الذي إذا أتى رأيت البحر بأمواجه منه يلتط، والعبارة تستبق في مضمار لهواته فتزداد وتزدحم، الذي إذا ترسل نقصت عنده ألفاظ الفاضل، وعجز عن مفاوضته ومعارضته كل مناظر ومناضل، أو نظم ثبت الجوهر الفرد خلافا للنظام فيما زعم، وتخطى بما بيديه فرق الفرقدين، وترضى النجوم بما حكم، أو أورد مما قد سمع واقعة مات التاريخ في جلده، ووقف سيف حاك عند حده، أو استمد قلما كف بصره عنه ابن مقله، ووقف ابن البواب بخدمته يطلب من فضله فضله، فهو الذي تطير أقلامه الى اقتناص شوارد المغاني فتكون من أنامله "أولي أجنحة مثنى وثلاث"، وتنبعث فكرته في طلب السنة النبوية وما يكره الله هذا الانبعاث، وتبرز مخبات المعاني بنظمه ومن السحر إظهار الخبايا، ويعقد الألسنة عن معارضته، وعقد اللسان لا يكون بغير السحر في البرايا، ويستنزل كواكب الفصاحة من سمائها بغير رصد، ويأتي بألفاظه العذبة، ونورها المشمس وفحولتها للأسد، ويحل من بيت سيادته بيتا عموده الصبح وطنبه المجرة، ويتوقل هضبات المنابر، ويستجن حشا المحاريب ويطأ بطون الأسرة، فتح الدين محمد بن سيد الناس:

إجازة كاتب هذه الأحرف جميع ما رواه من أنواع العلوم، وما حمله من تفسير لكتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أثر عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ومن بعدهم الى عصرنا هذا بسماع من شيوخه أو بقراءة من لفظه، أو سماع بقراءة غيره، أو بطريق الإجازة خاصة كانت أو عامة أو بإذن أو مناولة أو وصية كيفما تأدى ذلك إليه، الى غير ذلك من كتب الأدب وغيرها، وإجازة ما له من مقول نظما ونثرا وتأليفا وجمعا في سائر العلوم، وإثبات ذلك بأجمعه الى هذا التاريخ بخطه إجازة خاصة، وإجازة ما لعله يتفق له بعد ذلك من هذه الأنواع، فإن الرياض لا ينقطع زهرها والبحار لا تنفد دررها إجازة عامة على أحد الرأيين عند من يجوزه.

وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.

فكتب هو الجواب رحمه الله تعالى:

بعد حمد الله المجيب من دعاه، القريب ممن نادى نداه، الذي ابتعث محمدا بأنواره الساطعة وهداه، وأيده بصحبه الذين حموا حماه، ونصروه على من عاداه، وحزبه الذين روو سنته ورووا أسنتهم من عداه، وشفوا بإيراد مناهله من كان يشكو صداه، وأجابوه لما دعاهم لما يحييهم إجابة الصارخ صداه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تبلغهم من الشرف الرفيع غاية مداه، وسلم عليه وعليهم تسليما يسوغهم مشرع الرضوان عذبا ريه، سهلا منتداه.

فلما كتبت أيها الصدر الذي يشرح الصدور شفاء، والبدر الذي يبهر العقول سنا وسناء، والحبر الذي غدا في التماس أزهار الأدب راغبا، ولاقتباس أنوار العلم طالبا، فحصل على اقتناء فرائدها واقتناص شواردها، وألفي عقله عقال أوابدها، ومجال مصائدها، ومطار مطاردها، بما أودعت الألمعية من المعاني المبتدعة ذهنه، واستعادته على لسان قلمه وقد ألبسته الفصاحة من حسن تلك الفطنة:

فالآداب، حرسه الله تعالى، رياض هو مجتني غروسها وسماء هو مجتلي أقمارها وشموسها، وبحر استقرت لديه جواهره وسحر حلال لم تنفث في عصره إلا عن قلمه سواحره، فله في فني النظم والنثر حمل الرايتين وسبق الغابتين، وحوز البراعتين، وسر الصناعتين، وهو مجمع البحرين، فما طل الغمامة؟، وله النظر الثاقب في دقائقهما، فمن زرقاء اليمامة، إن سام نظما فمن شاعر تهامه؟، وإن شاء إنشاء فله التقدم على قدامه، فإن وشى طرسا فما ابن هلال إلا كالقلامة، أن أجيز لك ما عندي فكأنما أن أتجاوز حدي، لولا أن الإقرار بأن الرواية عن الأقران نهج مهيع، والاعتراف بأن للكبير من بحر الصغير الاغتراف وإن لم يكن مشرعه ذلك المشرع. فنعم قد أجزت لك ما رويته من أنواع العلوم وما حملته على الشرط المعروف والعرف المعلوم، وما تضمنه الاستدعاء الرقيم بخطك الكريم مما اقتدحه زندي الشحاح وجادت به لي السجايا الشحاح من فنون الأدب التي باعك فيها من باعي أمد، وسهمك في مراميها من سهمي أسد. وأذنت لك في إصلاح ما تعثر عليه من الزلل والوهم والخلل الصادر عن غفلة اعترت النقل، أو وهلة اعترضت الفهم، فيما صدر عن قريحتي القريحة من النثر والنظم، وفيما تراه من استبدال لفظ بغيره مما لعله أنجى من المرهوب، أو أنجع في نيل المطلوب، أو أجرى في سنن الفصاحة على الأسلوب، وقد أجزت لك إجازة خاصة، يرى جوازها بعض من لا يرى جواز الإجازة العامة، أن تروي عني ما لي من تصنيف أبقيته في أي معنى انتقيته فمن ذلك... وذكر رحمه الله تعالى ههنا ما له من التصانيف، وقد ذكرتها آنفا. وقد أجزت لك أيدك الله جميع ذلك بشرط التحري فيما هنالك، تبركا بالدخول في هذه الحلبة، وتمسكا باقتفاء السلف في ارتقاء هذه الرتبة، وإقبالا من نشر السنة على ما هو أمنية المتمني، وامتثالا لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "بلغوا عني" فقد أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحراني رحمه الله تعالى بقراءة والدي عليه وأنا أسمع سنة ست وسبعين وست مئة، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي القاسم البغدادي قراءة عليه وأنا أسمع منه سنة ست مئة، وقبل ذلك سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وأنا محضر في الخامسة، قال: أخبرنا القاضي أبو بكر الأنصاري قاضي المارستان سماعا عليه سنة أربع وعشرين وخمس مئة: قال: أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في سنة ست وأربعين وأربع مئة، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن يسار السابوري بالبصرة، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري حدثنا محمد بن ابراهيم بن كثير الصوري، حدثنا الفريابي، عن ابن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".

أبو كبشة تابعي ثقة، والصحيح أنه لا يعرف اسمه.

ومولدي في رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وست مئة بالقاهرة، وفي هذه السنة أجاز لي الشيخ المسند نجيب الدين أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، وكان أبي رحمه الله يخبرني أنه كناني، وأجلسني في حجره، وكان يسأله عني بعد ذلك. وأجاز لي بعده جماعة.

ثم في سنة خمس وسبعين حضرت مجلس سماع الحديث عند جماعة من الأعيان، منهم الحبر الإمام شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي ابن أخي الحافظ عبد الغني المقدسي، وأثبت اسمي في الطباق حاضرا في الرابعة.

ثم في سنة خمس وثمانين كتبت الحديث عن شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني رحمه الله بخطي، وقرأت عليه بلفظي، وعلى الشيوخ من أصحاب المسند أبي حفص بن طبرزد والعلامة أبي اليمن الكندي والقاضي أبي القاسم الحرستاني والصوفي أبي عبد الله بن البنا وأبي الحسن بن البنا، وغيرهم بمصر والاسكندرية والشام والحجاز وغير ذلك.

وأجاز لي جماعة من الرواة بالحجاز والعراق والشام وإفريقية والأندلس وغيرهم يطول ذكرهم.

وحبذا، أيدك الله، اختيارك من طلب الحديث الدرجة العالية، وإيثارك أن تكون مع الفرقة الناجية، لا الفرقة التاوية، فقد أخبرنا الشيخان أبو محمد عبد اللطيف وعبد العزيز ابنا الشيخ أبي محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصيقل الحراني، الأول إجازة، والثاني سماعا قالا: أخبرنا ضياء بن الخريف، محمد بن عبد الباقي، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوف بن مطير اللخمي، حدثنا محمد بن أحمد بن هاشم البعلبكي، حدثنا عبد الملك بن الإصبع البعلبكي: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".

وبالإسناد الى الخطيب: حدثنا عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني بأصبهان قال: سمعت عبد الله بن القاسم يقول: سمعت أحمد بن محمد بن روه يقول حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: حدثت عن أحمد بن حنبل، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم "تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة" فقال: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم.

وبه الى أبي بكر الخطيب قال: حدثني محمد بن أبي الحسن قال: أخبرني أبو القاسم بن سختويه قال: سمعت أبا العباس أحمد بن منصور الحافظ بصور يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن عبد الله بن بشر نفسا يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله: من الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة؟ قال: أنتم يا أصحاب الحديث.

وبه الى الخطيب قال: أخبرني محمد بن علي الأصبهاني حدثنا الحسين بن محمد بن الوليد التستري بها. حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف بن مسعدة إملاء، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سلام يقول: أنشدني عبدة بن زياد الأصبهاني من قوله:

وأنشدني والدي أبو عمرو محمد، قال: أنشدني والدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس رحمهما الله تعالى قال: أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي قال: أنشدني أبو الوليد سعد السعود بن أحمد بن هشام قال: أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد الملك قال: أنشدنا أبو أسامة يعقوب، قال: أنشدني والدي الفقيه الحافظ أبو محمد بن حزم لنفسه:

والله المسؤول أن يلهمنا رشدا يدلنا عليه، ودلالة تهدينا الى ما يزلفنا لديه، وهداية يسعى نورها بين أيدينا إذا وقفنا يوم العرض بين يديه بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.

وكنت بصفد لما بلغتني وفاته رحمه الله تعالى:

قلت أرثيه رحمه الله تعالى:

وكتبت إليه لما قدمت الى دمشق من القاهرة:

وكتبت إليه:

وكتبت على كتابه بشرى اللبيب:

وبيني وبينه رحمه الله تعالى مكاتبات كثيرة. كتبت إليه من الرحبة وهو:

فكتب هو الجواب عن ذلك:

يقبل كذا وينهي ورود المشرف فأكرم به واردا، وأعزز علي به وافدا، يجلو على الأبصار ما شاء من زين، ويجلي عن البصائر ما شاء من رين، حائزا من نظمه ونثره ربح الصناعتين، فائزا من سحر بيانه ودر بنانه بأمد الشرفين، والسبق في الطرفين، والاستيلاء على الأمدين، والاستعلاء على الصدفين، فمد الملوك إليه راحته، واستمد منه راحته، وأدار منه راحه، وألفى لديه انشراحه، ونال به على الدهر اقتراحه، بعدما وجد من فراق من به وجد، وقد أضرم بقلبه من نار الخليل لفقد الخليل ما وقد، فراح كليم اشتياق في أليم احتراق، ينادي بلسان الأشواق:

فوافته وقد شطت الدار، وتنادى عنه المزار، تحية باهى بلطفه الصبا وباهر في حسنها شمس الضحى، وبعرفها زهر الربا، فقال يا بشراي بعهدها الوفي وجمالها اليوسفي، أصدرت عن بشر أم ملك، أم عن ملك البلاغة الذي ملك من در القول ما ملك، وترك لغيره من مخشلبه ما ترك، وأما فقده، حرسه الله تعالى، وهو بدمشق الفواكه الفتحية، فقد وقف المملوك على ما تضمنته تلك التحية، وهزت منه عطفا لتلك الأريحية، وإنما يجتني كما قال المقر الشهابي حرسه الله تعالى من غرس بدا صلاحه، وروض فلاحه، وتفتح زهره فراق اختتامه بالمسك وافتتاحه، المملوك يلتمس التشريف بخدمه ومراسيمه ومهماته، والله يحرسه في حركاته وسكناته، إن شاء الله تعالى.

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:

يقبل الأرض التي مجالس العلم بها مشهودة، وبركاتها مشهورة، وكتب السنة الشريفة منصوصة، وكتائبها منصورة، ونفائس الآداب بها مسرودة، ونفوس أهلها مسرورة:

والقدم الذي إذا خطت يكاد يسعى إليها المنبر، ويوطئها قدرها العلي خد من فسد ومن بر، ويمسح أخمصها إذا سعت في المعالي عن بر عنبر:

واليد التي لو أرادت لنالت الكواكب، وأخجلت بجودها الغيوث الهوامع والسحب السواكب، وحملت رايات فخارها التي تزدحم تحت ظلها في السيادة مناكب الكواكب:

تقبيل محب ظفر بوصل حبيبه، وأمكنته الفرصة بغفلة كاشحه وغيبة رقيبه، فهو يصل القبلة بالقبلة، ويشفع النهلة بالعلة:

ويستمر على ولائه الذي:

#يراه على طول المدى خير صاحب

ويحافظ على دعائه الذي:

#به تعرف العشاق عند الحبائب

ويبث من ثنائه الذي:

#يضوع شذاه في الصبا والجنائب

ويصف أشواقه التي لا يعلم قرارها إلا الذي أوجبها وقررها، ولا يدري قدرها إلا الذي حكم بها وقدرها، ولا يعرف ألمها إلا القلب الذي لمها، ولا يجبر ضيمها إلا الفؤاد الذي ضمها، فهي الأشواق التي استعارت الجحيم استعارها، ونفت عن الجفون قرتها وعن الجوانح قرارها، وأعدمت النفس في الصباح صلاحها وفي المساء مسارها.

فآها على الديار المصرية وأوقاتها، وسقيا لمعاهد أنسها لنفسها ولذاتها لذاتها، ورعيا لتلك المنازل التي لا تخرج الأقمار عن هالاتها، وحفظا لتلك الوجوه التي:

#للشمس أضواء على جبهاتها

وشكرا لتلك النفوس التي:

#المجد يغلبها على علاتها

وما أقول بل ما أنتظر إلا نظرة شهابية، ولا أترقب إلا همة عدوية عمرية، تنقذني من نار هذه الغربه، وتعيدني الى خير عالم وألطف تربه، وتتعطف على من غدرت به أيامه ولياليه، وأتى كما حكمت عليه الأقدار بذنب عقابه فيه:

فلله عزماتها التي لو شاءت جمعت بين الضب والنون، وأبدلت بالمنى موارد المنون، وما ذلك عليها بمشيئة الله تعالى بعزير ولا عتيد، وما هي إلا كلمة تدخل بالمملوك الى دار السعادة كما عودت من باب البريد.

وأما المثال العالي أعلاه الله تعالى وجعل القلوب في علي قدره تتوالى، فأعود الى وصفه نثرا وأستعير من كلماته في تقريظه درا، فأقول: إنه اشتمل على المحاسن وغدا أنموذج الجنة التي خمرها مغتال وماؤها غير آسن، تقطر البلاغة من كلمه، وتشف الفصاحة من وراء ما سطر بقلمه، وتغني رياضه الناضرة عن أراك الحمى وعن سلمه، ويهز الواقف على معانيه بالطرف من قرنه الى قدمه، يتحير الناظر فيه لتردده بين روض وأفق، ويتخير الماهر من لفظه تاجا لفرق أو قلادة لعنق:

وأما عبودية المملوك التي تقدمت فوالله ما توهم المملوك أن سيدي، حرسه الله تعالى، يتكلف لها جوابا، ولا يفتح من بيوت نظمه المصون لهذه الطارقة بابا. ولو تحقق هذا الأمر لأعطاها حيله وحيله وشد على شن الإغارة على المعاني الجامحة خيله، وأعمل فكرة في تهذيب ما يهديه حتى يقال: هذا كتاب ليلة وألف ليلة.

ولما كان هذا مقام افتراص، واقتناء لجواهر كلم سيدي واقتناص بعث هذه العبودية طمعا في الجواب الثاني، وعوذها من الشآم بعطف مولانا الذي لا يثنيه عن الخير ولا الجبر ثان، ولله المعري حيث قال:

والله يمتع الأنام بحياته التي هي جملة الأماني، ويديم فضائله التي لا توجد إلا في العقد ولا تؤخذ إلا من الأغاني، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.

فكتب هو الجواب عن ذلك:

يقبل اليد العالية الصلاحية، لا زالت صالحة الشيم، سافحة الديم بل الباسطة الكريمة، لا برحت واسطة عقد الكرم، بل الأرض المنيفة بحلوله لا فتئت مواطن النعم، ومواطئ أولي الهمم:

وينهي ورود المشرفة العالية قدرا، الحالية من البدائع الروائع درا، المؤتقة في رياض الفصاحة زهرا، المطلعة في سماء البلاغة زهرا، وكلف بها كلف عمرو بعراره، والفرزدق بنواره، وأقسم من طرسها بحمرة الشفق، ومن نقسها بالليل وما وسق، ومن غرر معانيها السامية على غير معانيها بالقمر إذا اتسق لتليت أهل البلاغة، فظلت أعناقهم لها خاضعين، وجليت على أرباب اليراعة وألباب البراعة فقالتا: أتينا طائعين، انقيادا لطفيل أعنيتها، وبتريا من مطاعنة أبي براء ملاعب أسنتها، كل يلمحها بطرف كليل وشخص ضئيل، ويرجع عن مجاراتها بأمل حسير وقلب كسير، فلا يجري في ميدانها خيل طراده ولو قام مقام قس في إياده، وأين حميمه من حمياها أم أين سهيله من ثرياها، لشد ما ارتفعت منها المطالع وانقطعت دونها المطامع، فما الظن بوحيد يحتاج الى الذمام وربيط في الرغاب لا عهد له في السرايا ولا أنس له بالدخول في القتام أن يجول في حلبة الرهان أو يطول الى مقاتل الفرسان أو يسابق بسكيته مجلي الميدان، أو يناطق بباقل من سحب ذيلا على سحبان، وهل تستفاد تلك المواد من غير ذلك المواد، وهل استولى على أمد تلك الجواد غير ذلك الجواد، وأن يكاثر البحار الزواخر من ورده الثماد، وأن يطاول الأنجم الزواهر من قرارته الوهاد، فما تفوه السليم الصدق إلا بالتسليم لذلك السبق والتعظيم لذلك الحق اعترافا بما قد حواه رافع ذلك المنار وجامع تلك المبار.

وأما أمره بالمسارعة الى المراجعة والمعاجلة الى المساجلة وما غادره لغيره من متردم، ولو شن على الآداب إغارة ربيعة بن مكدم، فلم يرجع المملوك الى جواب ينجده وخطاب يسعفه بالمراد ويسعده إلا التمثل بقول القائل:

وأما تمثيله ببيت أبي العلاء ما هو فيه من علو المكان لإنابته ابن عمه الحصى عن المرجان فما مكاثره بالأدب، وعيونه تنسل إليه من كل حدب إلا المكاثر بياءي أنيسيان بل لعله حرسه الله تعالى عن له المرور ببلاد ابن عنين بلاد بها الحصباء در أو ثنى عنانه الى منزل ابن اللبانة:

أو أجتاز بنهر أخي مناز وحصاه تروع حالية العذارى، فورده وأمواجه تطرد، إما يرد أو يبترد، لكنه عاكسهم في التشبيه، ونافسهم في التمويه، فاستعبد كلامهم كلامه الحر، وكان ما جاء به من الحصى أنفس مما جاؤوا به من الدر، فتأخروا وإن تقدموا، وتقدم وإن تأخر، وكانت بدائهه لبدائه سواه تسحر، وبدائعه من بديع سواه تسخر.

وأما تشبهه بالهمة الشهابية وتشوفه الى الهمة العدوية فلابد بمشيئة الله تعالى أن تعدى العدوية قربه على بعاده، وتعمر العمرية أرجاء رجائه بعوده الى معاده، والقطر يسبق الدين السواجم، والزهر يعبق وما انشقت عنه الكمائم:

والله يعمر ببقائه أنداءه، ويسر بلقائه أوداءه بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.

وكتبت أنا إليه من دمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة:

فكتب الجواب عن ذلك:

وكتب هو إلي رحمه الله تعالى وأنا بصفد في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة:

فكتبت أنا الجواب عن ذلك:

فكتب هو رحمه الله الجواب:

وردت المشرفة السامية بحلاها، الزاهية بعلاها، المشتملة على الأبيات الأبيات، الصادرة عن السجيات السخيات، التي فاقت الكنديين، وطوت ذكر الطائيين، ما شئت من بدائع إيداع وروائع إبداع، تقف الفصاحة عندها وتقفو البلاغة حدها، فالله ذلك الفضل الوافي، بل السحر الحلال الشافي، بل تلك القوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي، بل تلك المعاني التي حيرت المعاني، وفعلت في الألباب ما تفعله الثالث والمثاني، بل تلك الأوضاع التي حاك الربيع وشيها، وامتثل القلم أمرها ونهيها، فهو يصرفها كيف يشاء مرسوما، ثقة أنها لا تخالف له مرسوما. لقد آل فضل الكتاب إليها وآلى فصل الخطاب لا وقف إلا بين يديها، لقد صدرت عن رياض الأدب فجنت زهره اليانع، لقد أخذت بآفاق سماء البلاغة فلها قمراها والنجوم الطوالع، لقد أفحمت قائلة:

فبادرها المملوك لبنائها متعرفا، وبأرحبها متعرفا، وبولائها متمسكا وبثنائها متمسكا، شوقا إليها لا يبيد ولو عمر عمر لبيد، واقفا على آمال اللقاء وقوف غيلان بدار مية، عاكفا على أرجاء الرجاء عكوف توبة على حب ليلى الأخيلية، والله يتولاه في حالتيه ظاعنا ومقيما، ويجعل السعد له حيث حل خدينا والنجح خديما، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:

يقبل الأرض وينهي ورود المثال الذي تصدق به مولانا منعما، وأهده خميلة فكم شفى زهرها المنعم من عمى، وبعثه قلادة فكم أزال درها المنظم من ظمأ وأقامه حجة، على أن مرسله يكون في الإحسان والآداب مالكا ومتمما، فبللت برؤيته غلة الظمأ البرح، وعاينت ما شاده من بنيان البيان، فقلت لبلقيس عيني ادخلي الصرح، وقمت من حقوقه الواجبة علي بما يطول فيه الشرح، وتلقيته بالضم الى قلب لا يجبر منه الكسر غير الفتح، وأسمت ناظري من طرسه في روضه الأنف، وقسمت حليه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشنف، ووردت منهله الصافي والتحفت بظله الضافي، واجتليت من وجهه بشرا قابله الشكر بالقلم الحافي، وعكفت منه على كعبة الفضل فلله ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وكلفت قلبي الطائر جوابا فلم تقو القوادم وظهر الخواء في الخوافي، وقلت هذا الفن الذي ما له ضريب، وهذا وصل الحبيب البعيد، قد نلته برغم الرقيب القريب:

وأقسم أن البيان ما نكب عما دبجه مولانا ونكت، ولا أجراه الله على لسانه إلا لما سكت البلغاء وبكت، ولا آتاه هذه النقود إلا وقد خلصت القلوب من رق غيره وفكر، ولا وهبه الله هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوائل أحسوا بطول رسائلهم فقطعوها من حيث رقت، والصحيح من حيث ركت، فما كل كاتب يده فم ولسانه فيه قلم، ولا كل متكلم حش بيانه تأتم الهداة به كأنه علم، ولا كل بليغ إذا خاطب الولي كلا أو كلم العدو كلم، لأن مولانا حرسه الله تعالى لا يتكلف إذا أنشا، ولا يتخلف إذا وشى، والسجع أهون عنده من النفس الذي يردده أو أخف، والدر الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدر الذي في قعر البحر وأشف، وإذا راض قلمه روض الطروس من وقته، وإذا أفاض كلمه فوض البيان أمر مقته ومقته، وما كلمه إلا بحر، والقوافي أمواج، وما قلمه إلا ملك البلاغة فإذا امتطى يده ركضت به من الطروس على حلل الديباج، فلهذا أخملت رسائله الخمائل، وتعلمت منها الصبا لطف الشمائل، وأخذت بآفاق البلاغة فلها قمرها الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل، وانتقت أعالي الفضائل، وتركت للناس فضالة الأسافل:

فأما دره الذي خرطه الجناس في ذلك السلك فما أحقه وأولاه بقول ابن سناء الملك:

فلو رأى الميكالي نمطه العالي وتنسم شذى غاليته العزيز الغالي لقال عطلت هذه المحاسن حالي الحالي وكنت من قبلها ما أظن اللآلئ إلا لي، ولو ظفر الحظيري بتلك الدرر حلى بها تصنيفه، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه وعوذها بآية الكرسي، ودخل دار صمته وأغلق باب الفتح القدسي، فعين الله على هذه الكلم التي نفثت في العقد، وأيقظت جد هذا الفن الذي كان قد رقد، فقد أصاب الناس بالسهام، وأصبت أنت بالقرطاس، وجاؤوا في كلامهم بالذاوي الذابل وجئت أنت بالغض اليانع الغراس، وأبعدت أنت في مرمى هذا الفن فقاربوا، ولكن أين الناس من هذا الجناس، وسبقت الى الغاية، ولو وقفت ما في وقوفك ساعة من باس، وقد قيل: بدئ الشعر بأمير وختم بأمير، يريدون امرأ القيس وأبا فراس، وكذا أقول بدئ بالبستي وختم بمولانا، وكلاكما أبو الفتح فصح القياس.

وقد أثنيت على تلك الروضة ولو وفقت لانثنيت وما أثنيت، ووقفت عند قدري فما أجبت، ولكن اتقحت وما استحييت، على أني لو وجدت لسانا قائلا لقلت، فإني قد وجدت أول البيت وقد شغل وصف مثال مولانا عن شكوى حال المملوك الشاقة، وأرجو أنني أوصيها شفاها إما في الدنيا وإما في يوم الحاقة:

قلت: كأن هذه الخاتمة كانت مني فألا عليه، فإنا لم نلتق، وحالت المنية بينه وبين الجواب، والمرجو من الحلم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ورحمته.

وأنشدني رحمه الله تعالى من لفظه لنفسه ما كتبه الى ابن عمه:

وهي طويلة، وهذا القدر منها كاف.

وأنشدني من لفظه لنفسه غير مرة:

وأنشدني من لفظه لنفسه:

وأنشدني من لفظه لنفسه:

وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزا في قراقوش:

وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت:

وأنشدني في لفظه لنفسه:

  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 201

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد ابن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن سيد الناس ابن أبي الوليد بن منذر بن عبد الجبار بن سليمان أبو الفتح فتح الدين اليعمري الشافعي الحافظ العلامة الأديب المشهور ولد في ذي القعدة سنة 671 وكان من بيت رئاسة في بلاده وكان ابن عمه خيرا قائدا حاجبا باشبيلية وكان أبوه قد قدم الديار المصرية ومعه أمهات من الكتب كمصنف ابن أبي شيبة ومسنده ومصنف عبد الرزاق والمحلى والتمهيد والاستيعاب والاستذكار وتاريخ ابن أبي خيثمة ومسند البزار وأحضره أبوه في سنة مولده على النجيب فقبله وأجلسه على فخده وكناه أبا الفتح ثم أحضره في الرابعة على شمس الدين المقدسي وسمع على القطب القسطلاني والعز الحراني وابن الأنماطي وغازي وابن الخيمي وشامية بنت البكري وطلب بنفسه وكتب بخطه وأكثرعن أصحاب الكندي وابن طبرزذ ورحل إلى دمشق فاتفق وصوله عند موت الفخر ابن البخاري فتألم لذلك وأكثر عن الصورى ابن عساكر وابن المجاور وغيرهم وأجاز له جمع جم من العراق وإفريقية وغيرها وحفظ التنبيه ولعل مشيخته يقاربون الألف ولازم ابن دقيق العيد وتخرج عليه في أصول الفقه وأعاد عنده وكان يحبه ويؤثره ويسمع كلامه ويثني عليه وأخذ العربية عن بهاء الدين ابن النحاس وكتب الخط المغربي والمصري فأتقنهما قال الكمال الادفوي حفظ التنبيه في الفقه وصنف في السيرة كتابه المسمى عيون الأثر وهو كتاب جيد في بابه وشرع لشرح الترمذي ولو اقتصر فيه على فن الحديث من الكلام على الأسانيد لكمل لكنه قصد أن يتبع شيخه ابن دقيق العيد فوقف دون ما يريد قال الذهبي كاد يدرك الفخر ففاته بليلتين ولعل مشيخته يقاربون الألف ونسخ بخطه وانتقى ولازم الشهادة مدة وكان طيب الأخلاق بساما صاحب دعابة ولعب صدوقا في الحديث حجة فيما ينقله له بصر نافذ في الفن وخبرة بالرجال ومعرفة بالاختلاف ويد طولى في علم اللسان ومحاسنه جمة قال ولو أكب على العلم كما ينبغي لشدت إليه الرحال ولكنه كان يتلهى عن ذلك بمباشرة الكتبة وكان النظم عليه بلا كلفة وكان بساما كيسا معاشرا لا يحمل هما وقال البرزالي كان أحد الأعيان معرفة وإتقانا وحفظا للحديث وتفهما في علله وأسانيده عالما بصحيحه وسقيمه مستحضرا للسيرة له حظ من العربية حسن التصنيف صحيح العقيدة سريع القراءة جميل الهيئة كثير التواضع طيب المجالسة خفيف الروح ظريفا كيسا له الشعر الرائق والنثر الفائق وكان محبا لطلبة الحديث ولم يخلف في مجموعه مثله وقال القطب إمام محدث حافظ أديب شاعر بارع جمع وألف وخرج وأتقن وصارت له يد طولى في الحديث والأدب مع الإتقان ثبت فيما ينقل ويضبط من أحسن الناس محاضرة وقال ابن فضل الله كان أحد أعلام الحفاظ وإمام أهل البلاغة الواقفين بعكاظ بحر مكثار وحبر في نقل الآثار وله أدب أسلس قيادا من الغمام بأيدى الرياح وأسهل مرادا من الشمس في خيمة الصباح فانظر كلام من يشهد الصفدي له مع أنه كان متحرفا عنه فالفضل ما شهدت به الأعداء وقال الصلاح الصفدي كان حافظا بارعا متفننا في البلاغة ناظما ناثرا مترسلا حسن الحظ جدا حسن المحاورة لطيف العبارة أخبرني عماد الدين ابن القيسراني قال كان ابن دقيق العيد إذا حضرنا درسه وجاء ذكر أحد من الصحابة والرجال قال ايش ترجمه هذا يا أبا الفتح فيأخذ في الكلام ويسرد والناس سكوت والشيخ مصغ إلى ما يقول قال وكان صحيح القراءة سريعها لم أسمع أفصح منه ولا أسرع وكان يكتب المصحف في جمعة واحدة وعيون الأثر في عشرين يوما قال لي لم أكتب على أحد ولم يكن لي في العروض شيخ فنظرت فيه جمعة فوضعت فيه تصنيفا وله مختصر السيرة سماه نور العيون وبشرى اللبيب بذكرى الحبيب قصائد نبوية وشرحها في مجلد وله منح المدح والمقامات العلية في الكرامات الجلية وولي درس الحديث بالظاهرية ومدرسة أبي حليقة ومسجد الرصد وخطابة جامع الخندق وله رزق بالديار المصرية وراتب بصفد قال الصفدي ما رأيت أحدا له مثل خطه ما رآه أحد إلا أحبه كان علم الدين الدواداري يحبه ويلازمه كثيرا ودخل به إلى المنصور لاجين وقد مدحه بقصيدة فرتبه في جملة الموقعين فرأى الشيخ الملازمة صعبة فسأل الإعفاء فقال اجعلوا معلومه راتبا فلم يزل يتناوله إلى أن مات وكان الكمالي ينام معه وكان كريم الدين يميل إليه كثيرا وكان أرغون النائب يتعصب له ولا استثنى أحدا من الأمراء بالديار المصرية إلا الجاي الدوادار فإنه كان منحرفا عنه وكذا الفخر ناظر الجيش وابن فضل الله وقال الذهبي أيضا في حقه ذو الفنون والذهن الوقاد قال وكان عديم النظير في مجموعه رأسا في الأدب قل أن ترى العيون مثله في فهمه وعلمه وسيلان ذهنه وسعة معارفه وحسن خطه وكثرة أصوله وكان طيب الأخلاق ذا كرم وبذل وإعارة لكتبه تخرج به جماعة وقال الكمال جعفر كان يعاشر بعض الأكابر فوقع له من البدر ابن جماعة زجر فصرفه عن إعادة الحديث الجامع الطولوني وأنشد له قصيدة طويلة مدح بها ابن عمه المذكور أولا وأرسلها إليه أولها

يقول في مديحها
قال الصفدي وأقمت عنده بالظاهرية قريبا من سنتين فكنت أراه يصلي كل صلاة مرات كثيرة فسألته عن ذلك فقال لي خطر لي أن أصلي كل صلاة مرتين ففعلت ثم ثلاثا ففعلت وسهل علي ثم أربعا ففعلت قال واشك هل قال خمسا قال وكان صحيح العقيدة جيد الذهن يفهم النكت العقلية ويسارع إليها ولو كان اشتغاله على قدر ذهنه لبلغ الغاية القصوى ولكنه كان يتلهى عن ذلك بمعاشرة الكبار قال وكان النظم عليه بلا كلفة قال وكتبت إليه إلى الديار المصرية وأنا بالرحبة
وفيها نظم ونثر فأحابني يقول
وهي طويلة ومن شعره
وله
وله ملغزا في قراقوش
وكتب إلى ابن عمه قصيدة أولها
وله قصيدة أولها
ذكر الصفدي أنه رآه في المنام فعاتبه على قوله في ترجمته كان يتلعب قيل ان الناصر رأى جنازته خافلة فسأل من الجلال القزويني في صبيحة ذلك اليوم عنها فذكر له مقداره وكان الفخر ناظر الجيوش كما تقدم يغض منه فقال للناصر إنه كان مع ذلك يعاشر الأمراء والوزراء قديما قال وينشد عندهم فذكر ذلك الناصر للجلال القزويني والتقي الاخنائي فبرأاه من ذلك وشهدا بعدالته ونزاهته وعفته يرحم الله الجميع وكانت وفاته في شعبان سنة 734

  • مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 2- ص: 0

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد ابن يحيى بن سيد الناس الحافظ الأديب فتح الدين أبو الفتح بن الفقيه أبي عمرو بن الحافظ أبي بكر اليعمري الأندلسي الأشبيلي ثم المصري
أجاز له النجيب الحراني وحضر على الشيخ شمس الدين بن العماد الحنبلي
وسمع من قطب الدين بن القسطلاني ومن غازي الحلاوي وابن خطيب المزة وخلق
قال شيخنا الذهبي كان صدوقا في الحديث حجة فيما ينقله له بصر نافذ بالفن وخبرة بالرجال وطبقاتهم ومعرفة بالاختلاف
وقال الشيخ علم الدين البرزالي كان أحد الأعيان معرفة وإتقانا وحفظا وضبطا للحديث وتفهما في علله وأسانيده عالما بصحيحه وسقيمه مستحضرا للسيرة له حظ وافر من العربية وله الشعر الرائق والنثر الفائق
وقال ابن فضل الله في مسالك الأبصار أحد أعلام الحفاظ وإما أهل الحديث الواقفين فيه بعكاظ البحر المكثار والحبر في نقل الآثار وله أدب أسلس قيادا من الغمام بأيدي الرياح وأسلم مرادا من الشمس في ضمير الصباح
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي كان حافظا بارعا متوعلا هضبات الأدب عارفا متفننا بليغا في إنشائه ناظما ناثرا مترسلا لم يضم الزمان مثله في أحشائه خطه أبهج من حدائق الأزهار وآنق من صفحات الخدود المطرز وردها بآس العذار
قلت مولده في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وستمائة
وكان من بيت رياسة وعلم ولجده مصنف في منع بيع أمهات الأولاد في مجلد ضخم يدل على علم عظيم
وصنف الشيخ فتح الدين كتابا في المغازي والسير سماه عيون الأثر أحسن فيه ما شاء
وشرح من الترمذي قطعة وله تصانيف أخر ونظم كثير
ولما شغرت مشيخة الحديث بالظاهرية بالقاهرة وليها الشيخ الوالد ودرس بها فسعى فيها الشيخ فتح الدين وساعده نائب السلطنة إذ ذاك ثم لم يتجاسروا على الشيخ فأرسل الشيخ فتح الدين إلى الشيخ يقول له أنت تصلح لكل منصب في كل علم وأنا إن لم يحصل لي تدريس حديث ففي أي علم يحصل لي التدريس فرق عليه الوالد وتركها له فاستمر بها إلى أن مات في حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة
ومن شعره

ومنه
ومنه
منها
ورد إلى دمشق في سنة ثلاث وستين وسبعمائة
وبحثنا معه فوجدناه إماما في المنطق والحكمة عارفا بالتفسير والمعاني والبيان مشاركا في النحو يتوقد ذكاء
وله على الكشاف حواش مشهورة وشرح الشمسية في المنطق
توفي في سادس عشر ذي القعدة سنة ست وستين وسبعمائة بظاهر دمشق عن نحو أربع وسبعين سنة

  • دار هجر - القاهرة-ط 2( 1992) , ج: 9- ص: 268

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد العزيز ابن سيد الناس الربعي اليعمري الأندلسي الأصل القاهري المولد والدار والوفاة، الشيخ فتح الدين أبو الفتح بن أبي عمرو بن أبي بكر. حضر بالقاهرة في الرابعة على الشيخ شمس الدين ابن العماد، وفي الخامسة على محمد بن عبد المنعم ابن الخيمي، وسمع من العز الحراني وابن خطيب المزة وغازي الحلاوي وأبي بكر ابن الأنماطي، وخليل بن أبي بكر المراغي ومحمد بن إبراهيم بن ترجم وأبي بكر محمد بن أحمد ابن القسطلاني وأحمد بن حمدان الحراني وشامية بنت الحسن بن محمد البكري وخلق، وبالإسكندرية من أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي ويحيى بن أحمد ابن الصواف وغيرهما، وبالقدس الشريف من يوسف ابن الملك الناصر داود، وبنابلس من عبد الحافظ بن بدران، وبدمشق من محمد بن عبد المؤمن الصوري ويوسف بن يعقوب ابن المجاور وإبراهيم ابن علي الواسطي وعمر بن عبد المنعم ابن القواس وغيرهم، وبمكة من أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الطبري وغيره، وحدث.
سمع منه صاحبه الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبي وغيره، وكتب بخطه وقرأ بنفسه وحصل الأصول والفروع، وكتب العالي والنازل، وانتقى على بعض شيوخه ودرس وفرع وأصل وصحح وعلل وكتب الخط المنسوب ونظم الشعر الفائق.
مولده في رابع عشر ذي القعدة، وقيل: في العشر الأول من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وست مئة. وتوفي يوم السبت حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة وصلي عليه من الغد ودفن.
بالقرافة، رحمه الله تعالى وإيانا.
سمعت عليه من نظمه.
أنشدنا الشيخ الإمام العلامة فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن سيد الناس الربعي اليعمري الشافعي لنفسه:

  • دار الغرب الإسلامي-ط 1( 2004) , ج: 1- ص: 452

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى
ابن محمد بن محمد بن أبي القاسم بن عبد الله بن عبد العزيز بن سيد الناس ابن أبي الوليد بن منذر بن عبد الجبار بن سليمان أبو الفتح فتح الدين اليعمري الإمام الحافظ العلامة الأديب المعروف بابن سيد الناس
ولد في ذي القعدة سنة 671 إحدى وسبعين وستمائة وهو من بيت رياسة بإشبيلية وكان أبوه قد قدم الديار المصرية ومعه أمهات من الكتب كمصنف ابن أبي أشته ومسنده ومصنف عبد الرزاق والمحلى والتمهيد والاستيعاب والاستذكار وتاريخ ابن أبي خيثمة ومسند البزار وأحضره أبوه في سنة مولده على النجيب فقبله وأجلسه على فخذه وكناه أبا الفتح ثم أحضره في الرابعة على شمس الدين المقدسي وسمع على القطب القسطلاني وابن الأنماطي وأكثر عن أصحاب الكندي وابن طبرزذ ورحل إلى دمشق فسمع من الصوري وابن عساكر وغيرهما وأجاز له جمع جم من جهات مختلفة ولازم ابن دقيق العيد وتخرج به في أصول الفقه
قال الذهبي ولعل مشيخته يقاربون الألف ونسخ بخطه وانتقى ولازم الشهادة مدة وكان طيب الأخلاق بساما صاحب دعابة ولعب صدوقاً حجة فيما ينقله له بصر ناقد بالفن وخبرة بالرجال ومعرفة الاختلاف ويد طولى في علم اللسان ومحاسنه جمة ولو أكب على العلم كما ينبغي لشدت إليه الرحال وقال البرزالي كان أحد الأعيان إتقانا وحفظا للحديث وتفهما في علله وأسانيده عالما بصحيحه وسقيمه مستحضراً للسيرة
له حظ من العربية حسن التصنيف صحيح العقيدة سريع القراءة جميل الهيئة كثير التواضع طيب المجالسة خفيف الروح ظريف اللسان له الشعر الرائق والنثر الفائق وكان محبا لطلبة الحديث ولم يخلف في مجموعه مثله وقال ابن فضل الله كان أحد أعلام الحفاظ وإمام أهل البلاغة الواقفين بعكاظ بحر مكثار وخبير في نقل الآثار انتهى
وله تصانيف منها السيرة النبوية المشهورة التي انتفع بها الناس من أهل عصره فمن بعدهم وشرع بشرح الترمذي كتب منه مجلدا إلى أوائل الصلاة وقفت عليه بخطه الحسن ولعل تلك النسخة التي وقفت عليها هي المسودة فإنها كثيرة الضرب والتصحيح وهو متمتع في جميع ما تكلم عليه من فن الحديث وغيره مع التزامه لإخراج الأحاديث التي يشير إليها الترمذي بقوله وفي الباب عن فلان وفلان الخ ولما وقفت على الجزء الذي من شرح الترمذي الذي يلي هذا الجزء للزين العراقي بهرني ذلك ورأيته فوق ما شرحه صاحب الترجمة بدرجات وله بشرى الكئيب بذكر الحبيب قصائد نبوية وشرحها في مجلد وله منح المدح والمقامات العلية في الكرامات الجلية وولى التدريس بمدارس وكان محببا إلى الناس مقبولاً عندهم يعظمه كل أحد لاسيما أمراء مصر وأرباب رياستها قال الصفدي وأقمت عنده بالظاهرية قريبا من سنتين فكنت أراه يصلي كل صلاة مرات كثيرة فسألته عن ذلك فقال خطر إلى أن أصلي كل صلاة مرتين ففعلت ثم ثلاثاً ففعلت وسهل علي ثم أربعا ففعلت قال واشك هل قال خمسا انتهى
وهذا وإن كان فيه الاستكثار من الصلاة التي هي خير موضوع وأجمل مرفوع لكن الأولى أن يتعود التنفل بعد الفرائض على غير صفة الفريضة فإن حديث النهي عن أن تصلي صلاة في يوم مرتين ربما كان شاملاً لمثل صورة صلاة صاحب الترجمة ولعله يجعله خاصا بتكرير الفريضة بنية الافتراض ومن نظمه

ومن قصائده القصيدة التي مطلعها
ومنه من أبيات
وكان موته في شعبان سنة 734 أربع وثلاثين وسبعمائة

  • دار المعرفة - بيروت-ط 1( 0) , ج: 2- ص: 249